الموجى الصغير : عرش الغناء محجوز لأم كلثوم.. حتى اليوم!

03/02/2016 - 11:13:32

حوار أجراه: صلاح البيلى

وصفت كوكب الشرق الموسيقار محمد الموجى بأنه نهر لا يجف من الموسيقى الشرقية المتطورة، تعانق فنه مع صوتها فى قصيدة أحمد رامى “نشيد الجلاء” بترشيح من محمد حسن الشجاعى. بعدها توالت ألحانه له: «محلاك يامصرى وأنت على الدفة»، « حانة الأقدار» و»الرضا والنور»، ويا صوت بلدنا، و»يا سلام على الأمة «، وصولا إلى للصبر حدود، وآخر ما غنت له،» اسأل روحك» فى يناير ١٩٧٠، ويعترف الموجى الصغير الذى يدلف للخامسة والستين أن ثومة صاحبة فضل على والده محمد الموجى إذ كان أول من لحن لها من الجيل الجديد بعد ثلاثى العظماء محمد القصبجى ورياض السنباطى وزكريا أحمد، وقدمته لجمهورها على المسرح، واعترف العملاق السنباطى صانع مجد ثومة أنه مطمئن على صوتها مع الموجي. اقرأوا هذا الحوار بعناية.!


كيف بدأت علاقة الموجى بكوكب الشرق؟


كان أبى جالساً يعبث بأوتار عوده فى نقابة الموسيقيين يدندن لحن “أنا وحبيبى” فسمعه القصبجى ومحمد عبدالوهاب وأحمد الحفناوى فأخبر الحفناوى أم كلثوم، وكان الموجى قد ذاع صيته مع عبدالحليم فى “صافينى مرة” ومع فايزة أحمد فى “يا أمه القمر على الباب” و“أنا قلبى إليك ميال” ورشحه محمد حسن الشجاعى مراقب الموسيقى بالإذاعة للست وطلب منه أن يذهب إليها فوراً، ثم كلمه أمين حماد مدير الإذاعة ليخبره أن ثومة رشحته لوضع لحن “نشيد الجلاء” من كلمات أحمد رامى، وهو بخلاف “نشيد الجلاء” الذى كتبه أحمد شفيق كامل وغناه عبدالوهاب، ومن فرحة الموجى لم يصدق وكان أن وضع اللحن وهو يسير بشوارع القاهرة، عائداً لبيته القديم فى العباسية وفى الصباح كان عند الست باللحن!.


“أسرع ملحن!”


وصفته أم كلثوم بأنه أسرع ملحن ولذلك قصة إذا طلبت صفية المهندس من الست غناء أغنية تحية للإذاعة فى عيدها الثلاثين سنة ١٩٦٤، فاستجابت الست وكلفت الشاعر عبدالفتاح مصطفى بكتابة الكلمات فكتبها فى ٢٤ ساعة وكلفت الموجى بتلحينها وكان ذلك فى ٢٨ مايو ١٩٦٤ فلحنها ووزع اللحن على إسماعيل وغنتها فى ٣١ مايو ١٩٦٤ أى بعد ثلاثة أيام من كتابتها وتلحينها وكانت أغنية «يا صوت بلدنا»


“رابعة العدوية”


وفى إحدى المرات كان الموجى جالساً بنقابة الموسيقيين يضع لحناً لكمال حسنى فكلمه مراقب الموسيقى بالإذاعة


ليذهب للست فوراً فى بيتها بالزمالك، وهناك أخبرته بأنها ستغنى أوبريت “رابعة العدوية” كلمات الشاعر طاهر أبو فاشا للإذاعة، وكان أن وضع لها لحنين هما “حانة الأقدار” و“الرضا والنور”.. ولهما قصة إذ إنه غنى وراءها فى حفل «عيد الجلاء» بمسرح نادى ضباط الجيش بالزمالك مع الكورال وبعد أن غنت قدمته للجمهور وكان مجلس قيادة الثورة برئاسة عبدالناصر كله بالصف الأول وذلك فى ١٨يونيه ١٩٥٦ ثم نزلت لمصافحة عبدالناصر ورفاقه وهو خلفها وشكت منه لعبدالناصر لأنه»كسول» عنده لحنان ولم يفرغ منهما فقال لها عبدالناصر « بسيطة اعتقله لك حتى ينتهى من اللحنين» وضحكوا جميعاً، وكانت أغانى “رابعة” موزعة بين العملاق السنباطى والموجى وكمال الطويل فلما سألوا أم كلثوم فى الصحافة عن رأيها فى ألحان الثلاثة قالت كلمة واحدة:“محمد الموجى”، وقالت له»هزمتنى يا محمد ولم أستطع أن أغير لك جُملة لحنية واحدة» وارادت إهداء ه مائة جنية مكافأة له فوق أجره فاستأذنها السنباطى فى توصيلها وأعطاها له وهو يقول له:“مبروك يا محمد تفوقت علينا فى رابعة”، هذا هو السنباطى العملاق ..


“ثومة والموجى”


برأيك كملحن أين تضع ثومة والموجى.. كلاهما فى مشوار الآخر؟


أم كلثوم صاحبة فضل على الموجى بكل تأكيد وهو اعترف بأنها أضافت له وعملت له قيمة، نعم كان معروفاً وله اسمه، ولكنها حققت له نقلة فى تاريخه كما حقق لها نقلة فى مشوارها الفنى.


بمعنى؟


بمعنى أن أم كلثوم انتقلت من المدرسة التقليدية للكبار الثلاثة (القصبجى والسنباطى وزكريا أحمد) للمدرسة الجديدة مع الموجى وتشجعت على الاعتماد عليه وعلى أبناء جيله بعد أن كانت متخوفة فغنت بعده من ألحان كمال الطويل وبليغ وسيد مكاوى


“الموجى فى المحكمة!”


المعروف أن ثومة كانت جبارة فنياً فهل اختلفت مع الموجى يوماً؟


فى أحد الأيام فوجئ أبى بمُحضر المحكمة يدق باب البيت ويسلمه إعلاناً للذهاب لمحكمة القاهرة الابتدائية، وذهب فى الصباح فوجد أن أم كلثوم رفعت عليه قضية تطالبه بتعويض ٥٠٠ جنيه ورد ٢٠٠ جنيه سبق وأخذها عربوناً من مبلغ ١٥٠٠جنيه مقابل تلحين ثلاث أغان هى:“حيرت قلبى معاك” ولحنها السنباطى، و“ليلى ونهارى” و“للصبر حدود”، وكان العقد ينص على أن ينتهى من الألحان فى شهر وكانت حفلتها فى الخميس الأول من كل شهر، وكلما تأخر الموجى جعلت السنباطى يلحن أغنية من الثلاثة وكانت تجده يلحن لشادية وفايزة أحمد وعبدالحليم وتأخر عنها ستة أشهر، ووقف أمام القاضى وقال له:“احكم على بالتلحين، نفذ الحكم وافتح دماغى وطلع اللحن منه أنا لست آلة، وأم كلثوم معجزة الفن ولابد أن أبحث عن جُمل لحنية تناسب صوتها”، فاقتنع القاضى وحفظ القضية. وذهب الموجى للست فى الفيلا وجلس بالدور الأول وهى نازلة على السلالم تضحك بقوة وقالت له»هذه قرصة ودن!»


ما سبب تأخر الموجى عن وضع هذه الألحان؟


السبب أن أم كلثوم كانت تعيش فى ألحان القصبجى وزكريا أحمد والسنباطى وكانوا هم الثلاثة الكبار وكانوا يبهتوا عليه فيلغون شخصيته،و كلما جلس معها لتلحين كوبليه خرج على منوالهم فتوقف عن الذهاب إليها ووضع الكوبليه الأخيرلاغنية « للصبر حدود « بعد أيام من غيابه ف فطلبت منه تغييره لما سمعته منه فرفض وأخذ عوده وتركها وهى تنادى عليه»خذ يامجنون..» وذهب إليه فى بيته عازف الكمان أحمد الحفناوى وعازف القانون عبده صالح وأقنعاه بالذهاب إليها فذهب إليها وقال لها: (أنا حسيت إنى تهت فى الثلاثة الكبار فى الكوبليهات الأولى فاتركى بصمتى فى الكوبليه الأخير): وقد كان وبدأت البروفات وجاءت الحفلة فكان الجمهور يستوقفها لتردد الكوبليه الأخير عشر مرات وهى تغنى فيه (ولقتنى وأنا بهواكخلصت الصبر معاك) لدرجة أنها غيرت فى الكلمات على المسرح وغنت (وكفاية وأنا بهواكخلصت الصبر معاك)، ولما خرجت من المسرح لغرفتها ترتدى البالطو نظر إليها الموجى بنصف عين فقالت له:“غلط فى البخارى ياخى.. عندك حق”.


“اسأل روحك”


وجاءت بعدها محطة “اسأل روحك” أليس كذلك؟


كان أن أعطت أم كلثوم لأبى ثلاث أغنيات هى:“اسأل روحك” كلمات عبدالوهاب محمد و“أهلاً بالحب” كلمات مجدى نجيب ورحلت قبل أن تغنيها” و“لو كنت بصعب عليك” كلمات أحمد رامى، وأصر الموجى أن يلحن أولاً الكلمات التى يحس بها فأشركا قراء “الكواكب” فى الاختيار وارتضت هى وهو باختيار القُراء فاختاروا أولاً “اسأل روحك” فرفض أن يجلس معها لوضع اللحن وقال لها:“يكفى غلطة للصبر حدود اتركينى بشخصيتى فى هذا اللحن” وقد كان لدرجة أنه قابلها فى لبنان فسمعت منه المطلع وهو واقف وأخذ منها صورتها فقالت له: (اصرف الملائكة وغير المطلع) وكان (آه لو كل الناس بتحب زى ما قلبك عاش بيحسبيحب فوق أحاسيس وشعور الناسكانت الدنيا بقت حاجة تانيةوكانت الناس بقت زيى من الإحساس).. فقال لها: (غيرى كلام عبدالوهاب محمد، ولكن اللحن لن أغيره)، ونزلت على رأيه.


“دبلة لأمى”


وكانت أمى «أم أمين» نفسها تصافح أم كلثوم فأخذها أبى فى حفلة “اسأل روحك” وأدخلها غرفة الست فصافحته بجفاء وهى تقول له:“انت كل شوية تجيب واحدة تسلم على”، فقال لها:“دى أم أمين زوجتى” فقالت له مُعنفة:“ القمر دى أم العيال وكل شوية قاعد تتزوج عليها نهارك اسود لو تزوجت عليها بعد كده، دانت عينك فارغة” وسافرت لأداء العُمرة بالحجاز ولما عادت طلبته وأهدته (دبلة بلاتين) وأمرته ألا يكتب عليها إلا اسم أمى وبالفعل حفر أبى عليها اسم أمى وهو (فهيمة إبراهيم) وتاريخ زواجهما سنة ١٩٤٧، وظل أبى يلبسها من سنة ١٩٧٠ حتى رحل فى أول يوليو ١٩٩٥، ولما رحل خلعت أمى الدبلة من يده وأعطتها لى لأحتفظ بها حتى الآن، والحق أنها كانت تعرف للموجى قدره كامتداد لمدرسة القصبجى فى الموسيقى الشرقية المتطورة وكملحن لا يقلد أحداً بل موسيقاه نابعة من إحساسه


“عرش ثومة”


أخيراً كملحن وابن موسيقار كبير بم تصف ثومة بعد ٤١ سنة على رحيلها؟


رحلت فى الوقت المناسب لأنها لو عاشت وسمعت الموسيقى والغناء الآن لماتت فى اليوم الواحد ألف مرة!.. أم كلثوم هرم وقيمة وقامة صعب تتكرر أو تعوض ولايزال عرش الغناء محجوزاً لها حتى الآن ولم يستطع أحدُ بعدها أن يشغله،، وهى معجزة إلهية نادرة، نعم مصر ولادة ولكنها لن تنجب أم كلثوم ثانية


وفى الفن أقول:“ الميت أبقى من الحى” وليس العكس لأن أغانيهم وألحانهم تعيش بيننا إلى الآن لكل من رحلوا ولكن كل حى يبدع لحناً أو أغنية اليوم تموت فى لحظتها!.