عاملات النسيج يوم حلو.. ويوم مر

21/08/2014 - 9:28:31

وجود بارز للمراة في كل مراحل  العمل وجود بارز للمراة في كل مراحل العمل

تحقيق : شرين صبحي

على أنغام"دور يا موتور" يبدأ صباحهن.. يشمرن الأيادي استعداداً ليوم جديد شاق من العمل والإنتاج.. على الماكينات تنحني الظهور ويدب التعب في الأجساد المرهقة، أصلاً من عناء شغل البيت وتوفير كل سبل الرعاية للزوج والأولاد، لكن سرعان ما تتحول المعاناة إلى فرحة عارمة مع إنجاز المنتج الأول..


وسط عاملات النسيج بمصانع المحلة الكبرى قلعة الصناعة الوطنية تجولت"حواء" لترصد معاناتهن، وتتعرف علي أحلامهن وتطلعاتهن في حياة تتلخص في يوم حلو.. يوم مر. 


ببشرتها الخمرية وعيونها الجميلة التي تشع ذكاء، تنكفئ"هند" على ماكينة الخياطة، تحيطها الأقمشة من كل جانب. تفرد ظهرها المحني قليلا، ثم تعاود الانحناء.. داخل مصانع الغزل والنسيج بالمحلة تقضي ثلث عمرها. غادرتها الأحلام الكبرى ولم تعد تملك سوى أحلامها لأبنائها.


حصلت هند حسن على دبلوم صنائع، كانت تأمل الالتحاق بكلية الهندسة. بعد الدبلوم قدمت في معهد دراسات تكميلية، لكن تمت خطبتها ورفض خطيبها أن تكمل، وبعدما بدأت الدراسة ضاع المعهد وانتهت الخطبة!


تكمل: قدم لي خالي في الشركة دون أن يخبرني، فأتيت على أساس التسلية وتمضية الوقت ليس أكثر. والدي قال لي: لو استمريت أسبوعين ابقي قابليني! الآن تمر على كلمته لي 17 عاما كاملة". تعينت وبعد شهرين تمت خطبتي لأحد الزملاء في مصنع النسيج، وبعد 6 شهور تزوجت والآن معي أربعة أبناء.


كانت هند تحلم بحياة مختلفة، لم تكن تعلم ما تحمله لها الأيام، وأنها ستصبح يوما مجرد ترس صغير في آلة الغزل والنسيج، لكنها أصبحت"شركاوية متجوزة شركاوي" –نسبة إلى الشركة- تستدرك بنبرة تحمل الرضا والحسرة على الحلم الضائع معا: "ماحدش بياخد أكتر من نصيبه".


سرعان ما تعود من حلمها البعيد، "التحدي مع بابا ومع نفسي جعلني استمر".. تتذكر: كانت أمنية والدي أن أدخل كلية، لكي يشعر أنه عمل شيء، لكن للأسف خيبت ظنه. الدبلوم مجرد محو أمية. كنت أعيش مع حماتي وربت لي أولادي لكنها ربتهم بالذل والهوان. كنت أعود من العمل لأجدها تاركة لي الغسيل، فأقف حتى منتصف الليل من أجل الانتهاء منه. لم ينته هذا العذاب سوى العام الماضي، عندما أخذت قرضا أنا وزوجي ينتهي بعد 7 سنوات، واشترينا منزلا في إحدى القرى القريبة من المحلة، بالرغم من أن الأولاد تضايقوا من العيش في الريف.


تعمل هند أو كما ينادونها في المصنع"نونو" في قسم "الكمّ" تنتج 400 أو 500 كمّا في اليوم، فهناك أعمال يجب أن تنتج منها 40 قطعة في الساعة، أما الشغل العسكري فيطلب منه 25 في الساعة. تقول: "الشغل كله مشاكل لكن نتغاضى عنها لكي نعيش".


العيشة واللي عايشنها


نعمل في المصنع لمدة 8 ساعات منهم موعد الفطور والوقت المهدر، لكن الشركة حملت على طاقتنا ساعتين إنتاج زيادة، بمعنى العمل بطاقة 10 ساعات خلال الثمان ساعات. نحن نقبض بالإنتاج، طلعنا إنتاج قبضنا، ما طلعناش كل سنة وأنت طيبة! لكن الحق يقال إن الإدارة أحيانا تقف معنا.


هند تنتقد تغير القائمين على الشركة في التعامل معهم، تقول: "رئيس مجلس الإدارة كان واحد مننا، يعاملنا مثل أخ لنا، وبمجرد أن ذهب قام بتغيير مواعيد الحضور، لو دخلت متأخر يكون بخصم نصف يوم جزاء، ده اللي اتعشمنا فيه خير أن يقف معنا. كفاية ضغط الحياة بره، المواصلات التي زادت والدعم الذي تم رفعه، والكهرباء اللي نروح نلاقيها قاطعة، والعيشة اللي بقت ما يعلم بها إلا ربنا"..!


نفسي تشوفي الواحدة أول ما تروح ترمي الشنطة في أي مكان وتدخل المطبخ بملابسها تعلق على الطعام، ثم تبدأ في تغيير ملابسها ويستمر العمل "لحد ما ننام، ننام سطيحة مش عارفين إيدنا من رجلنا". السيدات يجب أن يتعاملوا معاملة مختلفة، لأن المرأة تستيقظ فتجهز الفطور وتذهب إلى السوق، وتذهب بأطفالها إلى المدارس، وهناك من تجهز الغذاء قبل الخروج. معنا عاملات يخرجن من بيوتهن الفجر.  


"ما نقدرش نغامر".. هكذا تلخص"هند" الأمر عند الحديث عن أحلامها. تقول: اللي بياخد تسوية ممكن يعمل مشروع، يفتح محل أو مصنع على قده. أتمنى أن أغمض عيني وافتحها أجد القرض انتهى وزوجت بناتي. عندي أربعة أبناء، منهم اثنان في المرحلة الثانوية، وما أدراك ما هو الثانوي وتعليمه ودروسه.


السياسة في الخارج لا تؤثر كثيرا على العمل داخل المصنع. فقط أيام حكم مرسي بدأ الإخوان"يشمّوا نفسهم علينا وناس كتير ربوا ذقونهم ووضعوا مصاحف على مكاتبهم وركبوا الموجة. وبمجرد أن عادت الدنيا عادوا ألعن من الأول".


"بعد خلع الإخوان قضينا فترة قليلة في الشجار، لكن بعد الجدل الذي صار بسبب التموين وزيادة أسعار المواصلات شمتوا فينا. لكننا قلنا سنظل خلف السيسي، لكن في الحقيقة من جوانا بنغلي. ومع هذا ندعو أن يوفقه الله لصالح البلاد".


هنا في مصنع" 7 " الغالبية العظمى من العاملين سيدات، حتى في المخازن، حيث يحملون الأثواب الثقيلة ويضعونها على ماكينة الفحص لتحديد العيوب. العاملات هنا يحملن يوميا من 20 إلى 30 ثوبا يتراوح طولها بين 75 إلى 100 متر, يرددن"المفروض يعمل هنا الرجال لكنهم لم يتحملوا"..!


"اتجوزنا وخلفنا وعيالنا دخلوا المدارس واحنا لسه هنا بنحمل الأثواب".. في الصباح من كل يوم وقبل أن تبدأ العاملة في حمل الأثواب، تقوم بتنظيف"العنكبوت" وكنس ومسح المخزن.


تعديل المعاشات


"اللي يدّعي المرض يجي له".. تقولها رانيا الفيل وهي تحدثنا عن المسامير التي تضعها في ساقها. تشكو أطباء المستشفى الذين يرفضون إعطاء أجازة مرضي إلا في حالة الكشف في عيادتهم الخاصة. "لو بتموتي لا يعطونك مرضي، يقولولك انتم عارفين سكتنا ومكاننا، مع السلامة. كنت متجبسة وروحتله بره علشان يعطيني الأجازة".


تتفق معها هناء عبد الحليم: "المستشفى عايزة إزالة، جوزي كان بينزف ويعمل هنا منذ 35 عاما، لم يعد يحتمل استنشاق الغزل، وهنا يرفضون عمل أي شيء له. في المستشفى ليس عندهم ضمير. وتعلق: تبقى الواحدة بالماكياج ومتظبطة على سنجة عشرة وتدخل تاخذ المرضي باليوم واليومين واحنا يا حسرة"..!


على أعتاب المراهقة وقبل أن تفتح الدنيا ذراعيها حبًا ومرحًا، تذهب الفتاة إلى الشركة وعمرها 15 عاما، وتظل تتدرج حتى تأخذ السجل في عمر 18 عاما.. مروة مصطفى عمرها 25 عاما، تعينت مع آخر دفعة عام 2006، كانت تتمنى أن تكمل تعليمها لكن والدها قدم لها في الشركة التي كان يعمل بها قبل أن يقدم استقالته، مروة عندها الغضروف، ما جعلها تنام 22 يوما على ظهرها، وأخذت أجازة على حسابها. تردد مع زميلاتها: "القطاع الطبي لابد أن تحدث به ثورة أو حتى انقلاب! إصابة العمل نفسها نأخذها أجازة من رصيدنا".


تعمل عبير غازي منذ 26 عاما، حيث دخلت المصنع وعمرها 15 عاما، تنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي ترحل فيه عن الشركة.


 تقول: "أنا تعبت، فقرات ظهري تؤلمني وأريد أن أسوّي معاشي، مرتبي الآن 900 جنيه في المدة –15 يوما- لو طلعت معاش سيكون 250 جنيهاً في الشهر.. لازم الواحدة تفضل"متمرمطة" لحد ما تموت. ندخلها سلام ونخرج مرضى، لكي نعمل عملاً خفيفاً تتحول العاملة من نظام الإنتاج إلى اليومية، وينخفض المرتب".. عبير تطالب بتعديل المعاشات للحصول على نصف الأجر "ضغط الشغل يؤثر على صحتنا ما حدش بيعذر حد".


متاعب الحياة في الخارج لا تترك العاملات على باب المصنع، بل ترافقهم إلى الداخل، وتظل تطبق على أنفاسهم أثناء العمل. بوجه ضامر وحزن يرسم ملامحه، ترفع عطيات المنوفي عينيها تنظر ناحيتنا. لا يغيب عن بالها لحظة ابنها المريض بفشل في النخاع العظمي ويحتاج إلى تغيير دم كل أسبوعين ولا يجد متبرعاً للعملية.


عطيات التي يعمل زوجها باليومية تفكر في ترك المصنع بعد ما استنفدت أجازاتها، وعليها أن تأخذ أياماً بالخصم. تشعر بالذنب وهي بعيدة عن ابنها المريض الذي لا تملك له شيئا. لا تكف عن البكاء لكن أملها في الله أن تجد من يقوم بالتكفل بعلاجه.


محمد عزت وهند إبراهيم.. زوجان عاملان في المصنع، لكنهما يتجاهلان أنهما متزوجان. يوضح عزت"منعًا لقول إن هناك تمييزاً. هي لها عملها وأنا لي عملي. أنا موظف وكنت رئيس مجموعتها ثم رئيس قسم. إذا أخطأت تحاسب مثل أي أحد. نحن نعمل معا منذ 22 عاما ومتزوجان منذ 18 عاما. حتى في فترة الخطوبة لم نكن نقف نتحدث وقت العمل. البيت له وضع وهنا وضع آخر".


نظام صارم


هدية بدير 53 عاما، أقدم عاملة في مصنع الملابس، عملت في مصانع النسيج بنظام الورديات، لم تكن تزوجت حينها وظلت هناك 5 سنوات، ثم جاءت إلى هذا المصنع الذي كان لا يزال جديدا أيام الخواجات، حيث كان هناك نظاما صارما. تروي: "كانت حالتي صعبة وأبويا تعبان لما قالوا في شغل قلت اشتغل. قالوا شغل ورادي قلت ماشي. كنت بحس أن الليل مثل النهار، وأكل العيش خلاني أصبر".


تخرج هدية من المنزل في السادسة والنصف صباحا، وتصل مبكرا قبل موعد فتح البوابة فتنتظر حتى السابعة. نادرا ما تأخذ أجازة لأنها تحب العمل.


 تقول: "كل الناس هنا كويسين معايا لأني شايفة شغلي، ماحدش بيسمع صوتي  حتى لو المصنع اتقلب، أنا في حالي أيام المظاهرات كنت أجي كل يوم وأقعد على ماكينتي لحد ما يقولوا هنقفل المصنع".


لا تقوم هدية من أمام الماكينة سوى 10 دقائق فقط وقت الظهيرة، حتى تستطيع أن تحقق إنتاجا، فمطلوب منها سرفلة 350 بدلة كاملة يوميًا.


 تقول بوجهها الهادئ: "منذ عملت وأنا على هذه الماكينة التي تسمى"لفق البدلة من الخارج". أنا أساس هذه العملية، ماحدش بيسد فيها مثلي لأنها متعبة شوية، لكني أحببتها، فبيني وبين الماكينة عشرة عمر بقالها سنين".


لم يمر وقت طويل حتى تداخلت أصوات العاملات. كل الأصوات حملت طعم الألم والوجع. يرددون: "عايزين مواعيد ثابتة للحوافز.. حياتنا كلها مترتبة على الشهر ونصف.. روحنا بتطلع ونلمها تاني.. نريدها على دخول المدارس ورمضان والأعياد.. ليه كل مرة نأخذها بالمظاهرات والفضائح.. اللي بتشتغل من 25 سنة ما بتكملش 800 جنيه حوافز في الشهر ونصف.. كلنا شلنا الهم وحطينا إيدنا على خدنا. مش كفاية الغلاء اللي برة".


ترتفع حرارة الجو داخل المصنع الملفوف بمواسير البخار التي تستخدم في الكواء، فتجعل المكان مثل حمام الساونا. توجه العاملات نظري إلى أعلى "عندما نطلب من الإدارة مراوح تكون الإجابة هاتوا على حسابكم".. وسط الشكوى، لابد أن تكمل كوب الشاي لآخره فهناك"بنات هتبور" إن لم تكمل حتى النهاية..!


يعاودني صوت "نونو": (هنا داخل المصنع القصص واحدة. الشكوى من الحماوات، الحياة الصعبة، جوزك لا يشكرك وإذا شكوت يكون رده التقليدي: "هو أنت بتعملي إيه؟" حكايات النساء التي لا تنتهي.. لو شوفتينا تقولي علينا إيد واحدة. لكن بمجرد أن نفترق خارج البوابات الكل يتذكر مساوئ الآخر)..!


كل مصانع النسيج تقوم على السيدات، والرجال يكونون مشرفين، أما مصنع"الزراير" فيعمل فيه الرجال فقط، لأنها مواد كيماوية عبارة عن بودرة ولا يحتاجون عمالة ماكينات. في التسعينيات كانت المصانع تعمل مهمات للجيش اليوناني مضادة للناموس، وقماش البراشوت للجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية.


النساء أكثر دقة


هل تستطيع المرأة القيام بنفس عمل الرجل؟ سألت المهندس فرج عواض المفوض العام بشركة مصر للغزل والنسيج، فأجابني ضاحكا: بل الرجل لا يستطيع أن يقوم بعمل المرأة! ليس لديه الصبر الذي عندها، الملابس تحتاج إلى صبر كبير، الرجل يحتاج بين الحين والآخر أن يشرب كوب شاي وسيجارة، العمل يحتاج إلى دقة تتوفر في السيدات أكثر من الرجال.


كل اضرابات عمال المحلة كانت تدور حول زيادة الأجور، ولم تتحدث يوما عن السياسة، كما يوضح المهندس خالد محفوظ، مدير عام العلاقات العامة: حتى إضراب 6 أبريل بدأ في المحلة ولم يشارك فيه عمال الشركة حتى اتهمنا حينها بالخسة. لكنه نسب إلى الشركة بسبب حجمها وعدد العاملين بها، حتى يكتسب القوة.


تصمت أصوات الماكينات العجوز.. مثل بروجي الجيش يزعق"الساعة الثالثة والنصف"، فتشعر وكأنك عدت مرة ثانية إلى أيام المظاهرات، من كل اتجاه يسير العمال نحو هدف واحد هو بوابة الخروج، يهرولون للحاق بموعد القطار أو العمل الإضافي في مكان آخر، لاستكمال رحلة الشقاء.