أحمد رامى شاعر عشق أم كلثوم إلى درجة الجنون

03/02/2016 - 11:19:05

كتب - محمد الحنفى

وكأنكِ لم ترحلى .. فصوتكِ ..لم يزل يسكننا..يغرد فى أعماقنا ..يدوى فى جنباتنا، يعزف على أوتار قلوبنا، سنبقى نذوب عشقاً فيك وزيدينا ..


أنتِ يا قمر الشرق وكوكبه، ياسيدة الغناء العربى وأسطورته ..ياهرم مصر الرابع هل رأى العالم سُكارى بصوتك .. مثلنا؟


اليوم مرت ٤١ سنة على وفاة «الست» ورغم هذه المدة الطويلة لا تزال موجودة بيننا بنفائسها الغنائية التى غرست فينا الحب والأمل والعزيمة، ولا أبالغ إذا قلت أنها ستبقى خالدة عشرات السنين وربما المئات .. وهكذا تخلّد المعجزات! الغريب أن أم كلثوم ـ كما قرأت ـ كانت تحلم بهذا الخلود وكثيراً ما انتابتها هواجس البقاء الفنى وتخشى أن يطوى الجمهور صفحتها بعد رحيلها، بينما سيكون الخلود من نصيب من أبدعوا كلماتها وألحانها.


ولكن هيهات يا ست أن ننساكِ وأنتِ صاحبة الحنجرة الذهبية والقوة الصوتية الخارقة التى لم تتأتى لصوت بعدك وربما لمئة عام قادمة !


يامن لاذ العشاق بك وحلقوا مع «على بلد المحبوب ودينى، والحب كله، وسيرة الحب، ، وبعيد عنك حياتى عذاب ما تبعدنيش بعيد عنك، وعودت عينى، وتغضب لما أقول لك يوم يا ظالمنى ..الله على هذا الكلام الذى كتبه لها شاعر الشباب أحمد رامى ..الرجل الذى عشق الست فى صمت وعذاب وخرّج لنا إبداعاته الرائعة.


لقد وقع اختيارى على علاقة رامى بأم كلثوم لأكتب عنها باعتبارها واحدة من أروع قصص الحب فى القرن العشرين، والتى أثمرت ١٣٨ قصيدة شدت بها كوكب الشرق من مجموع ٢٠٨ أغنيات غنتها.


فهذا الرجل كم كان متيماً بحب الست إلى حد الثمالة، ناسكاً فى محرابها, لكنه الحب من طرف واحد يا عزيزى وما أدراك من لوعة هذا الحب !


ولأن أم كلثوم كانت على درجة رهيبة من الذكاء والمكر وتعلم مايجرى فى قلب رامى دون أن تبدى اهتماماً، لم يجد الرجل خيراً من هذه القصيدة حتى يعترف لها بحبه صراحة: «الحب كله‏..‏ حبيته فيك‏..‏ الحب كله‏..‏ وزمانى كله أنا عشته ليك زمانى كله‏..‏ حبيبى قول للدنيا معايا‏..‏ ولكل قلب بدقته حس‏..‏ يا دنيا حبى وحبى وحبي‏..‏ ده العمر هو الحب وبس».. ولأنه كان سعيداً وراضياً بهذا الحب الحارق دون انتظار .. ظل يحبها « ح أفضل أحبك من غير ما أقولك.. إيه اللى حير أفكاري، لحد قلبك ما يوم يدلك.. على هوايا المداري»! لكن هذا الكلام الجبار لم يستطع اقتحام قلب «الست « المحصن داخل قلعة فولاذية، فحاول رامى أن يتحرر من أسر هذا الحب بالزواج والإنجاب .. لكن ..»مفيش فايدة « إنها حالة مستعصية أدمنت حب هذه المرأة بشكل جنونى فكتب رائعته « «جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح.. حرام عليك خليه غافل عن اللى راح» !


ويوما بعد يوم تزداد لوعة الهوى فى قلبه فيكتب لحب عمره :» ياطول عذابى، فضلت أصالح فى روحي، سهران لوحدى «، ولما قست عليه «الست» كتب : «ياظالمني!» وظن الناس أنه الفراق ..لكن القلب وما يريد .. فقد عاد شاعر الشباب ليكتب مرة ثانية «عودت عيني»، و»ذكريات حبى وحبك ما انسهاش هيا أيامى اللى قلبى فيها عاش « لكن الإنسان طاقة وإحساس، ومن كثرة المعاناة استفز الراحل أحمد رامى فكتب «دليلى احتار» ثم « هجرتك يمكن أنسى هواك وأودع طيفك الآسي، «وحيرت قلبى معاك»! وكان آخر ماكتب رامى لأم كلثوم « أقبل الليل» عام ١٩٦٩ وقبل هذا كله كتب لها « يا ليلة العيد» التى أسعدتنا ومازالت.


حقيقة نحمد الله على أن أم كلثوم لم تبادل رامى حبا بحب ولم يتزوجا، فربما لو حدث ذلك لكنا حرمنا من كل هذه الروائع.


وتبقى علاقة شاعر الشباب والحب أحمد رامى بكوكب الشرق أم كلثوم هى الأروع، لذا اسمحوا لى أن أصطحبكم مع تفاصيلها الجميلة مع شاعر متيم بفؤاد فولاذى لم تحركه كل هذه القصائد والكلمات التى لو وقعت على قلب أنثى غيرها لزلزلته!


بدأت علاقة أم كلثوم بـ»رامي» فى بداية حياتها الفنية عام ١٩٢٤ وكانت فى بداية طريقها لتأسيس فرقتها، عندما غنت له قصيدة «الصب تفضحه عيونه»، فخرج الرجل من عندها هائماً فى صوتها، عاشقاً له، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أم كلثوم ملهمته وصارت كل أغانيه لها سرد لحبه على مدى ٥٠ عاماً، ولم تتوقف إلا بوفاتها عام ١٩٧٥.


لقد دخلت أم كلثوم المدرسة الشعرية العليا للشاعر الكبير أحمد رامى منذ بداية تحولها من الإنشاد الدينى إلى الغناء الدنيوي، الذى انتقل هو الآخر من كتابة الشعر بالفصحى إلى العامية المصرية، إيماناً منه بهذا الصوت الاستثنائى الذى ظهر فجأة فى حياته والحقيقة أن شاعرية رامى تجلت فى شعره العامى أكثر ما تجلت فى شعره بالفصحى.


وتحول رامى بصفته نائبا لدار الكتب المصرية آنذاك إلى أستاذ مباشر لأم كلثوم، زودها بنفائس كتب التراث الأدبى والشعري، فى جلسة أسبوعية مستمرة كان يتولى فيها دور الأستاذ الشارح لأى كتاب لم تفهمه وكان يختار معها أغانى شعراء آخرين وربما كان هو مصدر ثقافة بنت الريف التى لم تتحصل من التعليم إلا قدراً ضئيلاً مع حفظ القرآن الكريم طبعاً.


ولم تكن أم كلثوم تبادل «رامي» الحب، وكانت لديها من الشجاعة أن تعلن: «أحب رامى الشاعر وليس الرجل»،


فكان رده: «من أنتِ حتى تستبيحى كرامتي.. فأهين فيك كرامتى ودموعى .. وأبيت حران الجوانح صاديا.. أصلى بنار الوجد بين ضلوعى»


وعندما أهانته مرة أخرى كتب لها قصيدة: «عزة جمالك فين..من غير ذليل يهواك» وفى إحدى المرات وصف رامى حبه لأم كلثوم بقوله: « أحبها كما أحب الهرم، لم ألمسه ولم أصعد إليه لكنى أشعر بعظمته وشموخه وكذلك هى .


هذا الحب كان عذابا لرامي، وأيضا لزوجته، التى تزوجته وهى تعلم أنه يحب غيرها، فقد قال لها «أحبها، وليس ذنبي»!، وتأقلمت الزوجة مع هذا الحال، ومع صورة «كوكب الشرق» التى وضعها رامى فى بيته، وعندما كان البعض يعايرها أو يغيظها بجملة «زوجك يحب أم كلثوم»، كانت ترد قائلة: «وأنا أيضا أحبها»!


لقد أبدع شاعر الشباب١٣٧ أغنية لكوكب الشرق بفضل الحب الذى أحبه لها، والمثير أنه كتب هذا العدد الضخم من الأغنيات من دون أن يتقاضى مليماً واحداً، وعندما سألته أم كلثوم: «أنت مجنون؟ لماذا لا تأخذ ثمن أغانيك!»، فيرد عليها الولهان بقوله: «نعم، أنا مجنون بحبك، والمجانين لا يتقاضون ثمن جنونهم، هل سمعتِ يوماً أن قيسا أخذ من ليلى ثمن أشعاره التى تغنّى بها؟».


والأعجب من كل ذلك أن «رامي» لم يطلب الزواج من أم كلثوم، على حد قول ابنه «توحيد» فى حوار صحفى «لو تزوجها لكان الزواج سبباً فى اعتزالها الغناء لأنه رجل شرقى ولن يسمح لها بالغناء.. ولم يكن يستطيع أن يقول فيها (سهران لوحدى أناجى طيفك الساري) وهى بجانبه فى بيت واحد، هذا الزواج كان سيقتل الحب لا محالة!


«لذلك لم يطلب أبى يدها، ولم يفكر فى الزواج من أم كلثوم، وهو الذى عرّفها على الدكتور حسن الحفناوى لأنه كان أحد مستمعى أم كلثوم وطلب من أبى أن يعرفه عليها وبعدها تم الزواج . وهذا الكلام يقبل التصديق والعكس قطعاً.


وكانت المرة الوحيدة التى غضب فيها شاعر الشباب رامى من كوكب الشرق عندما تزوجت من الدكتور الحفناوي، وطلبت منه أن يكتب أغنية تقول: «شايف الدنيا حلوة لأنك فيها»، لزوجها وطبيبها الخاص، فبدا الحزن على رامي، وقال لها: «أنا شايف الدنيا سودة.. أشجارها بتلطم.. وأرضها بتبكي»، ورفض أن ينظم القصيدة المطلوبة، وخاصمته أم كلثوم.


لكنها أهدته خاتما ظل محتفظا به على مدار ٣٠ عاما، ولم يتجرأ الشاعر العاشق على خلعه من يده حتى أثناء الوضوء، وظل فى إصبعه حتى رحيله بعدها بحوالى ٦ سنوات وتحديداً يوم ٥ يونيه من عام ١٩٨١.


ورامى هو الذى أطلق على كوكب الشرق اسم (ثومة) الذى أحبّته وأحب الناس أن ينادوها به حتى أم كلثوم نفسها كانت تحب أن تُنادى بهذا الاسم من قبل القريبين جداً منها،  فى الوقت الذى كانت تحب أن يناديها الآخرون باسم «الست».


ورغم حالة الصد من قبل أم كلثوم عاش شاعر الشباب متيماً بها حتى رحيله، ولم يمنعه وجده أن يرثيها بقصيدته الأخيرة فى مطلع فبراير ١٩٧٦ أمام الرئيس الراحل أنور السادات، فى الحفل الخاص بالذكرى الأولى لوفاتها، بأكاديمية الفنون، والتى حكت أبياتها قصة حب لم يهزمها القدر، وقال «ما جال فى خاطرى أنى سأرثيها.. بعد الذى صغت من أشجى أغانيها، قد كنت أسمعها تشدو فتطربني.. واليوم أبكى وأبكيها، وما ظننت وأحلامى تسامرني.. أنى سأسهر فى ذكرى لياليها»


ماتت أم كلثوم ومات أحمد رامى وتركا لنا كنوزا من روائع النغم العربى الأصيل بصوت ماسى لكلمات ذهبية


نعم ..نعلم .. أن كل شىء بقضاء، ولكن سيبقى من الشوق رسول بيننا..لن ننساكِ ياست ولن نتعلم كيف ننسى.