خفايا الشرق الأوسط الجديد الضرورة القصوى - الآن - لليقظة المصرية

03/02/2016 - 11:53:15

عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

من الغفلة والجهل تصور أن الدعوة إلى الشرق الأوسط الجديد هذه الأسطورة الهادمة التى أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية، كان المقصود منها فعليا هذا الإقليم الحيوى كما جاء فى متون هذا التدبيرالذى كان يراد به إعادة رسم جغرافيا المنطقة العربية تحديدا وليس الشرق الأوسط الذى يضم دولا غيرعربية هى إسرائيل وتركيا وإيران وبالطبع لم يعلن رسميا عن النوايا الخفية لمخطط التقويض الحقيقى التى حاولت الإدارة الأمريكية تغليفه بتعبيرات غامضة وفضفاضة فى صيغ براقة تنبع من النهج الاستعمارى، الذى تتبناه الولايات المتحدة للتخلص من ميراث سايكس بيكو وبناء كيانات جديدة طائفية وعرقية تفتت المنطقة العربية وتنفى للأبد فكرة دولة عربية كبرى حتى ولو فى كيان كونفيدرالى.


من المهم شرح وتعريف الشرق الأوسط الجديد قبل التطرق للمخاطر الجمة التى تتعرض لها المنطقة العربية وفى القلب منها مصر أى فى القلب من هذه المخاطر التى لايجب ألا يظن أحد أن واشنطن أجلتها أو تراجعت عنها بعد التغييرات التى قادها الشعب المصرى فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ وكانت البداية عام ٢٠٠٤ بمصطلح تمهيدى هو «الشرق الأوسط الكبير» عندما بسطته إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على منطقة واسعة تضم كافة البلدان العربية إضافة إلى تركيا وإيران وإسرائيل أى الشرق الأوسط مضافا إليه أفغانستان وباكستان وأطلقت الإدارة الأمريكية المصطلح في إطار ادعاء أنه مشروع شامل يسعى إلى تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي حسب رؤيتها عن هذه المساحة الممتدة من العالم وأعلن عن نص المشروع بعد أن طرحته الإدارة الأمريكية على مجموعة الدول الصناعية الثماني ثم أعقب الشرق الأوسط الكبير مصطلح آخر مراوغ ومروع هو «الفوضى الخلاقة» كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس قد باحت بهذا بمفهوم هذا المصطلح فى حديث لجريدة «واشنطن بوست» عام ٢٠٠٥ تشرح فيه آلية انتقال الدول العربية والإسلامية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية معلنة صراحة أن هذه الآلية التى ستتبعها الولايات المتحدة تعتمد على نشر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط وهنا يجب التنبه إلى اختفاء وصف الكبير عن الشرق الأوسط وأنها لجأت إلى الوصف السياسى الشائع فى أدبيات السياسة الدولية الخلاصة هنا أنه في سبيل إشاعة الديمقراطية أشد الصادرات الأمريكية فتكا كما جاء فى كتاب للدبلوماسى الأمريكى السابق «ويليام بلوم» سوف تنشر الفوضى الخلاقة وهى نظرية ترى أن وصول المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى القائمة على العنف والرعب والدم يخلق إمكانية إعادة بناء المجتمع «المفروم» بهوية جديدة تؤهله بعد الهدم للديمقراطية بعد هذا يأتى المصطلح الاستعمارى الأخير فى المسلسل المدبر لتفتيت المنطقة العربية وهنا ظهرت الصيغة تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد لأول مرة عام ٢٠٠٦ بواسطة «كوندليزا رايس» وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها ومن اللافت أن التصريح الأول عن مصطلح الحلقة الأخيرة فى مخطط شيطنة المنطقة العربية كان خلال مؤتمر صحفى فى تل أبيب حيث قالت بالحرف الواحد «إن ما نراه هنا (في إشارة إلى الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان( ما هو إلا آلام المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد ويجب أن نكون على يقين من أننا ندفع نحو شرق أوسط جديد ولن نعود إلى القديم» وأخيرا بمراجعة المنتج المسرب عن الكتالوج الأمريكى الجديد لتخريب المنطقة العربية سنجد كتابات وخرائط كثيرة تؤسس للفكرة منذ عقود طويلة وتمهد لها.


الهدف تحديدا المنطقة العربية


عندما أعلن عن الشرق الأوسط الجديد خفتت نبرة الحديث عن باكستان وأفغانستان وفى مدى زمنى قصير للغاية اختفى أى أثر لهما اللهم إلا فى بعض الخرائط القديمة ولم تبق فى الإقليم سوى ثلاث دول غير عربية فقط هى تركيا وإيران وإسرائيل والأخيرة مستثناة تماما من أى خطط أمريكية تقترب منها بالسلب نظرا للعلاقة الوثيقة بين البلدين ودورها الجوهرى لصالح الغرب فى المنطقة وبعدها تأتى تركيا الدولة العضو فى حلف الناتو والتى كانت ذراعا أمريكيا مهما ضد الاتحاد السوفيتى طوال الحرب الباردة وهى بصفة عامة موالية فى كافة العهود للولايات المتحدة والغرب لهذا فهى بعيدة عن مخطط الشرق الأوسط الجديد أما إيران الدولة المارقة فقد تنبهت بعد حرب الخليج الأولى التى استمرت ٨ سنوات واستنزفت فيها إمكانيات طهران إلى مايحاك لها فى ظل حصار محكم عليها من الغرب فبدأت فى بناء قوتها الذاتية فى كافة المجالات ومنها قوة الردع العسكرية فاختارت أن تبنى صناعة مكتملة للصواريخ الباليستية مع إحكام سيطرة على الوضع الداخلى فى البلاد ذات قبضة حديدية لهذا أصبح من غير الممكن تطبيق المخطط عليها وهكذا ينكشف الغطاء عن المراوغة فى اختيار المصطلح تحت


عباءة الشرق الأوسط.


لقد بدأت عمليات تنفيذ الخطة الأمريكية باحتلال العراق عام ٢٠٠٣ بعد تركيع صدام حسين عسكريا واقتصاديا ورغم أنه أبدى لواشنطن الطاعة الكاملة والقبول بكل طلباتها القديمة فى ضخ البترول وتقليص الجيش وتبنى السياسة الخارجية المرضية لأمريكا إلا أن ما كانت تريده الولايات المتحدة كان يستدعى أن تديرالعملية التى لن يقبل بها صدام حسين بنفسها على أرض العراق كى تحرثه وتحرق تربة الدولة الواحدة وتجعلها أثرا بعد عين ففي سبتمبر من عام ٢٠٠٧ بادر مجلس الشيوخ الأمريكي إلى إصدار قرار غير ملزم تبناه وعمل على إنجاحه «جو بايدن» نائب الرئيس الحالى باراك أوباما يطالب الإدارة الأمريكية بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق اتحادية شيعية وسنية وكردية ومن الملعب السنى فى العراق بدأت عمليات تجهيز كيانات جديدة من قوى الإسلام السياسى تطورت وعدلت أكثر من مرة حتى وصلت إلى داعش التى تم تمكينها فى ظل هشاشة الأوضاع الأمنية فى سوريا بعد إشعال الحرب الأهلية فيها فى أعقاب امتداد الربيع العربى إليها الذى تم استثماره بخطط مسبقة لتحقيق أهداف غير مشروعة فى المنطقة العربية وهنا يجب التوقف عند جانبين شديدى الدلالة عن الدور الأمريكى:


أولهما: الانتشار والتمدد بالغ السرعة للدواعش فى منطقة بادية الشام الواقعة بين العراق وسوريا فى مساحة بالغة الضخامة وهذه عملية لايمكن تنفيذها إلا بدعم لوجيستى يفوق قدرات هذا التنظيم مع توفر سيل معلوماتى ومخابراتى يتم تحديثه أولا بأول يمهد للتحركات الصحيحة على الأرض وذلك الأداء لا تتمكن منه سوى الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع وهو ما لاتقدر عليه سوى دول عظمى ليست بينها دون حاجة للتأكيد روسيا أو الصين.


ثانيهما: بينما كان الحالمون فى المنطقة العربية يحلمون بنسائم الحرية ونعيم الديمقراطية وبدا لهم أن الانتفاضات الشعبية خطوة أولى على طريق قيام وحدة عربية انتكست الطموحات وتحولت إلى حروب أهلية وطائفية تحصد الأرواح في بلدان كثيرة وفى توقيت لافت ومثير ومريب انكشف المشهد الجهادى الإسلامى عن شخص مجهول يدعى عبد الله بن محمد من جزيرة العرب نشر دراستين شديدتى الخطورة فى يونيه وسبتمبر من عام ٢٠١١ مع بداية الانقلاب العكسى لانتفاضات شعوب الربيع العربى الأولى عنوانها « الجهاد على أرض الشام كيف ولماذا» والثانية عنوانها «المذكرة الاستراتيجية» وفيهما وصف تفصيلى لكل أدوار داعش قبل وبعد إعلانها للدولة الإسلامية وأساليب التطهير الدينى والطائفى والترويع والإبادة بعد احتلال بادية الشام لإقامة الدولة المسلمة السنية الخالصة عليها.


لم يكن ظهور داعش وإقامة أول دولة لقوى الإسلام السياسى فيما يعرف بالدولة الإسلامية فى الشام والعراق صدفة أو تطورا طبيعيا لأفكار السلفية الجهادية ولكنه كان تكرارا جديدا لحشد شباب المسلمين المغرر بهم من جميع أنحاء العالم أسوة بما تم بنفس الرعاية الأمريكية فى حشد القطعان المغيبة لمحاربة العدو السوفيتى الملحد الكافر فى أفغانستان نيابة عن أمريكا وفى الطبعة الجديدة تغير السيناريو وصار إقامة الدولة الإسلامية التى لم تتعرض لأى ضربات حقيقية من التحالف الدولى الذى تقوده واشنطن وهو تحالف شكلى إن لم يكن وهميا وتسربت أقاويل كثيفة لكنها غير مؤكدة أن الطائرات الأمريكية كانت تقوم بإلقاء المساعدات بدلا من قصف عناصر التنظيم وافتضحت أكاذيب قيام التحالف الدولى بضرب داعش بعد التدخل العسكرى الروسى على مسار الأزمة السورية وتوجيه قصفات جوية وصاروخية فعلية بدأت فى إفشال هذا التنظيم الإرهابى وتراجعه على الأرض هو وتنظيمات الإسلام السياسى الأخرى مما ساعد القوات الحكومية على تحقيق انتصارات وتقدم قواتها على الأرض.


ماذا عن مصر؟


تتأثر كل مقومات القوة الشاملة فى مصر بما يحدث من تداعيات فى المنطقة العربية لكن الأخطر أنها على رأس قائمة الاستهداف من الولايات المتحدة ومن أخطر المؤشرات غير المباشرة على التربص بمصر الخرائط التى تتسرب عن المنطقة بعد التقسيم والتى لايوجد بها أى عبث بخريطة مصر فيها عدا خريطة واحدة غير مؤكدة تتناول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبعض الدول المتاخمة لها من جنوب الصحراء وهنا يجب اليقظة إلى أن الشروط الكفيلة بالوصول إلى مراحل متقدمة للتدخل العميق فى مصر كما هو الحال فى ليبيا وسوريا والعراق واليمن مع بعض دول الخليج كاملة التحالف والطاعة هذه الشروط تصطدم دائما بدولة عصية على الاختراق المؤثر حتى الآن فى ظل الموروث التاريخى لدور الدولة المركزية النافذ على كامل البلاد وأبنيتها المؤسسية والشعبية إلى جانب وجود قوات مسلحة قوية تتميز بتماسك فولاذى وولاء كامل للشعب والقيادة الوطنية وتحديدا فى الوقت الراهن لذلك فإن خريطة مصر التى سلمت ظاهريا من الإخلال ولعبة التقسيم عمل يحمل فى طياته مخاطر جمة ولايدعو للاطمئنان فمن غير المجدى التبكير بفضح النوايا المبيتة ضد مصر صحيح أنهم غير قادرين على اختراق مؤثر ضد مصر لكن هذا لايعنى البتة أنهم لايحفرون حتى ولو بإبرة فى الداخل المصرى فهم لايعرفون الهزل والملل ويتحينون الفرص وخير دليل على هذا تواطئهم طويل المدى مع الإخوان المسلمين لكنهم فوجئوا عندما ظنوا أنهم حققوا الهدف بأن حسبة الشعب المصرى كانت أقوى من حسبتهم.


ومع هذا فإن مصر تتعرض لمخططات غير مباشرة تحاك فيها المؤمرات حولها مما يحمل معه تهديدا خارجيا خطيرا لدوائر الأمن القومى المصرى حيث تتعرض البلاد لتهديد وجودى يتعلق بمياه النيل الرافد الأساسى للحياة يأتيها من سد النهضة باستغلال خطأ النظام فى عهدى أنور السادات وحسنى مبارك بتجاهل بل وهدم علاقات كانت شديدة التميز مع أفريقيا كما تم إقحام داعش على المشهد الليبى المضطرب أصلا حتى يكون هذا التنظيم مصدر تهديد فى العمق الاستراتيجى لحدود مصر الغربية كما أن واشنطن تقف صامتة ومنصرفة عن المساعدة فى مواجهة حرب الإرهاب التى تخوضها القاهرة منذ سقوط الإخوان.


تعرف الإدارة الأمريكية أن مصر تمر حاليا بتحولات جذرية للبناء والتنمية للتغلب على أزمتها الاقتصادية وأنها تقوى من إمكانياتها العسكرية بقفزات تأخرت عنها من قبل وكل هذا سيجعل المخطط الموضوع للاختراق أكثر عمقا واتساعا وأذى ومع كل العوامل والتحديات والتهديدات تصبح القاهرة فى احتياج كامل لليقظة والحكمة والقوة.