فرنسا وإيران.. عهد جديد!

03/02/2016 - 11:56:37

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

 بعد  نحو أسبوعين من دخول الاتفاق النووى بين إيران والقوى العظمى حيز التنفيذ، قام الرئيس الإيرانى حسن روحانى بزيارة رسمية لفرنسا، فى المحطة الثانية من جولته الأوربية التى شملت أيضا إيطاليا، لتؤكد بذلك إيران عودتها على الساحة الدولية وإنهاء عزلتها، لاسيما بعد رفع العقوبات الاقتصادية الواسعة التى فرضتها عليها الأمم المتحدة عليها عام ٢٠٠٦ قبل أن تزداد تدريجيا لإرغامها على التخلى عن أنشطتها النووية.


وتعد زيارة روحانى إلى فرنسا، الأولى من نوعها منذ ١٧ عاما، وكانت مقررة على هامش الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) فى نوفمبر الماضي، إلا أنها ألغيت بسبب هجمات باريس، وقد اكتسبت هذه الزيارة أهمية كبيرة نظرا للاتفاقيات الضخمة التى تم توقيعها بين البلدين فى قطاعات مختلفة وبلغت قيمتها نحو ١٥ مليار يورو.


 فقد وقع البلدان خلال هذه الزيارة  على خارطة طريق ثنائية وعلى مذكرات تعاون فى المجال المالى والصناعى والاتصالات  والتنمية المستدامة والسياحة والصحة والزراعة والتعليم العالى والبحث العلمى والنقل والثقافة.


وكان من أبرز هذه الاتفاقيات، هو توقيع شركة «ايرباص» العملاقة لصناعة الطائرات اتفاقا مبدئيا لبيع إيران ١١٨ طائرة لنقل الركاب قيمتها تتجاوز عشر مليارات دولار، وهو ما وصفه وزير النقل الإيرانى بأنه «أضخم عقد فى تاريخ شركة ايرباص»، وكذلك «أكبر صفقة فى تاريخ الطيران الإيراني» والذى يتكون أسطوله الحالى من ١٤٠ طائرة متوسط أعمارها ٢٠ عاما، ومن المقرر أن يتم توريد هذه الطائرات لإيران على ٨ سنوات بدءا من العام الجاري.  


وفى مجال النفط، وقعت شركة «توتال» الفرنسية العالمية  للنفط والغاز اتفاقا سيسمح للشركة بشراء ما بين ١٥٠ ألفا إلى ٢٠٠ ألف برميل يوميا من النفط الخام الإيراني لمصاف نفطية فرنسية وأوربية.. ويشمل هذا الاتفاق  أيضا عمليات المنبع النفطية والغاز والبتروكيماويات وتجارة الخام والعقود الآجلة . وبحسب شركة «توتال» فإن الاتفاق سيسمح لها بالوصول إلى بيانات تقنية بشأن بعض مشاريع النفط والغاز فى إيران لتقييم أعمال تطوير محتملة.


أما فى صناعة السيارات، فقد أعلنت  مجموعة سيارات «بيچو- سيتروين» الفرنسية  عودتها إلى  HYPERLINK «http://www.almasryalyoum.com/tag/416» «_blank» إيران عبر شركة مشتركة ستضخ استثمارات بـ ٤٠٠ مليون يورو على خمس سنوات وذلك بعد أن اضطرت لمغادرة السوق الإيرانى منذ أربع سنوات إثر تشديد العقوبات الغربية على طهران بسبب برنامجها النووي، لتكون بذلك  أول شركة غربية لصناعة السيارات تعود إلى إيران بعد رفع العقوبات عنها، وينص العقد على تأسيس شركة مناصفة بين بيجو وشركة «خودرو» الإيرانية لإنتاج سيارات من طراز بيجو ٢٠٨، و ٢٠٠٨، و٣٠١، بدءا من منتصف العام ٢٠١٧. 


وقد شهدت زيارة روحانى لباريس أيضا إبرام  مذكرتين للتعاون حول الحوار السياسى وتشكيل لجنة اقتصادية مشتركة، وبحسب السياسيين فإن فرنسا تعول على «صديقتها الجديدة» إيران فى لعب دور إيجابى لحل الأزمات والصراعات فى المنطقة لاسيما فيما يتعلق بالأزمة السورية  ومكافحة الإرهاب والفراغ السياسى بلبنان وحرب اليمن.


كما أن فرنسا تأمل - بعد تقربها من إيران وبدء عهد جديد بينهما- فى لعب دور قوى فى حل التوتر الإيراني-السعودي، ولاسيما فى ضوء علاقات الود التى تربط فرنسا  بالسعودية.. فقد أشار الرئيس فرانسوا اولاند -  خلال المؤتمر الصحفى المشترك الذى عقده مع روحانى عقب مباحثاتهما بالاليزيه- إلى العلاقات الطيبة بين فرنسا ودول الخليج وإلى رغبة بلاده فى خفض التصعيد (مع إيران) لاستعادة الاستقرار فى المنطقة، وقال:»يجب أن نواصل العمل لتجاوز نقاط الخلاف وهذا ما دفعنا إلى إطلاق حوار سياسى للرد على التوترات فى المنطقة وضمان الأمن وإيجاد حلول لأزمة اللاجئين». وأكد اولاند أن فرنسا  تسعى لفتح فصل جديد من العلاقات مع إيران يكون نافعا لمنطقة الشرق الأوسط والعالم. وهذا ما كان يأمله الرئيس روحانى من خلال هذه الزيارة، حيث قال فى أول لقاء له بباريس بمقر جمعية أرباب الأعمال الفرنسيين (ميديف) أمام رئيس الوزراء مانيول فالس  :»نحن مستعدون لطى الصفحة وإقامة علاقات جديدة بين البلدين». 


وعلى الرغم من أن زيارة روحانى قد جلبت لفرنسا عقودا تجارية ضخمة وفرصا استثمارية فرنسية كبيرة - فى بلد يتعطش فيه ٧٩ مليون نسمة إلى الانفتاح على العالم بعد سنوات طويلة من العزلة - وأكسبتها «حليف» جديد و هاما فى المنطقة، إلا أن هذه الزيارة  قد لاقت معارضة شديدة من قبل بعض السياسيين والحقوقيين للسلطات الفرنسية بسبب استضافتها لرئيس إيران.


ووفقا لاستطلاع رأى أجراه  معهد «ايلاب» للدراسات حول زيارة  الرئيس روحانى لباريس، فقد رأى ٥٠ ٪‏ أن فرنسا من حيث المبدأ لا ينبغى أن تستقبل على أرضها قادة أنظمة قمعية، بينما رأى ٤٨٪‏ أن هذه الزيارات مبررة إذا كان الهدف منها حماية المصالح الاقتصادية للبلاد، كما أظهر الاستطلاع أن تسعة فرنسيين من أصل كل ١٠ يَرَوْن  أن إيران لا تحترم حقوق الإنسان وأنها ليست دولة ديمقراطية (٨٩٪‏) ولا تضمن حرية العقيدة  للأقليات الدينية (٨٨٪‏) .


 كما شهدت العاصمة الفرنسية -التى تأوى عددا من المعارضين للنظام الإيراني-  مظاهرات معارضة لزيارة الرئيس روحاني، شارك فيها عدد من أبناء الجالية الإيرانية  ونشطاء فرنسيون وممثلون عن منظمات حقوقية رافضين لموجة الإعدامات بإيران، فضلا عن مشاركة أبناء الجاليات العربية المعارضين لسياسة إيران التى تزعزع الاستقرار في المنطقة. 


وبالرغم من كل هذه الانتقادات إلا أن زيارة رئيس إيران لباريس - والذى رافقه فيها نحو تسعة وزراء وأكثر من مائة رجل أعمال ومستثمر - حققت نجاحا سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا للبلدين، كما ستسمح بطَى صفحة الماضى على سنوات سوداء من أزمة البرنامج النووى والعقوبات الاقتصادية، ولكن فرنسا أعلنت فى الوقت ذاته أنها ستظل حذرة تجاه هذا البلد  حتى يثبت مدى التزامه بتنفيذ الاتفاق النووي.