«المصوّر» فى طماى الزهايرة: حكايات أم كلثوم مع عبدالناصر والفن.. والبامية والمحشى!

03/02/2016 - 10:45:45

تحقيق يكتبه: صلاح البيلى

قبل ٤١ عاماً انتقلت كوكب الشرق أم كلثوم من عالم الأحياء إلى عالم الخالدين، إذ توفيت وغسلت بماء زمزم كما تقول قريبتها وخادمتها فى آخر ١٢ سنة من حياتها “بثينة محمد السيد” المعروفة “أم عادل” والبالغة من العمر ٧٤ عاماً وتعتبر أم كلثوم عمة والدها وللآن تحتفظ الحاجة بثينة بذاكرة أيام الست! .


بعد أن قطعنا الطريق من القاهرة للمنصورة ذهبنا للسنبلاوين ومنها لقرية أم كلثوم “طماى الزهاير»، فكانت تجلس «أم عادل» مع أحفادها فى الطابق الأسفل من بيت مكون من دورين بجوار “جامع العوضى” الذى كان زاوية صغيرة يحفّظ فيها والد أم كلثوم القرآن لأبناء القرية إذ كان الشيخ إبراهيم السيد البلتاجى محفظاً للقرآن ثم منشداً فى الموالد والليالى للمدائح النبوية فلم يكن فلاحاً مالكاً للأرض الزراعية ولا حرفياً بل بلغة الأقدمين “فقى” القرية يعلم أبناءها الصغار القرآن ثم ذاع صيته فى القرى المجاورة لاحقاً.


“ليلة القدر”


تقول الحاجة بثينة محمد السيد عن أسرة أم كلثوم: الست عمة والدى فوالدها هو الشيخ إبراهيم السيد البلتاجى وأبى هو “محمد السيد البلتاجى” ووالدة أم كلثوم هى الحاجة فاطمة المليجى وهى التى لبستنى بيدها الحلق الذهب فى أذنى وأنا طفلة، وتسبق أم كلثوم شقيقتها الوحيدة “السيدة” ثم شقيقها الوحيد “خالد” ثم ولدت هى فى ليلة القدر فى رمضان واستبشر بها أبوها، حيث كان بجامع العوضى وكان زاوية صغيرة يحفظ فيها القرآن للأولاد الصغار وكان بالزاوية نخلة عالية، وأخبره شيخ آخر صديق له بأنه رأى فى الرؤية أن زوجته أم خالد أنجبت بنتاً وأنها صعدت فوق النخلة والناس تنظر إليها وتصفق إعجاباً لها، فجاء الخبر لوالدها بإنجاب زوجته فقال على الفور: “على بركة الله أم كلثوم على اسم بنت النبى” والله هذا ما سمعته من عمتى “منصانة” عن والدها فهى مبروكة ولدت فى ليلة مبروكة وكان فيها بركة الدنيا والقليل فى يدها كثير.


وأوصاها أبوها بأهله خيراً فعملت بالوصية وزيادة فلم تترك أحداً من أقارب أمها أو أبيها إلا وأعطته من خيرها وزيادة.


“الأسرة”


تزوجت أختها الكبرى “السيدة” من الدسوقى إبراهيم وأنجبت منه “الدسوقى ومحمد ورفعت وممدوح وعبدالمنعم وسعدية وسكينة” كلهم رحلوا عدا سكينة مسنة وتقيم بالقاهرة أما شقيقها خالد فأنجب “بثينة وشجون ووداد وسعاد وبطة وصلاح وإبراهيم وعدلى وسمير” كلهم رحلوا عدا عماتى وداد وشجون وبثينة يقمن بالقاهرة وكن يحضرن أيام والدهن “خالد بك” حيث كانت أم كلثوم اشترت عزبة أرض تزيد على المائة فدان فى حياتها وجعلت أخاها خالد عمدة القرية وجاءت له بالبكوية وكان ينزل كثيراً ليباشر الأرض مع الفلاحين.


“وصف الفيلا”


منذ متى وأنت تقيمين مع أم كلثوم؟


كنت أتردد عليها فى فيلتها بالزمالك مع زوجى وشقيقى صلاح لما رحل زوجى وترك لى ابنى عادل طفلاً أقمنا معها إقامة دائمة فى الدور الأرضى من الفيلا المكونة من ثلاثة طوابق ولمدة ١٢ سنة وكما ربت ابنى عادل وألحقته بمدرسة الزمالك التجريبية الابتدائية رتب “نعمات” ابنة ابن شيقيقها خالد، ورتب كثير من أطفال العائلة ولما صفعه مدير المدرسة شكا لها فشكت لعبد الناصر فكلم وزير التربية والتعليم فنقله وكانت تأخذه فى يدها حينما تحب المشى فى شوارع المعادى عندما كانت خالية، وظللنا معها حتى رحلت واحتفلنا بذكرى الأربعين ثم عدنا للقرية.


كيف كانت فيلا الست ومن هم أشهر خدمها والمقيمون معها بانتظام؟


الفيلا كانت من ثلاثة طوابق فى ٥ شارع أبو الفدا على كورنيش الزمالك وكان الطابق الأول مخصصاً لأقاربها وخدمها وفى مقدمتهم عمتى “منصانة” وهى ابنة عمها وكانت كوالدتها فقد ربتها ودعت لها وكانت تخاف عليها من الهوا الطاير وكنت معها ومعنا السكرتيرة الحاجة “إحسان” وكانت للسفرجية والسايس والبواب غرف مستقلة بالحديقة قرب الباب وكان السفرجية “عبدالرحمن وصالح وداود” والسايس عم عبدالحميد والجناينى وعبدالحميد والسائق سعيد والطباخ عم عبده والبواب عم عبده.. كانت واحدة وكلنا من حولها وتصل عيش الجميع.


وكانت تنام معها سكرتيرتها الحاجة إحسان أو كنا نناديها “أم أمينة” ولما تغيب أنام أنا معها فى حجرتها. وكان زوجها د. حسن الحفناوى فى نفس الجناح بالطابق الثالث ولكنه فى غرفة مستقلة، وكنت أنا أو الحاجة إحسان نناولها الدواء أو الماء إذا ما عطشت.


“رقيقة جداً”


بم تصفين الست عن قرب؟


كانت رقيقة جداً وحنونة وعاطفية ورهيفة القلب تتألم لألم المريض وكانت تجرى للمريض كل العمليات الجراحية اللازمة إذا ما استدعى الأمر وعلى سبيل المثال أنا كنت “قُفة مواجع” فأجرت لى عملية الزائدة الدودية وغيرها وتكفلت بكل شىء وذلك فى مستشفى د. حسن إبراهيم باشا بالدقى.. وقبلها أجرت لى عملية استئصال ورم ليمفاوى ثم خلع أصابع، وكذلك أجرت لأقارب آخرين عملية الكلى وكان د. حسن الحفناوى زوجها جاهزاً لاستقبال أى مريض من القرية حتى لو كان غريباً عنها ويعالج ويحصل على فترة النقاهة معنا بالدور الأرضى ثم يعود للقرية محملاً بالنقود والهدايا.


ألم تكن تحب طعام الفلاحين من ملوخية وبامية وبط؟


كنا نطبخ لها نحن الملوخية والبامية فتشتم الرائحة فتطلب “ملعقتين بامية” أو طبق ملوخية صغيرا وكل طعامها مسلوق ولابد من الخرشوف وشوربة الخضار أو السوتيه ولو نفسها فى مكرونة تكون مسلوقة ومجرد شوكتين مع ريحة زبدة وطبق السلاطة مقدس ويتكون من البنجر المسلوق والخيار والخرشوف والخس والجرجير والطماطم. وأحياناً تكتفى بطبق السلاطة وفى الفاكهة تأكل حبة واحدة.. برتقالة أو تفاحة أو “صباع موز” وكانت صناديق الفاكهة تأتيها من لبنان والسعودية فتتركها لنا وتقول “كلوا أنتم وكأنى أكلت”.. كانت قنوعة وحنونة فوق الوصف.


“المجهود الحربى”


وبعد ذلك تعود للبيت بحسب جدول مواعيدها ومقابلاتها مع ملحنين أو شعراء أو سيدات الهلال الأحمر لدعم المجهود الحربى بعد حربى ٥٦ و١٩٦٧ فعلاوة على الحفلات التى أقامتها داخل وخارج مصر تبرعاً للمجهود الحربى كانت الفيلا مليئة بالهدايا من ملابس وطعام وماكينات تريكو وجواكت صوف كانت تأتيها من السعودية ومن كل مكان تبرعات وتقوم مع سيدات الهلال الأحمر بتوزيعها على بيوت الجنود الواقفين على الجبهة وكانت السيدات يفصلن القماش فى الفيلا كهدايا لأسر الجنود.. ولم أر سيدة وطنية وتغير على بلدها مثلها. وعندما كانت تهب غارة على القاهرة وقت العدوان كنا كلنا نخاف ونتوارى فى الفيلا إلا هى تخرج للشارع وتأتى بالمارة للاحتماء فى الفيلا وتقول “العمر واحد والرب واحد”.


وفى الأيام العادية تودع الضيوف نحو الساعة العاشرة ليلاً وتدخل تتعشى وتصلى وتجلس أمام التليفزيون نصف ساعة ثم تدخل لتنام.


“ليالى الحفلات”


أما فى ليالى الحفلات فلم تكن تنام أبداً وكانت تقول لعمتى “منصانة”: ادع لى فتقول لها “روحى ربنا يخفف الكلام على لسانك ويجعلك من المسعودين”.


وكنا نسمع الحفلة بالراديو قبل انتشار التليفزيون وكانت تحضر وش الصبح بعد ثلاث وصلات للفجر ولما خففت صارت تغنى وصلتين، وتحضر ولا تنام حتى الصباح وكلنا فى انتظارها.


عبدالناصر


كانت علاقتها قوية بالزعيم عبدالناصر فهل شاهدته فى الفيلا؟


كان دائم الزيارة لها مع المشير عامر والشافعى وكمال حسين وكان يكلمها فى التليفون.. “هاشوفك النهاردة ياثومة” فتأتى حراسته للزمالك ويقف الناس على كورنيش النيل لمشاهدته. وكان يعتبرها أخته وكانت صديقة زوجته “تحية” وغنت فى فرح بناته “هدى ومنى” وأولاده “خالد وحكيم وعبدالحميد” وكنا نصعد لفراندة الدور الثالث والأخير لنشاهد عبدالناصر وهى تجلس معه وفى يدها عادل ابنى وكان عبدالناصر كلما جاءته هدايا من فاكهة أو سواها أرسل منها لبيت أم كلثوم وكانت هى تعد إفطاراً رمضانياً مرة كل عام لكل أعضاء مجلس قيادة الثورة وفى مقدمتهم عبدالناصر وكان عيداً لنا فى البيت.


“بو رقيبة”


من هم زعماء العرب الذين رأيتهم يزرونها فى البيت؟


رئيس تونس بورقيبة وزوجته الست وسيلة كانا يعشقانها.. وكذلك أمير الكويت وزوجته، وكان كل الملوك والأمراء يحترمونها.


ومن هم زوارها من أهل الغناء؟


كلهم من زكريا أحمد ورياض السنباطى وعبدالوهاب ونهلة القدسى زوجته وبليغ حمدى وسيد مكاوى والموجى والطويل وشادية وفايزة أحمد ورامى..


“رامى”


إلا رامى كان له يوما مقدسا كل أسبوع مع الست أليس كذلك؟


كان يوم الاثنين هو اليوم المقدس من كل أسبوع لزيارة رامى يأتى فى العاشرة صباحاً ويظل معها فى يوم مفتوح بدون موعد للرجوع ويتناول معها طعام الغداء، كان يقرأ لها فى دواوين الشعر أو يعدل لها فى كلام غيره كما حدث فى “حديث الروح” لشاعر باكستان محمد إقبال أتوا بواحد من السفارة يدعى “صاوى شعلان” راجع الكلام مع رامى والسنباطى والست وكان السبناطى يحفظها اللحن ويظل معها طوال اليوم ويعتذر لزوجته بأنه سيتناول الغداء مع ثومة،، ولكن رامى كان مجنونا بها ولما انشغلت عنه وحدثت بينهما جفوة عاد وكتب لها “يامسهرنى” .


“الأولاد”


ألم تتألم لعدم إنجابها ذرية من رحمها؟


كان د. محمد ابن زوجها د. حسن الحفناوى يزورها باستمرار وكذلك كان أولاد شقيقها خالد وأختها “السيدة” من حولها والبيت ملىء بالأطفال وكلهم أولادها وهى عاشت للفن ونجاحها الساحق عوضها الذرية واضطرت للزواج من د. الحفناوى لرعايتها صحياً بعدما أجرت عملية الغدة فى أمريكا وكانت معها “وداد وسعدية” بنات “السيدة” قبل أن أنضم إليهما فى الستينيات.


“ثروتها”


ما هى ثروة الست فى حياتها؟


كان ابنا اختها “محمد الدسوقى ورفعت” موظفين فى بنك مصر وظفتهما وكانا يتوليان الإيداع والسحب لشيكاتها وأول ما اشترت فى قريتها ١٤٠ فداناً “٤٠ لوالدها و١٠٠ لها” وتبرعت بفدانين للجمعية الزراعية والوحدة العلاجية وبنت مضيفة لها ولخالد ومع تحديد الملكية الزراعية مع الثورة احتفظت بخمسة فدانا ووزع الباقى على الإصلاح الزراعى وبعد رحيلها توزعت الثروة بين أولاد أختها ود. الحفناوى بما فيها فيلا الزمالك التى بيعت بمليون ونصف المليون جنيه وكانت على ستة قراريط!


“قلادتها”


كيف آلت إليك قلادتها؟


القلادة أهدتها لى وكانت ألمانيا صنعت لها نحو ١٠٠ نسخة ذهبية منها على وجه صورتها وعلى الوجه الثانى “كيوبيد” إله الحب، وكان لديها كميات كبيرة من الصوانى والأطباق والأكواب عليها صورتها أهدت منها الكثير والباقى توزع وأنا لا أعرضها للبيع ولكنى أعرضها لتوضع فى متحف أو فى يلخدها وهى لاتقدر بمال.