إلى رئيس الجمهورية.. العنصرية فى مجلس الدولة والنيابة العامة

03/02/2016 - 12:38:19

بقلم - د. أمانى فؤاد

السيد الرئيس: أنا إحدى الشابات المصريات من خريجات كليات الحقوق، أو الشريعة والقانون جامعة الأزهر، متفوقة وحصلت على أعلى التقديرات (الامتياز) ونلت ترتيبا متميزا على دفعتى عام ٢٠١٣ ، وحين أُعلن عن تلقى أوراق دفعة جديدة للعمل قضاة بمجلس الدولة؛ ذهبت أنا وأخريات مثلى من الخريجات لسحب الملفات وإذا بالمفاجأة الصادمة لأحلامنا: قرار من مجلس الدولة بالامتناع عن تسليم البنات الملف أسوة بالخريجين الذكور، تلفت حولى وأنا لا أصدق هذا الموقف السلبى لقضاة مصر بشأن تعيين الخريجات الشابات لا لشيء إلا لأنهن فتيات، انتهوا إلى هذا القرار وهو مخالف للدستور المصري، ثم واجهونا به فى تحدٍ صارخ للمواد ١١ و٥٣ و٩ و١٤ من الدستور والتى تتضمن إقرارا بأحقية الخريجات بتقلد القضاء فى كافة الهيئات القضائية دون تمييز ضدها، حيث تم الضرب بعرض الحائط لكافة المبادئ الدستورية، والتجاهل التام لمبدأ المشروعية وتكافؤ الفرص، غافلين عن أسس الاختيار الموضوعية العادلة، متجاهلين لعناصر التطور والمساواة فى الحقوق والواجبات بين الجنسين وما استقر عليه الدستور الذى استند إلى المنطق والتشريع.


شعرت ولم أزل بالظلم الفادح أنا وزميلاتي، ولأننى أؤمن بأن الحقوق لا تمنح بل تنتزع وتأخذ غلابا، وبأحقية المرأة وقدراتها العلمية والمهنية، وعدالة القضية قررت ألا أصمت، وألا أتنازل عن حق كل امرأة مصرية فى المساواة، ولذا أتوجه بالقضية إليك شخصيا “رئيس جمهورية مصر العربية” خاصة أنك لطالما أشدت بمكانة المرأة المصرية ووقفت لتؤكد على قدراتها فى الفعل والإنجاز، وكلنا يقين أنك لن ترضى بظلم يقع على بناتك المتفوقات، ولا إهدار لدولة الدستور والقانون، ولا لنكوص لمكانة المرأة المصرية وحقوقها عن باقى الدول العربية والغربية.


متى ترى الدولة بعين عادلة منصفة؟


السيد الرئيس، يستند قضاة مجلس الدولة فى رفضهم لتعيين الخريجات لبعض الدعاوى التى لا ينبغى أن تقف حائلا دون تولى المرأة للقضاء فى مجلس الدولة بل يجب على الدولة بحكوماتها أن تذلل هذه العقبات تحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، والاستفادة بالقدرات والكفاءات المتميزة من نساء مصر ورجالها.


يقولون إن المجتمع المصرى غير مهيأ أفراده لتقبل الأحكام من قاضية امرأة، وكلنا يعلم أن كل جديد يواجه فى أوله فقط بالرفض وحساسية تقبله، لكن الممارسة والاعتياد هى ما تنضج التجارب وتكسبها صلابة؛ فتزيد من درجة تقبلنا لها إلى أن يعتادها المجتمع، خاصة أن وجود المرأة فى أعلى المناصب وأكثرها حيوية فى مؤسسات متعددة صار أمرا عاديا، كما أن طبيعة عملية التقاضى فى مجلس الدولة أكثر يسرا عن النيابة العامة على سبيل المثال، ونص المادة صريح حين ذكر توليها كافة الهيئات القضائية.


يقولون أيضا إن عمل المستشارات النساء يتطلب استراحات خاصة ومجهزة فى كافة المحافظات، كما أن تنقلاتهن وسفرهن يتطلب مجهودا كبيرا، وأن مفوضى مجلس الدولة يربئون بنا من تحمل هذه المشاق، وفى تقديرى أنها أسباب يمكن التغلب عليها بسهولة حين تقتطع وزارة العدل أماكن خاصة لإقامة القاضيات المؤقتة سواء فى الفنادق أو الاستراحات الخاصة بها، وعلى الدولة أن تسهم فى توفير المكان المناسب لا أن تحرم حق المرأة فى تولى هذه المناصب لهذه العراقيل التى يمكن أن تذلل، أما فيما يتعلق بشفقتهم علينا من الجهد فأتصور أن التجربة دائما ما أثبتت أن المرأة قادرة ليس فقط على تحمل المسئولية بل أيضا على التجرد والنزاهة، الالتزام والتفوق فى مواقعها المختلفة.


وبعد أن حُسم تشريعيا أحقية المرأة فى تولى القضاء يبدو أن القضاة الرجال ما زال لديهم رغبات استحواذية فى بعض المؤسسات والمناصب والاستئثار بها وتوريثها لأولادهم الذكور، فى ترسيخ لظاهرة التمييز ضد المرأة فى كثير من أدبيات وثقافة المجتمع المصري، لذا يتذرعون بخوفهم على المرأة من المشقة ولا يتركون التجربة هى من تقرر، خاصة أن الجميع يلمس بطء إجراءات التقاضى بمصر للأعداد المحدودة من القضاة، وربما يعود جانب من هذا الرفض لبعض نماذج من العقول المحافظة الرجعية التى تعشش فى الهيئات القضائية المصرية التى تكلست فلم تواكب تطورات منجز المرأة فى العالم، فتتردد على أسماعنا بعض التقولات التى لا يمكن وصفها إلا بالترهات القديمة من قبيل: هل انتهينا من تشغيل الرجال لنسعى إلى تشغيلكن .. ! وكأننا مواطنون من الدرجة الثانية، أمن المقبول أن تجلس على منصة القضاء قاضية حامل ! أو أنتن تجتزن أيام مضطربة كل شهر ! وكأنهم لا يتابعون تطور شأن المرأة العالمى وأن هذه الأمور الطبيعية لا تعوق مسيرتها المهنية والعلمية على الإطلاق، هذه التقولات التى لا طائل من ورائها سوى السخرية وتثبيط الهمم، ولا تحمل منطقا موضوعيا؛ لذا لن نقف أمامها لهشاشتها.


السيد الرئيس هذا التمييز السلبى يمارس على المرأة المصرية المتفوقة والمتميزة منذ سبعينيات القرن العشرين حيث تقدمت الدكتورة عائشة راتب لرئيس مجلس الدولة عبد الرازق السنهورى بطلب التعيين بالمجلس ومساواة الخريجات بالخريجين، وكتب بدوره مذكرة وأصدر حكما بعدم وجود مانع دستوري، أو شرعى أو قانونى ، لكنه أضاف أن الدولة هى التى تحدد الوقت.


ومنذ ما يقترب من خمسين سنة مضت على هذا الحكم لا تزال الدولة والثقافة المجتمعية الجامدة لم تحددا الوقت، ولم تشتغل على الأذهان لتهيئة خوض المرأة للقضاء ومن ثم تقيم التجربة، تمارس المؤسسة القضائية حجب عمل المرأة فى النيابة العامة والقضاء فى مجلس الدولة، وحتى هذه اللحظة وبعد إقرار الدستور الأخير الذى نص على أحقية المرأة وتمكينها من العمل فى كل الهيئات القضائية لم يحن هذا الوقت الذى تمكَّن الدولة فيه المرأة من حقوقها ومساواتها بالرجل.


منذ عام ٢٠١٤ صدر تقرير مفوضى مجلس الدولة بجمهورية مصر العربية بعدم أحقية المرأة فى التعيين بمجلس الدولة وحجب ملفات التقديم عنهن واقتصارها على الذكور فقط، وبموجب قرار جمهورى لعام ٢٠١٥ تم تعيين ٢٤٣ مندوبا مساعدا بمجلس الدولة من دفعة ٢٠١٣ واقتصاره على الذكور فقط وإقصائه للخريجات رغم أن كثيرا من تلك الفتيات أعلى فى الدرجات والتقديرات العلمية.


صدر هذا القرار بعد توليكم لسدة الحكم، وبعد ثورتين أثبتت فيهما المرأة فى المظاهرات والاستفتاء على الدستور والانتخابات المتوالية وعيها السياسى والأمنى الذى لفظ كل الجماعات والتيارات الإرهابية والظلامية، وأكدت تثمينها للحياة المنفتحة المتطورة لا المنتكسة القمعية فى تفاعل أكبر مع قيمة الدولة أكثر من الرجال، كما برزت كثير من النماذج النسائية القيادية المقاتلة التى ترفع من شأن بلادها.


لذا فقد قمت أنا وبعض زميلاتى برفع القضية الأولى للطعن على قرار مجلس الدولة السلبى بالامتناع عن تسليم الخريجات الشابات الملف أسوة بالخريجين لشغل وظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، كما قمنا برفع قضية أخرى بالطعن فى تعيين ٢٤٣ مندوبا مساعدا من الرجال فقط. فى دولة القانون التى تسعى سيادتك ونسعى لتدعيمها القضاء هو الفيصل، لكن فى قضيتنا تلك أصبحت الجهة التى نقاضيها خصما وحكما لذا نتوجه إلى رئيس الجمهورية وكلنا ثقة فى إعلائه لدولة القانون، وتمكين المرأة المصرية من حقوقها وتذليل العقبات من أجل ترسيخ وجودها فى كل موقع تستطيع أن تضيف له، والسعى للرفعة من شأنها لا كما نلمس من تصرف البعض بحجب حقوقها واختراع العراقيل وعدم التحلى بروح المثابرة لرفع شأن فتيات ونابغات هذا البلد. ما ضاع حق وراءه مطالب، وما ضاع وطن أعلى من شأن دساتيره وقوانينه، أعلى من حقوق مواطنيه المتميزين القادرين على بذل الجهد.