أم كلثـــوم صوت الشعب والسلطة فى كل العصــــور

03/02/2016 - 11:25:41

  ثومة بين ناصر والسادات وبجوارهما الموجى ثومة بين ناصر والسادات وبجوارهما الموجى

بقلم- طارق سعدالدين

كيف استطاعت ام كلثوم فلاحة قرية طماى الزهايرة التى لم تدخل المدارس أن تصبح صديقة للملوك والرؤساء، وكيف استطاعت التغلب على تقلبات السياسة التى غيرت الملوك قيادات الدول وتوجهاتها فى السياسة والاقتصاد وإختلاف الطبقات التى تحقق مصالحها وتطلعاتها وتظل فى نفس مكانتها، وكيف استطاعت أن تبنى لنفسها مجداً فنياً وأدبياً مازال باقياً؛ لتظل أم كلثوم زعيمة الطرب وسيدة الغناء الأولى فى الوطن العربى حتى اليوم، مع أنها ظهرت كمطربة عام ١٩٢٣فى عهد الملك فؤاد وتوفت فى عام ١٩٧٥ فى عهد الرئيس السادات مروراً بعهدى الملك فاروق وجمال عبدالناصر.


كان الظهور الأول لأم كلثوم فى القاهرة فى شهر نوفمبر سنة ١٩٢٣ على مسرح بيلوت باسك فى شارع الألفى، كانت ترتدى العقال والجلباب وتصاحبها بطانة من المنشدين، وأنشدت أم كلثوم لحناً دينياً مشهوراً هو «مولاى كتبت رحمة الناس عليك»، ولكن طريقة لبسها جعلت أحد المستمعين يصيح «كتب علينا الغلب يا أختى «، وضج الجمهور بالضحك بينما انفجرت هى فى البكاء بعدما فشلت أولى محاولاتها لغزو القاهرة، ولكن أستاذها ومعلمها محمد أبو العلا وقف إلى جانبها مشجعاً ومعلماً، فقضت عامها الأول فى القاهرة تتعلم منه المقامات الموسيقية وضروب الإيقاع وطريقة الأداء والنطق الصحيح والتحكم فى طبقات الصوت.


وظهرت أم كلثوم فى صالة سانتى فى العام ١٩٢٤ وغنت الأغانى الخفيفة ولكن ذات المعانى البعيدة عن الابتذال، فكانت أغنية «خايف يكون حبك لى « من ألحان أحمد صبرى النجريدى وكلمات أحمد رامى أولى خطواتها على طريق النجاح.


وحققت أعمالها مع طبيب الأسنان هاوى الموسيقى النجريدى نجاحاً لا بأس به ولكن فشل مشروع ارتباطهما عجل بانفصالهما الفنى، وكانت خطوتها الثانية عندما قابلت محمد القصبجى وقد أثار منولوج «إن كنت اسامح وأنسى الأسية « والذى لحنه لها عام ١٩٢٧ضجة كبرى، فقد بيع منه ربع مليون إسطوانة وزلزل عرش الغناء من تحت أقدام سلطانة طرب هذا الزمان منيرة المهدية، ولم يمر عامان حتى كانت أم كلثوم هى أهم مطربة مصرية.


الفاروقيات والعائلة الملكية


بدأت علاقة أم كلثوم بالعائلة الملكية عندما غنت أمام الملك فؤاد فى افتتاح مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام ١٩٣٢ أغنيتها «أفديه أن حفظ الهوى أو ضيعا.. ملك الفؤاد مما عسى أن اصنعا « وأعجب الملك باستخدامها لكلمات أغنيتها لمجاملته، ثم ارتبطت أم كلثوم بعلاقة قوية بالملك فاروق وأفراد أسرته ليس فقط لأنها أهم وأنجح مطربات عصرها ولكن أيضاً لعلاقتها القوية باثنين من المقربين من الملك فقد ارتبطت بهم بعلاقات عاطفية، أولهم هو الصحفى مصطفى أمين، وهو أحد أبناء العائلات الأرستقراطية الذين اختارهم أحمد حسنين باشا كأصدقاء مقربين من ولى عهد الملك فؤاد الذى أسندت إليه مهمة تعليمية وتربيته، وكان الشخص الثانى فى بلاط فاروق المقرب من أم كلثوم هو شريف باشا صبرى خال الملك، بعض الروايات تقول إن شريف باشا صبرى هام حباً فى أم كلثوم وأراد زواجها ولكن التقاليد كانت تمنع ابن البشاوات من الزواج من مغنية، وفى بعض الروايات أن أرض فيلا أم كلثوم فى الزمالك التى انتهت من بنائها فى بداية الثلاثينات كانت هدية من شريف باشا صبرى، والذى كان مديراً لمكتب عدلى يكن رئيس وزراء مصر لثلاث مرات بين ١٩٢١١٩٣٠، كما تزوج من ابنته.


وفى عيد ميلاد الملك فاروق التالى والذى وافق ١١ فبراير ١٩٣٧، والذى أقيم فى سراى عابدين كانت أم كلثوم هى المطربة الوحيدة التى أحيته، فبرنامج الحفل لم يتضمن سوى السلام الملكى وقصيدة لمحمد عبدالقدوس، وأغنية تهنئة عيد الميلاد من تأليف بديع خيرى وتلحين زكريا أحمد، ثم قطعة موسيقية لفرقة المعهد الملكى للموسيقى العربية، ثم قطعة غنائية لأم كلثوم.


وقد غنت أم كلثوم للملك باسمه مجموعة من الأغانى بلغ عددها أربع عشرة أغنية وقد أطلق عليها اسم « الفاروقيات «كان أولها بمجرد توليه للعرش، وكانت فى الأصل قصيدة كتبها أحمد شوقى فى مدح السلطان العثمانى محمد رشاد الخامس، ولكن أم كلثوم غيرت فى كلماتها لتناسب الملك فاروق، ولحنها لها رياض السنباطى وتقول كلماتها :


الملك بين يديك فى إقباله / عوّذت ملكك بالنبى وآله


وعندما جاء ولى عهد إيران محمد رضا بهلوى فى مارس ١٩٣٩ ليتزوج من الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، أصرت الملكه نازلى على أن تزف العروسين أم كلثوم، وفشلت أم كلثوم فى قناعها أن هذه مهمة مشاهير العوالم وليس المطربات، وأمام إصرار الملكة الأم كلفت أم كلثوم بديع خيرى بكتابة أغنية زفة لها لحنها زكريا أحمد، وكانت تقول كلماتها :


مبروك على سموك وسموه/ دا تاج إيران والنيل الغالى وكانت المره الأولى والأخيرة التى تزف فيها أم كلثوم عروسا.


وظلت أم كلثوم المطربة المفضلة عند الملك فاروق حتى أنعم عليها بوسام الكمال الذى يساويها ببنات الأسرة الملكية وزوجات رؤساء الوزراء حيث يمنحها لقب صاحبة العصمة، وكان ذلك فى ١٧ سبتمبر عام ١٩٤٤ وفى ليلة عيد فى حفل مُقام بالنادى الأهلى، كانت أم كلثوم تغنى “يا ليلة العيد”، ولدى دخوله جلس على مائدة أحمد حسنين باشا رئيس النادى ورئيس ديوانه الملكى، ارتجلت أم كلثوم وغيرت فى كلمات الأغنية وقالت :


“يا نيلنا ميتك سكر وزرعك فى الغيطان نور/ يعيش فاروق ويتهنى ونحيى له ليالى العيد”، ثم انتقلت أم كلثوم وانتقل معها التخت سريعاً إلى الكوبليه الأخير من أغنية “حبيبى يسعد أوقاته”، فغنت :


حبيبى زى القمر قبل ظهوره يحسبوا المواعيد/ حبيبى زى القمر يبعث نوره من بعيد لبعيد. . والليلة عيد على الدنيا سعيد/ عز وتمجيد لك يا مليكي


وظلت أم كلثوم مطربة الملك الأولى حتى قامت ثورة يوليو ولاحظ جمال عبد الناصر، أن الإذاعة المصرية توقفت عن إذاعة أغنيات أم كلثوم، وكان عبد الناصر من عشاقها فاتصل بمدير الإذاعة وسأله : “لماذا لا تذيعون شيئًا لأم كلثوم منذ أسبوعين”، فرد مدير الإذاعة: “إنها من العهد البائد”.فرد عبدالناصر قائلاً : “وما رأيك فى الأهرام لماذا لم تزيلوها من مكانها أليست من العهد البائد”.


وكان من رأى بعض الضباط الأحرار أنها من رموز عهد فاروق وكانوا هم من أصدروا قرار منع أغانيها من الإذاعة، وقاموا كذلك بتحريض عبد الوهاب لينافسها على منصب نقيب الموسيقيين والذى كانت تحصل عليه بالتزكيه ، وعندما أدركت حجم ما يحاك ضدها أعلنت اعتزالها الغناء، وعلم بذلك عبد الناصر فذهب إليها مع عبد الحكيم عامر وصلاح سالم فعدلت عن قرار الاعتزال، وعادت نقيبة للموسيقيين وذهبت إلى دار الإذاعة لتشرف بنفسها على حذف المقاطع فى أغانيها التى تتغنى بفاروق وتمجده.


الضباط الأحرار فى ضيافة ثومة


كانت بداية تعارف أم كلثوم مع عبدالناصر تعود إلى أيام حصاره فى حرب ١٩٤٨ فى الفالوجا، وكان هو وزملاؤه يستمعون إلى غنائها فى الراديو واقترح بعضهم أن يرسلوا لأم كلثوم لكى تغنى لهم فى حفلتها الشهرية القادمة، ويقول محمود عوض فى كتابه “أم كلثوم التى لا يعرفها أحد”، إن اللواء المصرى المحاصر فى الفالوجة الفلسطينية، منذ أكتوبر ١٩٤٨، حتى أبريل ١٩٤٩، طلب عبر اللاسلكى ضمن ما يُطلب من القيادة المصرية آنذاك، طلبا خاصا، هو أن تغنى أم كلثوم فى حفلها المقبل، والذى كان مقررا إقامته فى الخميس الأول من فبراير ١٩٤٩، وكان يوم ٣ من الشهر، أغنية “غلبت أصالح فى روحي”.


نقل هذا الطلب الفريق محمد حيدر إلى الكاتب مصطفى أمين، الذى بدوره نقله إلى أم كلثوم التى كانت أعدت برنامج الحفلة بالفعل، وكان يضم ٣ أغنيات لم تكن “غلبت أصالح فى روحي” منها، إلا أنها لبت طلب اللواء المحاصر فى الفالوجة، وكانت واحدة من أجمل تسجيلاتها للأغنية، وكان اللواء يضم قائده سيد محمود طه، وجمال عبدالناصر الذى سيصبح رئيسا للجمهورية بعد ثورة ١٩٥٢، وبين حصار الفالوجة وثورة يوليو، كانت عودتهم من فلسطين، حيث احتفت بهم أم كلثوم بفيلتها بالزمالك، وكانت وقتها نقيبة للموسيقيين، وكانت كل النقابات قد عقدت العزم على الاحتفاء بالعائدين، إلا أن قرارا من الملك فاروق الذى كان يخشى غضب الضباط فمنع الاحتفالات، فنقلت أم كلثوم الحفل لمنزلها، ودعت نحو خمسين فردا من اللواء”.


أسرة الرئيس فى ضيافة ثومة


وعندما وقعت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر فى ميدان المنشية ٢٦ اكتوبرعام ١٩٥٤ سارعت بعمل أغنية لجمال عبد الناصر كتبها بيرم التونسى هى «ياجمال يامثال الوطنية «، لتصبح بعد ذلك صديقة شخصية للرئيس ولعائلته.


عندما وقع العدوان الثلاثى على مصر فى عام ١٩٥٦ أرادت تسجيل نشيد «والله زمان ياسلاحى « الذى لحنه لها كمال الطويل، ولما كانت الإذاعة هدفاً يمكن قصفه بالطائرات، بعد ما قصفت القوات المعتدية محطات تقوية الإذاعة فى أبوزعبل، قررت أم كلثوم تسجيل الأغنية فى مدينة بنها، ولما كان هناك حظر تجول فقد أرسل عبد الناصر إحدى سيارات رئاسة الجمهورية لتقل أم كلثوم إلى بنها.


وفى نفس التوقيت وأثناء العدوان الثلاثى تقرر نقل أسرة الرئيس عبدالناصر إلى أحد المبانى الحكومية لتأمينهم إذا تم قصف منزل الرئيس، ووقع الاختيار على مبنى فى الزمالك وكان بجوار منزل أم كلثوم التى علمت بوجود أبناء الرئيس فى جوارها فقامت باستضافتهم فى منزلها، وينسب إلى خالد عبد الناصر أنه سأل والده عن عدم وجود الكثير من وسائل الترف والرفاهية فى بيتهم كالموجودة فى بيت أم كلثوم فأجابه الزعيم أن أم كلثوم مطربة مشهورة بينما هو موظف حكومة.


ويحكى خالد عبدالناصر نجل عبد الناصر عن هذه العلاقة قائلا : “كنت أرى أم كلثوم فى بيتنا منذ أن كنت فى الخامسة من عمري، وكانت تحرص على حضور عيد ميلادي، وأعياد ميلاد أبناء جمال عبدالناصر .. وكانت صداقتها قوية بوالدتي.. وكان الوالد دائما مشغولا، وبالتالى كانت مقابلاته لها حين تأتى إلى البيت فى منشية البكرى قليلة، رغم حبه الشديد لصوتها، وتقديره واحترامه لشخصها”.


أم كلثوم وزيرة ثقافة


أراد عبدالناصر أن يكون للمرأة دور فى الحياة العامة فى منتصف الخمسينات فقرر تعيين امراة وزيرة وطلب من مصطفى أمين إعداد قائمة بعشر مرشحات ومعلومات عن كل واحدة منهن، ووضع مصطفى أمين القائمة وعلى رأسها أم كلثوم مرشحة لوزارة الثقافة، ولكن عبدالناصر اختار د.حكمت أبوزيد وكان تفسير هذا الاختيار من عبدالناصر لمصطفى أمين لأنها أقلهن حلاوة علشان مش عاوز يطلع علىٌ كلام وشوشرة ونكت.


ويذكر البكباشى موفق الحموى الذى كان مديرا للرقابة أنه عندما اتصل به الرئيس عبدالناصر ليبلغه خبر زواج أم كلثوم من الدكتور حسن الحفناوى فى عام ١٩٥٤ سأل الرئيس عما إذا كان الخبر شائعة من الشائعات.. فرد عبدالناصر: “لا .. الخبر صحيح، لكن أم كلثوم اتصلت بى وطلبت منى منع نشر الخبر فى الوقت الراهن.”


وكان تقدير عبد الناصر قد دفعه لجعلها مطربة الثورة التى تحيى أعيادها، وحتى عندما تسببت فى غضب عبدالحليم حافظ بتأخرها فى وصلتها حتى يغنى هو بعد انصراف كبار رجال الدولة، قرر عبدالناصر أن يكون الاحتفال بذكرى ٢٣ يوليو حفلاً لأم كلثوم على أن يحيى عبدالحليم حفلاً آخر فى الأسكندرية فى ٢٦ يوليو احتفالاً بذكرى خروج الملك من مصر، وعندما وقعت النكسة فى ١٩٦٧ وقرر عبدالناصر التنحى غنت له «إبقى «، ونظمت سلسلة حفلات فى الداخل فى المحافظات المختلفة وفى الدول العربية وفى أوربا جمعت فيها أكثر من مليونى جنيه لصالح المجهود الحربى.


وعندما توفى غنت قصيده لنزار قبانى بعنوان «عندى خطاب عاجل إليك « ولحنها لها رياض السنباطى، وكما يقول الإعلامى وجدى الحكيم فى أحد أحاديثه الصحفية،” هذه الأغنية سجلتها أم كلثوم فى ليلة كاملة من ١٢ صباحا وحتى الساعة ٨ صباحا بسبب حزنها الشديد على عبدالناصر وقتها الذى جعلها تبكى مع كل جملة تسجلها، ولكن بعد تسجيل الأغنية رفضت إذاعتها لأن اليوم الذى تحدد لذلك تولى فيه أنور السادات الحكم، فقالت الحزن على عبدالناصر فى القلب، ولايجب أن نشوشر على الرئيس الجديد.


بديل ساداتى لأم كلثوم


عندما تولى السادات الحكم فى سبتمبر ١٩٧٠لم يكن جديداً على أم كلثوم فهو نائب عبدالناصر، وقبلها كان عضو مجلس قيادة الثورة المسئول عن شئون الفن والفنانين، وعندما مرضت أم كلثوم فى عام ١٩٥٣ وانحبس صوتها ولم يجرؤ طبيب عربى على لمس حنجرتها، وتطوعت البحرية الأمريكية لعلاجها فى مستشفاها بولاية مريلاند كان أنور السادات هو الذى يودعها على سلم الطائرة، ورغم أن السادات كتب فى مذكراته انه يحب صوت اسمهان إلا أن أم كلثوم كانت من المدعوات فى حفلات زواج بناته فلم تكن بينه وبينها عداوة ولا قطيعة كما حاولت بعض الأقلام أن تصور للناس بعد رحيل السادات، ويستدلون على ذلك بمحاولات جيهان والسادات تقديم ياسمين الخيام كمطربة رسمية فى حفلات الرئيس، وإنشاء جيهان لمؤسسة الوفاء والأمل للقضاء على مشروع أم كلثوم للخير، والحقيقة التى لايناقشها أحد أن أم كلثوم عند تولى السادات للحكم كانت فى سنواتها الأخيرة، وإنتاجها الغنائى كان شبه منعدم بسبب ظروف مرضها، كما أن مشروع جيهان «الوفاء والأمل « بدأته بعد حرب أكتوبر لرعاية مصابى الحرب على غرار مشروعات المحاربين القدماء فى الخارج، وكان طبيعياً أن توجه كل جهود الدولة لمشروع زوجة الرئيس على حساب مشروع أم كلثوم الذى انضمت كوادره وممتلكاته إلى مشروع جيهان ولكن بعد رحيل أم كلثوم.