رسالة عبد الرحمن وياسين .. إنه الوطن ياولدى

03/02/2016 - 9:34:55

  أحمد أيوب أحمد أيوب

بقلم: أحمد أيوب

لا يعرف نجلى عبد الرحمن وياسين عن الرياضة سوى السباحة التى يتعلمانها والكاراتيه الذى تدربا عليه لبعض الوقت وكرة القدم، لكن كرة اليد لم تدخل حتى السبت الماضى فى قاموسهما، وحتى أبسطها لهما كى يقبلا أن يتابعا معى نهائى بطولة إفريقيا بين مصر وتونس، شرحت لهما كرة اليد بأنها كرة قدم لكن تلعب باليد، ورغبة فى إرضائى قبل الاثنان أن يتابعا المباراة، خاصة بعدما علما أن المنتخب يلعب باسم مصر، ولابد أن نقف معه ونسانده..


كانت البداية فاترة لتنقلب مع نهاية الشوط الأول إلى حماس لم أعرف مصدره، غضب انتاب ياسين، سبع سنوات، عندما تقدمت تونس ونطق بعد صمت وهو يقول، إيه القرف دا، بابا أنا خايف مصر تتغلب، فجاء الرد غريبا من عبد الرحمن، ثمانى سنوات، وهو يؤكد أن أحمد الأحمر “هايجيب اجوان كتير فى الشوط الثانى”، ورغم معرفتى الجيدة بكرة اليد وبمستوى لاعبى مصر وقدرتهم على الحسم وقت الجد، لم أكن على نفس اليقين الذى ملأ قلب عبد الرحمن والذى قفز من فوق كنبة الأنترية أمام التليفزيون ليحتضنى فرحا بعدما عوض المنتخب تأخره بهدفين لصالح تونس ليتقدم بهدف، وبقدر فرحتى بحماس عبدالرحمن صدمنى تشاؤم ياسين الذى لم تغادر التكشيرة وجهه وهو يسألنى، هو أنت فرحان، جون واحد ميطمنشى،” ممكن يفوزوا تانى”، لكن بعد أن تسيد المنتخب المباراة ورفض التخلى عن تقدمه تحول وجه ياسين من العبوس إلى السعادة لحظة بعد أخرى حتى انتهى الأمر أننى فى الدقائق الأخيرة للمباراة كنت مع كل هدف مطالب بأن أتلقى قفزات الثنائى من الكنبة إلى صدرى وتقبيلى فرحا وكأنى مروان رجب المدير الفنى للمنتخب، وتحول عبد الرحمن من متقمص لمحمد صلاح نجم روما إلى تقليد أحمد الأحمر ساحر كرة اليد المصرى، ونسى ياسين تماما ميسى وتحول إلى عاشق متيم باللاعب الماهر الماكر على زين، متفاعلا جدا مع الحارس المنقذ محمود خليل، فلفل الذى اكتوى التونسيون بناره بعدما أفسد عليهم هجمات كان يمكن أن تغير نتيجة المباراة وتضيع علينا فرحتنا، وما بين على والأحمر وفلفل دارت المنافسة بين عبد الرحمن وياسين، انفعال مع كل هدف يحرزه المنتخب أو ينقذه فلفل ، وتحول الانفعال مع مرور الوقت إلى صراخات سعادة، ومع إطلاق الحكم الروسى صافرة النهاية كان العناق الذى امتد لما يزيد على دقيقة مصحوبا بكلمة الله مصر فازت، مبروك يابابا، وتمسك الثنائى بمقعدهما أمام الشاشة لم يغادراه إلا بعد تسليم الجوائز، لتكتمل فرحة عبدالرحمن وهو يرى أحمد الأحمر يتوج بثلاثة ألقاب، حتى بدا لى وكأن عبد الرحمن من فرط سعادته هو الطفلة التى يحملها الأحمر على كتفه وقت التتويج لكن بقى سؤال بداخلى، ما الذى حول طفلين لم يتجاوزعمرهما تسع سنوات من الرفض الكامل لمباراة إلى هذا القدر من الحماس والعشق. وبعد جهد انتهيت إلى الإجابة، إنها كلمة مصر التى نولد وفى قلوبنا عشقها، إنه الانتصار الذى خلق داخل الطفلين هذا المزاج العالى من التفاعل والحب والاندماج، زئير الجماهير المحتشدة فى مدرجات الصالة المغطاة والذى كان يكفى لتحريك الحجر، إنه العلم الذى ارتفع ليغطى جنبات الملعب ليشعل الحماس فى قلوب الجميع، إنها الفرحة التى كان الشعب المصرى كله أحوج ما يكون إليها سواء جاءت بأقدام منتخب كوبر ومحمد صلاح أو بأيدى منتخب الأحمر وفلفل.


ما حدث مع عبد الرحمن وياسين بالتأكيد تكرر مع عشرات إن لم يكن مئات الأطفال الذين تابعوا نهائى بطولة إفريقيا لكرة اليد، وتحركت بداخلهم كلمة مصر كمعنى نلتف حوله ووطن نذوب فيه عشقا، نسعد لفرحه، ونبكى لحزنه، ويمكن أن يتكرر مع كل إنجاز يمكن أن يتحقق. ليس فقط عسكريا وإنما رياضيا كان أو اقتصاديا أو ثقافيا، فالإنجازات أفضل ما يخلق الانتماء بين المواطنين، كلما زاد رصيد الوطن من الإنجازات وهزيمة المحن والتحديات كلما كان المزاج الوطنى عاليا. والشاهد أن المشاعر التى انتابت نجلىّ فى مباراة مصر وتونس هى نفسها التى تنتابهما كلما شاهدا رجال قواتنا المسلحة فى فيديوهات لتنفيذ عمليات أو حتى فى أغان وطنية،


فعلا كان ما حدث من عبد الرحمن وياسين رسالة واضحة لى قبل أن تكون لغيرى.. إنه الوطن الذى فطرنا على الولاء له، ما من مولود مصرى إلا ويولد على حب مصر وترابها، لكن أحيانا يحتاج هذا الحب لما يحركه ويفجر طاقات من يحمله بين ضلوعه.


وأعتقد أن الـ ٢٠ ألف جنيه التى تفضل وتكرم وزير الشباب والرياضة خالد عبدالعزيز بصرفها لكل لاعب من النجوم الذين أسعدوا ٩٠ مليون مصرى كفيلة بأن تطفئ الفرحة فى قلوبهم وتجعلهم يحتقرون أنفسهم، خاصة إذا قارنوها بالوعد الذى أطلقته الوزارة للاعب كرة القدم بصرف نصف مليون لكل لاعب إذا وصلوا لمونديال روسيا، بينما لاعبو اليد فازوا بالبطولة وصعدوا لكأس العالم والأوليمبياد ورغم ذلك كل نصيبهم عند الوزير ٢٠ ألف جنيه.. يلا بلاش !