.. وعلماء الدين: الحرية لا تعنى التطاول وهدم الثوابت

03/02/2016 - 12:43:24

تحقيق يكتبه: طـه فرغلى

"فارق كبير بين حرية الفكر والإبداع وبين التطاول وهدم العقائد"، هذه الجملة هى ملخص اراء علماء الدين والإفتاء فى قضية الازدراء.


العلماء يقفون إلى حد بعيد مع حرية التعبير، ويستشهدون بآيات وأحاديث تؤكد هذا المعنى، لكنهم فى الوقت ذاته يقفون بالمرصاد ضد أى تطاول، ويؤكدون أن الحرية يجب أن تكون منضبطة، حتى الدكتور آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة، التى قالت إن تعبير "ازدراء الدين" تعبير مطاط ناشدت فى الوقت ذاته المفكرين والكتاب بألا ينساقوا وراء ما أسمته غواية مفردات اللغة وغواية العقل وضرورة أن تكون لغتهم منضبطة".


يفصل الدكتور سعيد عامر، رئيس لجنة الفتوى فى الأزهر، القضية ويشرحها شرحا وافيا فيقول "من أهم حقوق الإنسان، بل أهمها على الإطلاق، أن يكون الإنسان حرا فى معتقده وفكره، فلا يكون لغيره الحق فى أن يكرهه على عقيدة معينة، ولا فكر مخصوص فى إطار الضوابط والآداب الشرعية الإنسانية، وحرية الفكر التى دعا إليها الإسلام، هى الحرية التى تطلق العقول والأفهام من أغلال الحجر العقلى، والكبت الفكرى، وتجلى معالم الحقائق، وتجعل قيادة التوجيه، قيادة بناء وإصلاح، وإرشاد، تستمد مقوماتها من هدى الإسلام وتعاليمه وتوجيهاته، وقد عنى القرآن الكريم بإرساء هذا الحق للإنسان قال تعالى "ولوشَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)  (هود: ١١٨-١١٩)، وقال{إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ   فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ}كذلك   (الغاشية ٢١/٢٢).{بِمُسَيْطِرٍ


وأوضح أن الإسلام ذم التقليد وأهله، بدون علم وفكر، لأنه عدو العقل الإنساني، وهو الجو الذى تعيش فيه الخرافة والدجل والشعوذة، وكل ما يجد له سوقا رائجة فى غيبة العقل، ومن ثم كانت حرية الرأى والتعبير فى الإسلام لها قداسة، لأن الحرية هى منطلق المواهب والملكات، أو كما يقول العلامة ابن عاشور: "حلية الإنسان وزينة المدينة، فبهما تنمى القوى، وتنطلق المواهب، وبصوبهما تنبت فضائل الصدق، والشجاعة" .


وقال: "إذا كانت هذه الحرية، فالاستبداد هو معتقل كل هذه الفضائل، لأن الإنسان مع الاستبداد يجرد من أهم خصائصه كإنسان، فحرية الرأى والتعبير، حق مكفول للجميع مع ضرورة مراعاة الأدب والقيم، وحرر الإسلام الإنسان من طاعة الأهواء والانقياد الأعمى، لأن طاعة الأهواء من أقوى عوامل انحراف الإنسان فى سلوكه وفى نظره وفى تفكيره، ولهذا قرر الإسلام حق الإنسان فى حرية الفكر واستقلال الإرادة، وفتح له طريق التحرر الفكري، والاستقلال الإرادى وبوأه المنزلة اللائقة بإنسانيته وكرامته، فى إطار الضوابط والآداب والقيم الأخلاقية .


حرية الإبداع


وأضاف: "الإسلام لا يقف ضد حرية الإبداع، ولكن لا توجد حرية بدون مسئولية، وحرية التعبير ليست حرية فردية، كما يتصور البعض، أو يصورون، ولكنها حرية اجتماعية وثقافية نابعة من عدم المساس بالثوابت الدينية، وعدم المساس بسلامة المجتمع "جدودا، وحدودا، وأرضا، وبشرا"، وذلك شرط موضوعى لحق حرية التعبير، ومن يعبر عن فكرة دارت فى رأسه تتضمن المساس بثوابت الدين، وتقويض المجتمع، لابد للجميع أن يجرمه ويحرمه ويمنعه أو يقيده، لأن ذلك لا يمثل إبداعا، ولا أدبا، بل فيه عبارات تتضمن ازدراء الدين (الله عز وجل – الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين – القرآن الكريم .......) وهذه خطوط حمراء، ينبغى أن تستعلى فوق أى اشتباك أو اجتهاد، فتلك مسألة ضخمة ينبغى التعامل معها بمنتهى الحذر، بحيث تتضح فيها الخطوط الفاصلة بين حماية النظام العام والآداب، وبين مصادرة حرية التعبير والإبداع، ويظل التحدى الحقيقى متمثلا فى الكيفية التى يمكن بها احترام الدين والأئمة وثوابت المجتمع وقيمه الأساسية، وبين احترام الحق فى التعبير والإبداع، أما أن نعطى للمبدع الحق فى نعت المقدسات بما يحلو له، أو حق المبدع فى هلك قلب القارئ، وسب الدين والملة والأئمة فى مقالات وبحوث ولقاءات وقصائد، فهذا إجرام فى حق الله وحق العلماء والشعب، وضد الدستور وضد الدولة، وضد الدين والرسالات السماوية".


وأكد أن هناك خطوط حمراء يمثل الاقتراب منها خطرا على مصلحة الدولة والشعب، فالحرية فى الإسلام حرية مسئولة، وليست حرية انفلات محض، حرية ألفت القيد وأبقت الحد، فالقيد: حاجز يعطل الإبداع، والحد خط أو إشارة تعنى عدم التجاوز .


عقوبة ازدراء الدين


وقال: "إن الصراع لا يصنع الأفضل لكل الأطراف، والدين الإسلامى يتعرض لحملات عدة تتهمه بأنه دين التعصب، والتزمت، ورفض الحوار مع الآخر أو التعايش معه، مع أن الحوار بين البشر ليس مفهوما جديدا، ولا مبدأ مستحدثا، بل هو فكرة ووسيلة استخدمت فى مختلف مراحل التاريخ البشري، والإسلام ذكر الحوار وبين أنه يساعد فى إثراء العلوم والحياة، وقيده بالتى هى أحسن "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِى أَحْسَنُ" (النحل:١٢٥)، قال الحافظ بن كثير: أى من أحتاج منه إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن وبرفق ولين وحسن خطاب، والسنة الكونية المتصلة بالمقدس، هى أنه حين يتحول المقدس إلى مسار للسخرية والاستهزاء، أو موضوع للتلاعب والأهواء، وتقلبات المزاج، وأفكار الصبيان الحداث، فذلك إيذانا بانهيار حياة هذه الأمة ووجودها، لذلك فكل أمة تدافع عن مقدساتها، سوا ء أكانت دينا أو حتى اختراعا.


وهناك رموز مثل "علم الدولة" يتحول من مجرد قطعة قماش إلى "رمز مقدس الحياة"، تحيا له وتموت لأجل بقائه مرفوعا، فالمقدسات ترتفع فوق الدلالة المادية لها، كما ترتفع فوق مشابهتها لغيرها، والإسلام الدين الخاتم اتخذ رموزا حقيقية وليست رموزا أسطورية، هذه الرموز هى وحى من عند الله، وقوام الأمة ووجودها مستمدان من هذه المقدسات، والاجتراء عليه يعنى الدخول فى منطقة خطر على الأمة كلها، لأنها تهديد لوجودها وكيانها وحياتها، ولذا فالأمة الإسلامية لديها آلياتها لحماية مقدساتها لكى تبقى الأمة حية ومقدساتها محفوظة" .


وشدد على أن الذى يجترئ على المقدسات معتد يريد تدمير سنن البقاء والوجود والحياة، والخروج عما هو معلوم من الدين بالضرورة، وانتهاك المقدسات الدينية والشرائع السماوية والآداب الإسلامية، والقيم القومية، بعد إفساد فى البلاد والعباد ونشر الخراب والدمار.


وأوضح أن صفات هؤلاء السخرية والاستهزاء بآيات الله ورسوله، وبأعلام الإسلام، "وإذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ" (البقرة١١/١٢) هؤلاء كلامهم فساد، ونظرهم فساد، وعملهم فساد، ومع هذا يظنون أنهم على الصلاح.


وقال: إن السخرية والتطاول منهج المفسدين قديما وحديثا «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ » (التوبة ٦٥/٦٦).


"وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِى وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " (التوبة:٦١).


"إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا" (الأحزاب٥٧/٥٨)


"لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" (الأحزاب:٦٠-٦٢)، وهذا الصنف من الناس ما زال موجودا بنفس الملامح، وذات السمات، بل أشد وأقبح مما كان، أولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقد ضل سعيهم فى الدنيا والآخرة، وهؤلاء قد أجمعوا على رفع هيبة القرآن من صدور المسلمين، والسخرية من النبى المصطفى الكريم، والتشكيك فى منهج الله، والتشكيك فى سنة رسول الله، وإهانة المقدسات، والطعن فى أعلام الإسلام والأئمة الكرام، وبذر بذور الفساد الأخلاقى "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال: ٣٠)، ومن ثم استحقوا لعنة الله وغضبه.


الحدود الفاصلة


الإسلام لم يصادر الرأى أو الفكر هكذا يؤكد ويشدد الدكتور إبراهيم نجم مستشار مفتى الجمهورية ويقول: "لقد كرَّم الله تعالى الإنسان على باقى المخلوقات بأن وهبه نعمة العقل والتفكير، فالعقل البشرى من أهم وأكبر الطاقات التى ساعدت الإنسان على التمييز بين الأشياء وإدراك خصائصها واستنباط فوائدها، ولقد جعل الشرع الشريف العقل مناط التكليف، وجعله من أهم مصادر المعرفة الإنسانية، وهذا ما أطلق عليه حرية التفكير، لذلك فإن السابقون قد جعلوا من المحافظة على العقل مقصدًا أساسيًّا من المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، والإسلام لم يصادر الرأى أو الفكر، بل على العكس حثَّ على التفكير والتعلم والتدبر فقال تعالى: «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»؛ فهذه الآيات وغيرها تثبت أن الإسلام فتح للعقل مجالًا واسعًا ليمارس مهمته فى التفكير الذى خلقه الله تعالى لأجله، ودفع العقل الإنسانى دفعًا باتجاه النظر والدراسة والتأمل، كما أن النبى صلى الله عليه وسلم دعا إلى حرية التفكير، ورفض أن يكون المسلم مقلدًا بل مبدعًا فقال صلى الله عليه وسلم: "لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا"، ولكن يجب ألا يتحول الفكر إلى الاستهانة بمعتقدات الناس، فإذا كانت الدساتير والقوانين حفظت للإنسان حرية الفكر والإبداع فهى أيضًا ضمنت للناس احترام معتقداتهم وكذا المعاهدات والمواثيق الدولية، أما فكرة أن يستغل الشخص حق حرية التفكير فى المساس بالدين بالتسفيه والازدراء أو المساس برموزه ومعتقداته فهذا أمر مرفوض ويخرج عن دائرة الحرية إلى التطاول".


الحرية محكومة


وأضاف: "ليس من حق أحد يخرج بدعوى حرية الفكر أن ينال أو يسيء إلى ثوابت الدين ومبادئه، فالحرية محكومة بحدود لا يجب أن تتخطاها، وهو قبل أن تكون منهجًا قيميًّا فهو منهج علمي، لأن الأمور تحكمها قواعد حاكمة لا يجب تجاوزها، ومن الشطط أن يتحول الفكر الذى يبنى الحضارات ويوحد الأمم ويحارب الأفكار الهدامة والمتطرفة إلى معول هدم، وداعية إلى التسفيه والازدراء".


وقال: "أما فيما يخص الازدراء فهو مجرَّم فى الدساتير سواء بصورته الصريحة أو تحت مسمى جرائم الاضطهاد ونشر الكراهية، لأنه خرج عن دائرة الفكر إلى التطاول على الآخرين ومعتقداتهم، والعقوبة المترتبة عليه ليست عقوبة دينية إنما عقوبة قانونية شرَّعها الدستور والقانون بعد استكمال الإجراءات القانونية، مثلها مثل أى جريمة فى القانون وعقوبتها مثل أى عقوبة فى القانون، ولا يجب الخلط فى هذا الأمر، وأنا ضد المصطلحات التى تخرج تصف الأمر على أنه محاكم تفتيش أو أن الدستور يحجر على آراء الناس وأفكارهم، فهذه كلها مغالطات، ويجب الفصل بين حرية الفكر والتعبير المبنى على أسس منهجية وعلمية سليمة ولا تنال من شخص أحد أو معتقده وبين التطاول، الذى يفتقد إلى أى منهج علمى سليم وينال من الأشخاص والمقدسات".


المشيئة والحرية


من جانبه يقول الشيخ محمد زكى رزق الأمين العام للجنة العليا للدعوة بالأزهر الشريف: "إن الله الذى خلقنا ورزقنا وسخر لنا الكون كله لم يكرهنا على اعتناق دين بعينه، وشاء أن تكون لنا المشيئة والحرية، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا اعتدنا للظالمين نار أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا".


فلو شاء الله أن يهدى جميع خلقه للإسلام لفعل، ولو شاء أن يجعلنا أمة واحدة لفعل، إذا هناك حرية فى أن يكون الإنسان مسلما أو غير مسلم، ولكن لما كان الله هو الخالق البارئ أمرنا أن نعبده وحده، وفى نفس الوقت لم يكرهنا على عبادته، وبين الله عز وجل أن هذا المعنى هو رسالة كل الأنبياء، والمرسلين، وإن اختلفت الشرائع فى كل زمان ومكان مراعية حاجة الإنسان وتطوره.


يقول الله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه"، من هنا حرم الله الجنة على من يشرك بالله "إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها"، ونحن المسلمون نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، والحوار بيننا وبين من سبقنا من أتباع سيدنا موسى وعيسى عليهما السلام يكون على هذا النحو الراقى السامى وصولا للهدف الأسمى والمعنى الأكرم، وهو عبادة الله عز وجل "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن، وقولوا آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا، وإلهاكم واحد ونحن له مسلمون".


وهذا هو الأساس، الذى يقوم عليه الحوار والحرية فى الإسلام، وما أمرنا به ديننا الحنيف، الذى يؤكد حرية الإنسان من هنا لا يجوز لمن يحاور أو يجادل أو يفند شبهة خصومه أن يكون سليط اللسان يفسق ويجرم ويستهزئ بالآخرين وينتقص حقوقهم، فليكن الحوار وصولا إلى الحق بالآلية والوسيلة المشروعة، التى تحمل أسمى معانى الأدب والذوق الرفيع.


المحاسبة


ويضيف الشيخ محمد زكى رزق "السب والشتم والتجريح واللعن والتفسيق للآخرين هذه أخلاق المجرمين ولابد لأمثال هؤلاء من معاقبة ومحاسبة حتى لا تكون فتنة فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها والفتنة أكبر وأشد من القتل، ولابد أن نكون حريصين فى كلامنا وتعبيرنا ونمسك ألسنتنا إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله لا يلقى لها بالا - سواء كانت تجريحا أو استهزاء أو ازدراء أو سبا أو لعنا- يهوى بها فى النار سبعين خريفا وإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله يرقى بها درجات فى الجنة، فهل الفكر والتعبير تكون وسيلته سبا وشتما واستهزاء بالعقائد، وطعنا فى أئمة الأمة، التى أجمعت اعلى احترامهم واحترام أفكارهم الداعية لإحياء مقاصد الشرعية وأهدافها، وإحياء منظومة مكارم الإخلاق، وأمة النبى لا تجتمع على ضلالة، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، فإذا كان هناك فى تراث الأمة ما يناسب زماننا فلنأخذه فكل جيل يأخذ من عطاء الإسلام ما يسع واديه، ولم يكن فكر الأئمة فرضا مفروضا على الناس أن يتبعوه ويعملوا به فهو تنزيل لفهمهم لكتاب الله والسنة على واقعهم فلم يكن هذا التنزيل دين يعبد ويقدس، لذلك لنا أن نقبله إذا كان منسجما مع واقعنا ولنا أن نرفضه دون أن نقدح ونسب ونلعن شخص صاحبه.


وأكد أن من يدعون أنهم مفكرون وباحثون ما هم إلا ببغاوات يرددون ما يملى عليهم دون وازع من ضمير أو حب للوطن الذى يريدون تمزيقه خدمة لأجندات ممولة والنيل من الإسلام.


وقال: "هؤلاء غير متخصصين لكى يهتموا بهذا الشأن الذى لا يرقى إليه إلا من قال فيهم الله، "وما يعقلها إلا العالمون"، ولا أدرى لماذا تقوم الدنيا من أجل حكم قضائى ضد من يعلن مناوءته للإسلام وأهله، وضد من يجهر بالمعصية فى أرض التوحيد والطهر، فكيف بمن سب رموز الأمة وشكك فى ثوابتها وطعن فى أئمتها؟، أيترك مثل هؤلاء دون عقاب ولو كان خفيفا زجرا وردعا لأمثالهم؟، أفيقوا يا قوم، حرية الفكر ليست مطلوقة العنان تسفيها وسبا وشتما ولعنا وطعنا وتشويها للمعتقدات خدمة للأهواء التى لا يرضى الله عنها، ونقول لهؤلاء مصر ليست موطنا لتسويق بضاعتكم الخاسرة.


وأكد أن فى الإسلام عقوبة للساب والشاتم والطاعن فى الدين، ويجوز لولى الأمر أن يسن من العقوبات الرادعة والزاجرة ما يحمى به سلامة الأمن القومى والوطنى.


القضايا العقدية


أما الدكتور آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة فى جامعة الأزهر وعضو مجلس النواب وإن كانت تقف مع حرية الفكر والتعبير إلا أنها فى نفس الوقت تؤكد على أن هذه الحرية لابد أن تكون مسؤولة ومنضبطة، وتقول: " القضايا العقدية التى ترتبط بالنبوات ومشاهد يوم القيامة والتوحيد وغيرها، هذه قضايا لها لغتها الخاصة وتعبيراتها المتخصصة الدقيقة، لأن الكلام الدارج لا يصلح للتوحيد أو النبوات أو القضايا الغيبية لذلك فأن حرية التعبير فى مثل هذه القضايا لها ضوابط، ولابد من ضبط اللسان فيها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكب الإنسان على وجهه فى النار"، قالوا "مما يا رسول الله"، قال "من حصاد الألسنة"، فحصاد الألسنة والذى أراه الآن أصبح مفتوحا ومنفلتا بشكل لم نعهده فى الماضى لذلك وجب ضبط الحرية بحيث لا تؤذى ولا تفسد ولا تطعن فى عقيدة.


مصطلح مطاط


أستاذ العقيدة والفلسفة ترى أن مصطلح ازدراء الأديان مصطلح مطاط وأخذ أبعاد كثيرة وصلت إلى شىء من الانتقام أو النيل من شخصية ما، وأصبحت هذه التهمة تلقى على أى شخص ربما دون دليل، ويتم ترديد هذه التهمة للاغتيال المعنوى، وتقول: "لابد أن ندرك أن مفردات لغة المفكر أو الأديب أو الفيلسوف أو الشاعر ربما يمكن تفسيرها إذا أراد صاحب الهوى أن يفسرها ربما ينال من صاحبها، لذلك وجب على كل فئة أن تعيد ضبط لغتها، وأود فى نفس الوقت ألا يكون القانون فى هذه التهمة سيفا مسلطا على رقاب الناس بالدرجة التى تسىء إلى إسلامنا الذى فيه كثير من الرحابة، وسعة الأفق، خصوصًا فى قضية الإيمان إذا كان رب العزة يقول "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" بشرط أن لا يروج لعدم إيمانه ويستقطب قليل العلم أو الثقافة أو الشباب، ورب العزة يقول لنبيه الكريم "لست عليهم بمسيطر"، "ما عليك إلا البلاغ"، " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، إذا مساحة الحرية فى العقيدة الإسلامية موجودة، ولكن إذا أراد الإنسان النجاة فى الدنيا والأخرة عليه أن يأخذ منها بالقدر، الذى لا يؤذى الناس من حوله، وألا يكون من المنفلتين أو المتطاولين على الإيمان، إذا القضية تحتاج إلى ضوابط، ولكنى أؤكد أنى لا أحب مصطلح ازدراء الأديان فمن هو الإنسان على قدر ضعفه حتى يزدرى دين، فالدين أقوى ألف مرة من هذا المزدرى، فنحن لسنا فى مرحلة الدعوة حتى نخشى على الدين.


وأضافت: "لا أعرف فى الحقيقة عقوبة ما يسمى ازدراء الدين، وأنا ضد تسليطه على الإنسان وحتى مسألة الخروج من الإيمان مسألة لا يقتل من أجلها الإنسان، ولكن يحارب ويقتل عندما ينضم المرتد إلى جيش الأعداء فعندها يصبح فتنة على الدين والإسلام".


الغواية


لكنها فى نفس الوقت طالبت المفكرين بألا ينساقوا وراء غواية مفردات اللغة وألا ينجرفوا وراء وراء غواية العقل، وقالت: "علينا أن نعيد إلى مجتمعنا القيم الجميلة وانضباط اللسان، نريد مجتمعا منضبط متفاعل فى الإصلاح والإنتاج وليس فى السفسطة، وأنا سأتبنى فى البرلمان قضية وضع ضوابط لقضية ازدراء الأديان".