دور الرعاية.. سلخانة الأيتام

21/08/2014 - 9:34:27

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - سمرالدسوقى

حينما تدخل هذا المكان لابد من أن ينتابك شعور حقيقى بأنك قد حصلت على العديد من النعم التى يجب عليك أن تعيش شاكراً لوجودها فى حياتك، فأنت تستطيع الاختيار، الاعتراض، التذمر، وحتى الرفض، بينما هم لا يستطيعون وعليهم القبول بكل شيء أياً كانت طبيعته، ومهما تعرضوا لقهر أو إهانة أو طبيعة مغايرة وصعبة لنمط المعيشة المعتاد.. إنها الحياة داخل دور الأيتام التى لا تهدأ حولها أصوات الشكوى والأنين، بل وتتعالى من آن لآخر مشكلاتها لتعرفنا بما يحدث خلف جدرانها، مفجرة بهذه قضية مازالت تبحث عن حل.. إنها قضية أطفال مازالوا فى مهب الريح..


البداية تأتى مما فجرته واقعة تعذيب أطفال بدار أيتام » مكة المكرمة«  والتى لم تكن الأولى وقد لا تكون الأخيرة، على يد مدير الدار، لتلقى ببؤرة من الضوء على حياة هؤلاء الأطفال داخل بعض هذه الدور.


هذه واقعة دفعت الائتلاف القومي لحقوق الطفل المصري  والمنظمة العربية للإصلاح الجنائى للتقدم مؤخرا ببلاغ للنائب العام يطالبان فيه بوضع خطة لرصد مثل هذه الانتهاكات بكل من دور رعاية الأيتام والمسنين، هذا بجانب مطالبتهما وزارة التضامن الاجتماعى بالرقابة بشكل دائم لهذه الدور.


وبنظرة فاحصة سنجد أن مشكلات هذه الدور لا تتوقف عند حد التعذيب والحرمان من حقوق الطفل العادية، وكذلك التعرض للاعتداء الجنسى أو الاغتصاب فى بعض الأحيان، كما تشير هذه الوقائع وغيرها، فمنذ أشهر قليلة داهمت أجهزة الأمن عدداً من دور الأيتام بمدينة 6 أكتوبر، حيث تم القبض على 27 من نزلاء تلك الدور وبحوزتهم أسلحة نارية وذخيرة وكميات من المخدرات، واتضح أيضا أن من بينهم هاربين من أحكام قضائية وآخرين مطلوب ضبطهم وإحضارهم!


رقابة تقليدية!


يقول المحامى محمود البدوى، منسق ائتلاف حقوق الطفل المصرى، رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان: هذه المشكلات التى تتفجر من آن لآخر داخل دور رعاية الأيتام ليست بجديدة، فبعضنا بل وكثير منا يعلم بها، ويدرك تماما ما يعانى منه بعض من هؤلاء الأطفال، والأمر يعود من وجهة نظرى إلى استخدام وزارة التضامن الاجتماعى لطرق تقليدية لابد من أن تتطور فى رقابتها على هذه الدور، فعدد ليس بقليل من أطفال هذه الدور يتعرض للضرب والتعذيب، كما يتم فى بعض الأحيان استغلاله، وفى أحيان أخرى لا تصل التبرعات التى يقدمها البعض إليه، هذا بجانب أنه نتيجة للظروف البيئية والمعيشية التى تحيط به لا يحيا فى استقرار نفسى أو اجتماعى، وبالتالى فالرقابة على هذه الدور لابد وأن تأخذ شقين، الأول يتعلق بمراجعة ما يقدم لهؤلاء الأطفال من رعاية، والثانى بتقييم من يقومون برعاية الأطفال داخلها، والذين لا بد وأن يكونوا دائما على قدر المسئولية ولديهم قدرة على العطاء، هذا بجانب استقرار نفسى واجتماعى لأن هذا كله ينعكس على الأطفال بداخل هذه الدور.


ويضيف: لقد تبنينا كجمعية أكثر من قضية تشير لمدى الإهمال الذى يتعرض له الطفل المصرى فى بعض الأحيان، رغم أن تعداد هذه الفئة يكاد يقترب من 40٪ من عدد السكان وفقا لأحدث إحصائيات السكان تحت سن 18 عاماً، لذا فالوصول لوضع أفضل لهذه الفئة يستدعى تضافر كافة الجهات الحكومية والأهلية العامة المعنية بالطفل المصرى


اكتئاب وفقدان أمل


وعلى الرغم من أن اجتماع  وزارة العدل مع وزارتى » الداخلية والتضامن الاجتماعى«، والمجلس القومى للأمومة والطفولة، والذى عقد مؤخراً لبحث هذه المشكلة، قد خرج بعدة توصيات فعالة، منها مراجعة للتشريعات الخاصة بمنح التراخيص لدور الأيتام والحضانات، بالإضافة إلى دراسة منح صفة الضبطية القضائية للجهات المعنية.


هذا بجانب مقترح بإنشاء إدارة عامة لمباحث رعاية الأحداث لمتابعة المؤسسة الإيداعية، وإخطار الإدارة العامة لمباحث الأحداث قبل منح التراخيص لدور رعاية الأيتام، مع وضع خريطة جغرافية لأماكن محددة لمنح تراخيص إنشاء دور الأيتام أو حضانات تضمن قربها من الجهات المعنية بوزارة التضامن الاجتماعى لسهولة الرقابة والمتابعة، إلا أن أ.د عادل المدنى، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر، يؤكد على ضرورة الاهتمام بتوفير رعاية اجتماعية ونفسية خاصة لهؤلاء الأطفال، من خلال انتقاء وتدريب من يتولون رعايتهم بشكل دائم، حيث يعانى هؤلاء الأطفال بصورة أو بأخرى -وفقا لقوله- من عدد من الآثار النفسية، نتيجة للنشأة دون ذويهم، منها ضعف تواصلهم مع الآخرين، والرغبة فى الانزواء والبعد عنهم، هذا بجانب الشعور بالاكتئاب والحزن فى أحيان كثيرة، وفقدان الأمل في الحياة مع سيطرة النظرة التشاؤمية، كما تنتاب بعضهم في بعض الأحيان  نوبات من سرعة الغضب، هذا بجانب تطور الأمر ليصل للشك والخوف وربما انخفاض التحصيل الدراسى، وهو ما يتطلب تلقيهم لرعاية نفسية اجتماعية خاصة، تعمل على تقويتهم نفسيا من خلال مشاعر الحب والحنان والعطف، بل وبذل المؤسسة الرعوية لجهد أكبر فى إطار منحهم الشعور بدفء الأسرة وحياة العائلة.


علاج مجتمعى


وتشير د. نادية عبد الوهاب، أستاذ علم النفس التربوى بكلية التربية، إلى أن العديد من البحوث والدرسات التى أجريت على الأطفال داخل دور رعاية الأيتام خلال الأعوام القليلة الماضية، قد أكدت زيادة حجم المشكلات النفسية والاضطربات السلوكية لديهم، مع تعرضهم لعدد من الانتهاكات الجنسية التى تلعب دوراً هى الأخرى فى عدم وصولهم للتوازن النفسى المطلوب، والذى يؤهلهم للتواصل مع الحياة والنجاح فيها، ومما يزيد من صعوبة هذه الأوضاع أن بعض من يتعرضون لهذه الانتهاكات يجبرون على عدم الاعتراف بها أو يخافون من هذا، مما يزيد من حجم مشكلاتهم النفسية، حيث إن الخوف من التعامل مع الآخرين، وكراهية الآخر، والرغبة فى الانتقام من المجتمع ككل، مع صعوبات عدة قد تظهر -بمجرد الزواج- أبرز ما تتركه هذه الحوادث من آثار نفسية على هذا الطفل، وهى آثار قد تستمر معه لفترات زمنية طويلة بل وتحتاج لتأهيل نفسي ممتد لسنوات عدة، وهو ماأظهرت البحوث صعوبة تحقيقه مع العديد من هذه الحالات فالبعض منها تثار حوله دائرة من الاهتمام بمجرد اكتشاف حالته وما تلبث أن تنتهى دون إعادة تأهيله نفسياً بالشكل الكافى، وبالتالى فعلاج هذه الحالات مجتمعى بالدرجة الأولى ويتمثل فى نظام الأسر البديلة والتى يمكنها احتضان هذا الطفل دون تبنيه بشكل رسمي، حتى توفر له جو وحياة العائلة، وهو ما يمكن وأن يتم بإشراف المؤسسة الرعوية وتحت رعايتها المستمرة.


مراقبة التبرعات


فى حين تتطرق الناشطة الحقوقية أشجان البخارى، ورئسية إحدى الجمعيات الأهلية، إلى مشكلة أخرى فيما يتعلق بوضع هؤلاء الأطفال، قائلة: رغم ما صدر مؤخراً من توصيات فى  اجتماع وزارة العدل مع وزارتى » الداخلية والتضامن الاجتماعى«، والمجلس القومى للأمومة والطفولة، والذى عقد مؤخراً لبحث هذه المشكلة، إلا أن هناك جانباً هاماً لابد من الاهتمام بمراقبته، ألا وهو مراقبة كافة صور الدعم المالى والتبرعات التى تتلقاها هذه الجهات، ثم نفاجأء بعدم توجيهها لرعاية هؤلاء الأطفال بصورة صحيحة، وهو ما يثير العديد من علامات الاستفهام، دون أن يعلم أحد بحجمها ولا بالجهات التى توجه إليها، فقد توجه لما فيه إيذاء هؤلاء الأطفال بدلا من مساعدتهم، وهو ما يحتاج الكثير من المتابعة والرقابة.