د. محمد الحفناوى نجل زوجها: «لم تكن بخيلة».. و«الويكا» أكلتها المفضلة

03/02/2016 - 11:21:38

عدسة: شيماء جمعة عدسة: شيماء جمعة

حوار: رحاب فوزى

الدكتور محمد حسن الحفناوي، نجل زوج كوكب الشرق «أم كلثوم»، وواحد من أشهر الأطباء حاليا فى مصر، يعتبر أن المطربة الراحلة والدته الثانية، ويعلم كثير من الأمور الشخصية عن السيدة التى تزوجها والده.


«الحفناوي» كشف فى حوار لـ»المصور» بعض من تفاصيل حياة «أم كلثوم» التى لا تزال تحظى بمكانة لا يضاهيها أحد بين جميع متذوقى الفن، فالسابقون واللاحقون عليها ممن امتهوا الغناء وبرعوا فيه لم يستطيعوا أن يحتلوا مكانها، لأنها كانت وستظل «أيقونة» الشرق وكوكبه المضيء.


ماذا تمثل ذكرى رحيل أم كلثوم بالنسبة لك؟


ذكراها تجدد أشجانا وذكريات فى قلوب عشاقها ومحبيها. وأنا أولهم، فقد عشت معها كأمى الثانية, والفترة التى عشت معها فيها فترة هامة للغاية فى حياتي، وهى من سن ٨ سنوات إلى ١٥ عاما, وفيها تعلمت منها كثيرا, فقد غرست فى صفات كثيرة طيبة لا يمكن نكرانها, فقد كانت تحبنى وجعلتنى أتعلق بها كأمى الثانية.


كثيرون وصفوها بالقوة والغلظة.. ما مدى صحة ذلك؟


دائما ما يصفون الرموز فى مصر بصفات لا تمت لواقعهم بصلة, ولا يوجد مثل حنية أم كلثوم التى تمتعت بحنان غير طبيعي، وأكثر من سيدات جيلها وربما الأجيال التالية. لقد غنت أم كلثوم للحنان والحب، وكانت تؤدى كل كلمة بشعور صادق أمام الجمهور فأحبها الناس ويتغنى العشاق بأغنياتها حتى الآن، وهو أمر يثبت أنها كانت عكس ما يشاع عنها.


هل كانت لها طقوس معينة فى الاحتفالات أوالمناسبات ؟


فى الأعياد كانت تؤجر سيارات تذهب لأهل قريتها تحمل أقمشة وملابس فى الصيف وتحمل بطانيات فى الشتاء لتوزع على المحتاجين وغير المحتاجين من أهل قريتها. لقد تعلمت منها حقا معنى العطاء, وكنت أسألها فتقول إن هذه السيارات الضخمة تحمل هذه الأشياء لأهلها، أبناء قريتها. وكانت تخبرنى أن الإنسان لابد ألا يتخلى عن أصله ولابد أن يظل وفيا لمنبعه, بعكس ما نراه الآن من تنصل الأشخاص لجذورهم, أم كلثوم عاشت عمرها كله وهى تحترم الفلاحة المصرية بكل جمالها، وتقاليد مجتمعها ولم تنفصل عن هذه الجذور, وظلت هذه الفلاحة بداخلها طوال عمرها وكانت تقول إن غياب الفلاحة الأصيلة من داخلها يجعلها تضمر وهو حال كل من يتخلى عن جذوره.


هل لك ذكريات معينة معها؟


لقد غرست لدى معنى كلمة وطن, وعندما كان كوبرى أكتوبر فى مرحلة التشييد، كانت تصطحبنى ونسير معا طريقا طويلا بجوار الكوبرى أو بطول شارع الجبلاية فى الزمالك, وكانت تمسك بيدى وتحكى لى ساعة أو ساعتين عن حب الوطن وأهميته، وكنت منبهرا بطريقتها فى الحكي. الطفل فى هذه المرحلة يكون مثل القطنة البيضاء التى تمتص الماء, فكنت امتص هذه المعلومات، والحكايات داخل رأسى ولم تخرج أو تنسى يوما, وأهم ما كانت تقول لى عليه أن حب الوطن عشق لا مثيل له فى قلبها. وكانت ترى أن كل مصرى يتمتع بوفاء يختلف عن أى مواطن فى العالم.


أشيع أن تنظيم الضباط الأحرار الذين هم كانوا قادة الدولة فيما بعد كانوا سببا فى تفكيرها فى الاعتزال، ما صحة ذلك؟


قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، الملك فاروق أعطاها لقب صاحبة العصمة, وهى من هامات العرب، وأى ملك لا يقدر الفن يكون مكتوبا عليه الفشل, والمفترض أن يستغل الحاكم ما لديه من رموز فنية وأدبية لينهض بالبلاد وهو ما كان يعرفه الملك ويفعله معها, وأيام الثورة صدر قرار بمنع أغنياتها من الإذاعة بدعوى أنها تغنى للملك والملكية فقط، وهذا ادعاء غير حقيقى فهى كانت تغنى لمصر, ووقتها ذهب الصحفى الكبير مصطفى أمين إلى الرئيس جمال عبد الناصر، وأخبره أن منع أغنيات أم كلثوم خطأ فادح وهو ما أكد عليه الرئيس جمال عبد الناصر حيث لم يكن على علم بمنع أغنياتها، وقال له أن أغنيات أم كلثوم ترفع الروح المعنوية للجنود وتخفف عنهم فى جميع الأوقات، ومنع أغانيها لم يكن جائزا. وبعدها اتصل عبد الناصر برئيس الإذاعة قائلا إن منع أغانى أم كلثوم، كهدم الأهرامات وآثار مصر. وبعدها عادت أغانيها للإذاعة. وأم كلثوم نفسها لم تكن تكره الثورة، وكانت تعشق عبد الناصر.


هل كانت تمارس دور ربة المنزل على ما يرام؟


كان لها طقوس ونظام مثل أى امرأة فى العالم، وكانت تحب الطهو برغم أنها غير حريصة عليه بشكل منتظم، لكن كثيرا ما قامت بطهو الطعام، أشهر نوع كانت تحب طهوه لزوجها هو «الويكا»، وهى أكلة صعيدية الأصل.


كيف كانت علاقتها مع زوجها د. الحفناوي، الذى هو والدك؟


كانت هذه العلاقة تلخصها لى فى كلمتين حيث كانت تقول لي: أسعد لحظات حياتى حينما أذهب مع والدك لمؤتمر علمي، وهى مرات ليست كثيرة التى ذهبت معه إلى أحد هذه المؤتمرات, وكانت تفخر بأن ينادونها بزوجة د.حفناوي, إذ أن الأوربيين ينادون السيدات بأسماء أزواجهم, وكانت تقول عن هذا النداء إنه يطربها مثل لحن جميل يجذب أذنها.


كيف كانت تستعد لحفلاتها؟


فى فترة ما كانت تقوم بتنفيذ البروفات فى الطابق الأسفل بالمنزل بصحبة الأوركسترا, وكان الطبيعى أن تقوم بهذه البروفات فى الإذاعة، لكنها فضلت العمل فى البيت لأن عدد البروفات الذى كنت تؤديه قبل كل حفلاتها كبير جدا، وكانت ترتجف قبل أى مرة تواجه فيها الجمهور, وكأنها ستدخل امتحانا. هذا الأمر ينبع من احترامها للجمهور, فقد كانت دائما تخشى رد الفعل وتحرص على قراءة القرآن كثيرا قبل الظهور. والإعداد للحفل كان يأخذ مجهودا غير عادى منها، وكأنها ستظهر للمرة الأولى للغناء.


وماذا عن علاقتها بأبناء عائلتها؟


أولاد اختها كانوا دائما معها تحتويهم كأنهم اولادها، ويقيمون معها فى الطابق الأول من المنزل، وكانت تحبهم حبا كبيرا واشتهرت بحب الأطفال جدا.


تحويل البيت لمتحف فكرة لم تحدث، فى رأيك لماذا؟


أشعر بألم كلما تذكرت هذا الأمر فعند وفاة أم كلثوم لم يكن يعرف أقاربها مستحقو الإرث أن المتحف شئ هام لتخليد ذكرى هذه السيدة العظيمة، وكل ما كان يشغلهم الحصول على حقهم فى الإرث بحكم أن ثقافة الريف لا تعترف بهذه الأمور كثيرا, وحينها ذهب والدى مع ابن شقيقتها المهندس دسوقى لوزير الثقافة وأخبروه عن رغبة الورثة فى بيع منزلها، وعرضوا أن تقوم الدولة بدفع قيمة البيت للورثة، والحصول على المنزل وتحويله لمتحف لقيمته الكبيرة قال له اترك لى الأمر لمدة يوم واحد وبعدها أخبره بأن الدولة لا مانع لديها فى بيع منزل أم كلثوم لأغراض تجارية للأسف. وبرغم بيع المنزل سعيت لإقامة متحف يحمل اسمها تحت أى ظروف وخرجت عبر التليفزيون أقول إننى أطالب بمتحف لها ولو فى الأوبرا ويكون دورا به مقتنياتها، وحينها فكرت أن أهدى الهلال الشهير الذى كانت ترتديه أم كلثوم فى حفلاتها للصحفى الكبير مصطفى أمين ليقوم بعمل مزاد علنى ويوجه أرباحه لعمل مشروع للفتاة الريفية، وتطوير حياتها باسم أم كلثوم, وكتب بالفعل عن هذه الهدية فى عموده الشهير بجريدة «الأخبار», وانتظرت عاما تلو الآخر ولم يحدث أى شئ، فظهرت فى التليفزيون مجددا وقلت إن الهلال لدى مصطفى أمين، وكان الهدف منه مشروع للفتاة الريفية، ثم فوجئت به يرد بأن الهلال ملك لدار «أخبار اليوم» ولا يملك سواها الحق فيه، ولن يكون هناك مزادات عليه, فصدمت وأعلنت وقتها أننى أهدى هذا الهلال للسيدة سوزان مبارك على أن تتبنى هى فكرة المزاد، وتوجه الجهود لبناء متحف يخص أم كلثوم, وبرغم هذا أوليت اهتماما بإقامة «كوكب الشرق» فى المانسترلى بمنطقة المنيل بالقاهرة، وهو ما جعلنى وكل الورثة نتبرع بمقتنياتها لهذا المتحفسواء الملابس، والنياشين، والصور النادرة, والتسجيلات النادرة للحفلات. وأنادى الدولة بتنشيط زيارة هذا المتحف وخصوصا بين الأطفال.. ووصية والدى أن أظل على محاولات إنشاء متحف يخص هذه السيدة العظيمة، وقد كان.


ماذا عن اتهامها بالبخل؟


لم تكن بخيلة على الإطلاق بل كانت حريصة لا أكثر، لأنها تعبت لتكوين مستقبلها وقبل موتها ظهر المطرب أحمد عدوية، وبعض المطربين الذين يختلف لونهم تماما عن طرب جيل أم كلثوم, وكانت أجورهم وقتها تعادل ثروة أم كلثوم كاملة, لذلك أرى من الظلم اتهامها بالبخل من قبل أى شخض. البعض تتخيل أن أم كلثوم تركت ثروة بالملايين، وهو أمر غير صحيح.


هل كانت لها طقوس معينة بعد الانتهاء من الحفلات التى كان يحضرها الآلاف؟


كانت تعود بعد أى حفل وتستمع مجددا لشرائط التسجيل الخاصة بها مع أبى رحمة الله, وتقول إنها كانت جيدة فى هذا الجزء أو أنها كانت من الممكن أن تفعل ما هو أفضل فى جزء آخر. كانت دائمة النقد لنفسها, وكانت تعيش لفنها.


هل هناك تلاق فنى بينها وبين والدك؟


إن لم يكن هذا التلاقى موجودا ما كان حدث الزواج من الأصل, وأنا أثق أن هناك رابطا خفيا بين الفن والطب على التحديد، ومن أنجح الزيجات التى حدثت فى مصر كانت بين فنانة وطبيب مثل أم كلثوم ووالدي، والفنانة الراحلة فاتن حمامة وزوجها. انا اعتبره ارتباط يتعلق بمضمون رسالة كل منهم، فالفنانون والأطباء يعملون على جزء خاص بالنفس البشرية.


هل كانت تتقبل النقد؟


كانت تتقبل النقد القادم من القلب فمثلا كانت تتقبل النقد من أبي, وكذلك من الراحل أحمد رامي، وكانت تخبره عن الكلمات التى تريحها أو لا ترغب بها فى الجملة الموسيقية أو القصيدة.


وماذا عن نشاطها الاجتماعي؟


لم تكن تتلقى الزيارات أو تتبادلها فى معظم الأحيان بل كانت تحيط نفسها بعيدا عن العمل بجو عائلى أكثر. وكانت تحب المؤتمرات العلمية بعيدا عن الفن وأجوائه. ولم تفضل المناسبات والاجتماعيات المختلفة.


ومن كان مطربها المفضل؟


كانت تحب صوت الرائع محمد قنديل وصوت سعاد محمد، ولم يكن يعجبها أصوات كثيرة.