تفعـيـل اتفاق التسوية التاريخية وتأثيرها على المعادلتين الدولية والإقليمية

03/02/2016 - 12:08:08

بقلم لواء د : مصطفى كامل أستاذ العـلوم السياسية جامعة بور سعيد سابقا

يُعـد بدء تـفعـيـل اتفاق المسألة النووية الإيرانية أحد أهم المتغيـرات المؤثـرة على المعادلتيـن الدولية والإقليمية على حد سواء ، فـبينما وصفـه الرئيس الإيرانى حسن روحانى بعـد ساعات قـليلة من بدء تـفعـيلـه بأنـه يُمثـل صفحة ذهـبيـة فى تاريخ إيران ، فقد وصفه الرئيس الأكثـر فشلا فى إدارة أقوى دولة فى العالم « بالتسوية التاريخية « مبررا ذلك بأنـه « الاتفاق الذى قطع كل السبل أمام إيران لإنتاج وامتلاك الرادع النووى إلى الأبـد ، وأنه سيسهم إسهاما كبيرا فى ضمان تحقيق الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط ، وبخاصة فى منطقة الخليج العـربى.


ولحفظ ماء وجه الرئيس الأمريكى الذى اعـتاد منـذ انتخابه رئيسا للفتـرة الأولى الحنث بالعهود والوعود ، عـنـدما وعـد العالم بولايات متحدة جديـدة ، ووعـد العالم الإسلامى بفجر وشيك ، ووعـد العالم العـربى بعلاقات يسودها الاحترام المتبادل ، ووعـد الفلسطينيين بحل الدولتين ، إلا أنه ظل يدعـم دولة الشتات ، ثم تراجع أخيـرا عن حل الدولتين لتحـقـيـق دولة الـفـتـات حلم الفلسطينيين الدائم ، وعـد الجميع بكل شىء ، لكنه لم يعـط أحدا أى شىء ، إزاء هذه العهود والوعود قامت الإدارة الأمريكيـة لحفظ ماء وجهه بفرض عـقـوبات اقتصادية (وهمية) جديـدة على طهران ، بدعوى أنها قامت بإجراء تجارب على إطلاق صواريخ باليستية ، الأمر الذى يمثل قمة التناقض فى المعادلة الاستراتيجية للولايات المتحدة ، إذ يقضى البند التاسع من الاتفاق بإنتاج جميع أنواع الصواريخ وقـصر الحظـر فقط على إنتاج الصواريخ التى تحمل رءوسا نووية ، وتجاهلت حضور «محسـن مهابـادى» كبيـر خبـراء البرنامج النووى الإيرانـى بمفرده التجربـة الثالثة التى أجرتها كوريا الشمالية لإطلاق صاروخ بعـيـد المدى له القدرة على حمل الرءوس النووية فى مارس ٢٠١٤، وهوما يدلل على أن هذه التجربة قـد تم إجراؤها كانت لصالح إيـران ، وهو الأمر الذى يؤكد أيضا أنها امتلكت هذا النوع من الصواريخ


ويُشير الواقع إلى أن هـذا الاتفاق قد أحدث قلقا لدى معـظـم القـوى الفاعـلـة فى الـنسـق الإقـليـمى لمنطقة الشرق الأوسط خاصة ( مصر والسعـودية وإسرائيل وتركيا ) عـنـد توقيع الاتفاق وتعاظم مع بدء تفعـيـله ، حيث تعـتبـر هذه القوى أن إيـران هى الرابح الأكبـر إن لم تكن الرابح الوحيد من تفعيـله ، فـقـد ربحت إيران سياسيا اعـترافا صريحا من القوى العـظمى والكبرى بأنها أصبحت قوة نووية ، وفقا للبنـد الثامن من الاتفاق الذى يسمح لها بدخـول الأسواق العالمية باعـتبارها منتجة للمواد النووية ، وهو الأمر الذى يتسق ما أعـلنـه الرئيس الإيرانى السابق نجاد فى خطابه الذى وجهه إلى العالم أثناء حضوره المؤتمـر الإسلامى بالقاهـرة ، عـنـدما صرح بـ « أنـه يتعـيـن عـلى الجميع أن يتعامل مع إيـران من الآن فصاعـدا عـلى أنها قـوة نـوويـة « ، كما يمكَنها تفعيل هذا الاتفاق من إقامة أنماط جديـدة من العلاقات الدولية التى تسهم فى تعـظيم مكانتها الإقليمية ووزنها الدولى ، إذ بدأت هذه الأنماط الجديـدة من العلاقات الدولية بزيارة حسن روحانى لباريس


كما سيؤدى تفعـيـل هذا الاتفاق إلى استعادة التوازن الاقتصادى المفقود لإيران ، فمع بدء عـملية التفاوض أى منذ نوفمبر٢٠١٤ وقبل التوصل إلى التسوية التاريخيـة كان يُصرف لها ٧٠٠ مليون دولار شهـريـا حتى الآن من متجمداتها المالية ، بدعـوى تلبية المطالب الإنسانية ، ولكن الحقيقة تشير إلى أنها كانت تُصرف لتشجيع إيران للاستمرار فى التفاوض ، ومع بدء تـفعـيـل الاتفاق استردت مبلغ ٣٢,٦مليار دولار من إجمالى ودائعها المالية المحتجزة وعـوائـدها ، كما سيؤدى تفعـيل الاتفاق إلى أن تُزيد إيران من إنتاجها فى مجال الطاقة النفطية ، فقد عملت طهران على زيادة إنتاجها من خام النفط بمعـدل ٥٠٠ ألف برميل / يوم ، مع إمكانية زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعى بمعدلات أكبر باعتبارها ثانى أكبر منتج فى العالم لهذا الخام بعـد روسيا ، وهو ما يشير إلى أن هناك تفاهما كبيرا بين واشنطن وطهران فيما يتعلق بهذا الشأن ، إذ سيؤدى ذلك إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب فى السوق العالمى للطاقة النفطية ، الأمر الذى سيؤدى بالتبعية إلى تراجع الأسعار بصورة أكثر حدة مما يُؤدى بالتالى إلى إحكام الولايات المتحدة حصارها الاقتصادى ضد روسيا والإضرار بالمصالح الروسية من ناحية ، ويعـمل أيضا على تحقيق المصالح الإيرانية والإضرار بمصالح الدول المنتجة لهذا الخام فى منطقة الخليج خاصة المصالح السعودية عندما تتدنى أسعار الخام إلى أقصى حـد ممكن ، فى الوقت الذى تجـد فيه إيران ما يُعوضها عـندما تتلقى المزيـد من ودائعها المالية المحتجزة وعـوائـدها


أما عسكريا ، فقد ربحت إيران الإبقاء على البنى الأساسية لجميع منشآتها النووية ، سواء تلك العاملة فى تخصيب اليورانيوم ، أو المنتجة للماء الثقيل ( مفاعل آراك ) ، الأمر الذى سيُزيـد من قدراتها على امتلاك الرادع النووى مستقبلا ، كما ربحت الحفاظ على الإبقاء على البنية التحتية لقاعـدتـها الصناعية الثقيلة للمنتجات الحربية التى تلبى لها جزءا مقبولا من احتياجاتها الأساسية العسكرية ، حيث سمح لها هذا الاتفاق بإنتاج جميع أنواع الصواريخ البالستية ، بما فى ذلك الصواريخ بعـيدة المدى ، أما الحظر فاقتصر فـقـط على إنتاج الصواريخ الحاملة للرءوس النووية ، الأمر الذى سيعمل على تعـظيم قدرات إيران العسكرية بما يٌؤدى إلى اختلال التوازن الإستراتيجى أولا ، وجر المنطقة إلى سباق تسلح نووى مدمر ثانيا ، كما سيُشكل بُعـدا ضاغطا ربما يكون أشد خطرا وأعـمق أثرا على الأمن الإقليمى فى المنطقة ثالثا ، خاصة على الأمن الجماعى العـربى ، إذ سيعـزز هذا الإتفاق الدور الإيرانى ويكرس لتدخله الطاغى فى شئون النسق الإقليمى ، وهو الدور المؤيـد لبقاء الأسد فى سوريا ، والمعـوق للاستقرار السياسى فى لبنان ، والمسيطر على العـراق ، والمثير لقلق السعـودية فى اليمن ، والداعم للبيئة الحاضنة للجماعات الإرهابية ضد مصر ، ويُؤدى إلى تحقيق حلمها الدائم لإحياء الإمبراطورية الفارسية تحت الراية الشيعـية رابعا وهو الأهم ، أو المشروع القومى الذى كانت تحلم بتحقيقه منـذ الفتح الإسلامى حتى الآن ، وهو إحياء الإمبراطورية الفارسية الساسانية التى كانت عاصمتها بغـداد تحت الراية الشيعية ، وهو ما أشار إليه «على يونسى» مستشار الرئيس الإيرانى حسن روحانى أثناء انعـقاد منتدى ( الهوية الإيرانية ) الذى انعـقـد فى طهران فى العام الماضى ( بأن إيران قد أصبحت بالفعـل إمبراطورية كما كانت على مر تاريخها وعاصمتها بغـداد ، وأصبحت غـير قابلة للتجزئة مرة أخرى!) ، بعـد أن تمكنت إيران من السيطرة الكاملة على العـراق ، هذا التصريح ذو الأبعاد الاستراتيجية التى تتعلق بمفهوم السيطرة والهيمنة ، لا بـد وأن يُعـبـر عن طبيعة العلاقات التصارعية بين القوميتيـن العـربية والفارسية ، ولعـل المناورة التى تُجريها إيران هذه الأيام فى نهاية يناير ٢٠١٦ ، والتى يُطلق عليها الإسم الكودى الولاية ٩٤ ، ويشارك فيها بعض القطع البحرية المقاتلة واللوجستية (مدمرات وفرقاطات وقاذفات الصواريخ وغواصتان) تُعبـرعن مفهوم الهيمنة على المسطح المائى للخليج العربى الذى تُصر إيران على تسميته بالخليج الفارسى ، وبالرغم من تصريحات الأدميرال « حبيب الله سيارى» قائد القوات البحرية الإيرانية إلى أن هذه المناورة هى المناورة الرئيسية التى تُجريها القوات البحرية الإيرانية بانتظام كل عام ، بهدف الوقوف على كفاءة القدرات القتالية للبحرية الإيرانية لتأمين المجال الحيوى الإيرانى والحفاظ على الأمن القومى لإيران الأهداف الحقيقية لهذه المناورة ، حيث تُجرى المناورة فى المنطقة بين مضيق هرمز ودائرة عرض ١٠ شمالا فى المحيط الهندى على مساحة ٣ ملايين كم٢، وهذه المنطقة تشمل منطقة شرق مضيق هرمز ، وبحر عمان والمياه الدولية فى خليج عـدن ، وبتحليل هذه المنطقة يمكن ملاحظة أنها تشمل جميع الدول الخليجية وتقترب كثيرا من باب المندب لتلتحم مع قاعدتها البحرية فى إحدى جزر دهلك بإريتريا فى مدخل البحر الأحمر ، وهى المنطقة التى تنطبق على ما يُسمى بالهلال الشيعى الذى يُحيط بالسعـودية خاصة بعـد أن سيطرت على العراق ، وسوريا ولبنان ، واليمن ، ويُهدد الأمن القومى المصرى ، وتكشف منطقة المناورة عن المحتوى الفكرى للمنظور الجيوبوليتيكى لإيران ، وهو السيطرة على الخليج إلى باب المنـدب ، فمن يُسيطر على مياه هذا المسطح المائى الهام لن يلبث طويلا حتى يُسيطر على جميع الدول المطلة عليه كمرحلة نهائية لتحقيق حلمها الدائم وإحياء الإمبراطورية الفارسية الساسانية التى عاصمتها بغـداد ، وهو ما يكشف أيضا الأهمية الجيوستراتيجية الكبرى للعراق بالنسبة لإيـران ، فالعراق يشاركها السيطرة عـلى الخليج العـربى ومضيق هـرمز وخليج عـمان جغرافيا ، ويُمثل الخط الفاصل بين القوميتين العـربية والفارسية حضاريا ، وتعتبره إيـران تاريخيا جـزءا منها ، والعراق يُمثل سهل الهضـبة الإيرانية الذى تتكامل مـنـتجاته الزراعـية مع منتجات الهضـبة اقتصاديا ، ويمتلك مخزونا هائلا من الاحتياطى المؤكد من خام البترول يُمكَنها من أن تصبح قوة اقتصاديـة هائلة عـند إضافـتـه إلى مخزونها، كما يُمثل أهمية اجتماعية ومذهبية خاصة لإيران ، حيث يضم عـتبات المراقـد المقـدسة التى يحج إليها الشيعة الاثنا عـشريـة


فهل يُدرك العـرب أبعاد وأخطار تفعيل التسوية التاريخية للقضية النووية الإيرانية ، وهل يدرك العرب أنهم أصحاب الحق الحـقـيـقـيـون فى هذه المنطقة ، فإن أدركوا ذلك فعـليهم أن يُدركوا أولا أن عليهم وحدهـم حمايـة هذاالحق ، وعـليهـم ثانيا نبـذ الخلافات ، وعليهم ثالثا إحلال الفعـل محل رد الفعـل ، وعليهم رابعا استخدام ثرواتهم ومواردهم بـدلا من إهـدائها للآخرين ، أى عليهم أن يعملوا على إحلال القوة محل الضعـف ، وأن يعملوا على تحـقـيـق الوحدة العـربـيـة « الأمل المنشود « بدلا من التفـرق والـتـشتت والتـشـرذم تحـقـيـقـا لـقـول الحق تعالى « إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعـبـدون « ،فإن كان تحقيق ذلك يُعـتبر أملا منشودا يُمكن تحقيقه على المدى البعيد ، فعليهم على الأقل السعى الحثيث والعمل الجاد لبناء إستراتيجية عربية موحدة تستطيع أن تجابه ما يحيق بها من أخطار، ولعـل ذلك يتطلب تغييرا جذريا واستعدادا فكريا مختلفا ، ومنظورا جديدا لتناول الأمور ، وبغـيـر ذلك ستظل المنطقة العربية بأسرها عرضة للأخطار ، وربما ستظل كذلك دوما ، ما لم يحدث مثل هذا التغـيـيـر.


والله من وراء القصد ، وهو يهدى السبيل.