حلمى بكر يتذكر : السنباطى صالح كوكب الشرق بـ «الأطلال»

03/02/2016 - 11:16:15

	عدسة: حسام عبدالمنعم عدسة: حسام عبدالمنعم

حوار أجراه: محمد رمضان

«أم كلثوم هى قاموس الرومانسية والوطنية».. هكذا استهل الموسيقار الكبير حلمى بكر حواره مع «المصور» للحديث عن ذكرياته مع أم كلثوم. «تلك الفتاة الريفية» التى يصفها، بأنها كانت تمتطى حمارها لتجوب به قرى المحروسة وصولاً إلى القمة، لكونها تعول أسرتها مادياً منذ الصغر، إلى أن باتت تعول وجدان الأمة العربية فكرياً وثقافياً. يقول «بكر» إن أغانى أم كلثوم كانت دفترًا لأحوال بلادنا يحاكى واقعنا الحالى، حيث أشعلت بوعيها السياسى الضوء الأحمر فى وجوه قادة العرب بعد نكسة عام ١٩٦٧ بغنائها «أنا إن قدر الإله مماتى.. لن ترى الشرق يرفع الرأس بعدى». يتذكر «بكر» ذكرياته مع «ثومة» قائلا: طلبت «الست» فى أواخر حياتها أن ألحن لها إحدى إبداعات الشاعر الراحل عبد الوهاب محمد وكانت أغنية “ماعندكش فكرة”؛ لكن الأقدار حالت دون ذلك برحيلها.. محطات كثيرة تحدث عنها «بكر» شارحا بداية علاقته بأم كلثوم، وأسرار أكثر يشكفها فى السطور التالية، فلا تفوّتوها.


حدثنا عن علاقتك بأم كلثوم.. وكيف بدأت؟


كان العمل مع أم كلثوم بالنسبة لأى ملحن يعتبر فرصة عمره، وكان حلم حياتى أن تغنى أم كلثوم أغنية من ألحانى وأن يقترن إسمى بتاريخها الفنى.. أما علاقتى بها فبدأت بعدة حوارات جمعت بينها وبين كبار الملحنين والشعراء أمثال، رياض السنباطى وكمال الطويل وعبدالوهاب محمد، قال لها السنباطى يوما: إن هناك ملحناً شاباً جديداً يدعى حلمى بكر وكانت أول مرة يذكر فيها اسمى أمام الست.. ودارت الأيام والسنين، وكان السنباطى يلحن لها قصيدة الأطلال للدكتور إبراهيم ناجى، وحدث بينهما نقاشا ذكر فيه السنباطى لها اسمى للمرة الثانية، ثم كتب فى إحدى المجلات عنى قائلا: «حلمى بكر بمثابة فاكهة طبيعية عكس غيره من الفاكهة البلاستيك»، فاتصلت به كى أشكره، فإحتد على قائلاً: «هذا رأيى يا أخى»، وبعد عدة سنوات كان الملحن الكبير كمال الطويل يشارك فى تلحين أغانى مسلسلها «رابعة العدوية».. وكنت ألحن أغنية “صوت الجموع” لمحمد رشدى فاستمع إليها الطويل وطلب منى عدم تسجيلها، لأنه سوف يكلم أم كلثوم عنها لكى تغنيها.


وهل كانت فكرت التعاون مع أم كلثوم تشغلك؟


فكرة العمل مع أم كلثوم لم تشغل دماغى، لأن العمل معها كان حلماً صعب المنال.. كانت أمنية أى إنسان وقتها أن يقابل «الست» ويسلم عليها، أما العمل معها فكان حلماً كبيراً، وبالفعل تكلم كمال الطويل معها عنى وعن أغنية “صوت الجموع” لكنه غضب منها لأسباب خاصة بها، فسجلت الأغنية بصوت محمد رشدى. بعدها ثم أذاع التليفزيون أغنيتى “يا حسن يا مغنواتى”، و“عرباوى” لمحمد رشدى فصفق له الجمهور، وذكر رشدى أنها من تأليف حسن أبو عتمان وتلحين الملحن الشاب حلمى بكر، فاستمعت إليها أم كلثوم، وكان يجلس معها الشاعر عبد الوهاب محمد فسألته مين حلمى بكر؟، فرد عليها: حلمى صديق عمرى؟، فطلبت منه الاتصال بى؛ لكننى كنت مسافر لأمريكا.. وعقب عودتى إلى القاهرة أبلغنى عبد الوهاب محمد أن السيدة أم كلثوم سألت عنى، فضحكت واعتبرت مقولته نكتة!، وفوجئت أثناء انشغالى بفحص جهاز كاسيت فى منزلى بإتصال فظننت أنه شخص يمزح معى، فقلت: “ألو يا أختى”، فوجدتها تقول لى: “اخرس يا قليل الأدب”.. فألقيت سماعة التليفون من رهبة الموقف.. وسألت عبدالوهاب محمد ست مين؟، فقال لى: «الست أم كلثوم»، فطلبت منه منحها سماعة التليفون مرة أخرى لكى “تربينى”!. فعجز لسانى عن النطق والكلام، فقالت لى: “يا نهار أسود أوعى يكون جرى لك حاجة.. على الله ماتكونش ألحانك زى أخلاقك”.


وماذا فعلت بعد ذلك؟


اعتذرت لها.. فقالت لى: “يا واد هناك أغنتين لعبد الوهاب محمد إحداهما عن الملل والأخرى بعنوان “ما عندكش فكرة”، فاخترت أغنية “ماعندكش فكرة” فوجدتها تقول لى “ياواد” شطرة هذه الأغنية طويلة عليك.. فرددت عليها لا يا فندم هحاول ألحنها”، فقالت لى: «مخلوق ما يسمعش وإجلس لكى تعمل».


ولماذا تراجعت أم كلثوم عن غنائها لأغنية “ماعندكش فكرة”.. وماهى حقيقة خناقة وردة وشادية على هذه الأغنية؟


لم تتراجع؛ لكن كان للقدر رأى آخر، فبعد مرور شهر من تكليفها لى بتلحين الأغنية اتصلت بعبد الوهاب محمد وسألته عنى “فين صاحبك المجنون”؟، ألم يلحن الأغنية؟، وطلبت منه أن يبلغنى أن أتصل بها، فكنت لا أملك الجرأة كى أدير قرص تليفونى لكى أحدثها؛ لكننى تجرأت وطلبتها فردت على أختها وأعطتنى السيدة أم كلثوم فسألتنى “عملت إيه”؟، فقلت لها: يا فندم كلما حاولت تلحين الأغنية أجد صورة حضرتك فى ذهنى فأصاب بالرعب وأتوقف.. فقالت لى: «يا واد مش إنت لحنت لنجاة وفايزة ووردة “اعتبرنى مثلهن”.. فظلت هذه الجملة ترن فى مسامعى.. وبعد ربع ساعة توصلت إلى المذهب الموسيقى فطلبتها مرة أخرى فقالت لى: “هو أنت تغيب وبعدين تطلبنى كل شوية تقرفنى”.. فقلت لها: يا فندم جاء إلى خاطر بمذهب الأغنية، فطلبت منى أن تسمعه فى التليفون، وكان قلبى يسقط منى خوفاً مع كل نفس، وعندما انتهيت من المذهب طلبت منى إعادته مرة أخرى، ثم أثنت على لحنى، بقولها: “يا واد رائع.. حلو شغلك يجنن مخلوق ما يسمعهوش».. وأبلغتنى أنها مسافرة فى رحلة علاج بالخارج، وظللت أنتظر عودتها لنبدأ جلسات العمل؛ لكنها رحلت ولم تعد.


وماذ حدث وقتها؟


وقتها أخفى المسئولون خبر وفاتها وأعلنوا أنها ما زالت بالعناية المركزة، خشية أن يحدث ارتباك بالدولة، وظلت الأغنية موجودة لدى لمدة عام بعد وفاة أم كلثوم إلى أن حضرت الاحتفال بعيد زواج المايسترو أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة الماسية الذى حضره كل فنانى مصر، وكان من بين الحضور الإعلامى الراحل وجدى الحكيم والمطربة الراحلة وردة والمطربة الكبيرة شادية، فطلب منى وجدى الحكيم غناء «ماعندكش فكرة»، ووجدت شادية تنادينى: “واد يا حلمى”.. أنا هاغنى هذه الأغنية. وطلبت منى وردة الذهاب إليها فى اليوم التالى لكى نفطر سوياً فى منزلها، فطلب منى وجدى الحكيم الانصراف خشية أن تحدث مشادة كلامية بين شادية ووردة.. وفوجئت فى السادسة من صباح اليوم التالى بوردة تتصل بى قائلة: «أنا مش قلت لك هنفطر سوا النهاردة.. تعال».


وكيف تصرفت؟


ذهبت إليها وسمعت منى مذهب الأغنية والكوبليه الأول.. وبالفعل غنتها وردة بعد مرور ثلاثة أيام فقط، فى حفلة لمدة ساعتين وثلث الساعة، لأن الجمهور طلب منها إعادتها عدة مرات، وكانت تغنيها بأسلوب طربى قريب من أم كلثوم، فنجحت وأنا شخصياً لم أصدق تحقيق هذه الأغنية لكل هذا النجاح، مما جعلنى أجزم رغم أن القدر بدد حلم حياتى مع أم كلثوم؛ إلا أنه أهدانى نجاح هذه الأغنية لوردة لأنها شجعتنى على اختيار المذهب، خاصة أنها نشرت فى صحيفة «الأهرام» بأنها ستغنى لاثنين من الملحنين الجدد وهما حلمى بكر وعبد المنعم الحريرى عازف الكمان بالفرقة الماسية.


رغم نجاحات أم كلثوم مع السنباطى وزكريا أحمد؛ إلا أنهما إبتعدا عنها لفترة.. فما هى حقيقة ذلك؟


السبب الحقيقى هو أنهما طلبا من أم كلثوم زيادة أجرهما خمسين جنيها حيث كان اللحن يباع بمائتين وخمسين جنيه، فرفضت أم كلثوم فإبتعدا إلى أن دارت الأيام وفى إحدى جلساتها مع الشاعر عبد الوهاب محمد سألها: “لم يأن الآوان يا ست تتصالحين مع السنباطى”، فطلبت منه الاتصال بالسنباطى الذى طلب منه عبد الوهاب إنهاء الخلاف بينه وبين الست، فإذا بالسنباطى ينفعل وتجاوز صوته حدود سماعة التليفون، فسمعته أم كلثوم، فطلبت من عبد الوهاب محمد منحها السماعة فإذا بها تطلب من السنباطى الحضور إليها، وفى خلال ساعة جاء إليها مصطحباً عوده، فسألته عن أحدث إبداعاته فأخبرها بأنه يلحن قصيدة من تأليف الدكتور إبراهيم ناجى، فسمعتها الست؛ لكنها اعترضت على كلمتين فتطوع عبد الوهاب محمد بتعديلهما، فغنت بصوتها العذب أسطورة “الأطلال”.


لم يقتصر دور أم كلثوم فى تاريخ مصر على إسهاماتها الفنية فحسب؛ لكنه كان له أبعاد سياسية أيضا؟


لعبت نشأة أم كلثوم كفتاة ريفية دوراً هاماً فى إسهاماتها السياسية من خلال فنها، فأم كلثوم لم تكن ابنة أحد الأثرياء ولم يكن والدها من الأعيان؛ لكنها كانت ابنه الأرض الطيبة، تمتطى حمارها لتجوب به القرى فتسقط أحياناً فى الطين أثناء سفرها لإحياء الحفلات فى البلدان المجاورة لقريتها، لأنها كانت تعول أسرتها مادياً؛ لكنها بعد اعتلائها للقمة الغنائية داخل الوطن العربى أصبحت تعول الوجدان العربى كله ليس مادياً؛ لكن فكرياً وثقافياً وذوقياً.. وكانت تنفعل بقضايا وهموم مجتمعها، فأثناء النكسة فى عام ١٩٦٧ أعلنت عن غضبها بغنائها “كشف النقاب عن الوجوه الغادرة»، وكانت بمثابة صيحة غضب توجهها إلى الشعب والجيش، فهى كانت تشعر أثناء تسجيلها لهذه الأغنية بأنها تقف وسط الشعب والجيش داخل ميدان المعركة.


ولم تكتفى أم كلثوم بذلك؛ بل دعمت الدولة من خلال مجهودها الحربى بإقامة حفلات فى الخارج للمساهمة فى إعادة بناء الدولة، فأم كلثوم كانت تعبر بأغانيها عن أوجاع شعب وأحلام أمة، والدليل على ذلك أن هذه الأغانى ما زالت تحاكى واقعنا الحالى، ومنها قصيدة “مصر تتحدث عن نفسها” لشاعر النيل حافظ إبراهيم.. فأرى أن أم كلثوم أضاءت «اللمبة الحمراء» لكل القادة العرب بغنائها بيت واحداً من هذه القصيدة وهو «أنا إن قدر الإله مماتى لن ترى الشرق يرفع الرأس بعدى”.. فهذا البيت رسالة لهم بأن من يسعى لانهيار مصر سوف ينهار قبل أن يمسها أحد بسوء، خاصة أن هناك من تآمر مع القوة الغاشمة ضدها، فأم كلثوم عاشت واقعنا الحالى قبل أن تعيشه بغنائها لهذا البيت الشعرى تحديداً.