ساحر اسمه العطر

28/01/2016 - 10:55:26

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

كنت في شرفتي أتابع حبات المطر التي تتساقط فتغسل واجهات البيوت، وتضيء وريقات الأشجار، وتركض في طريقها عابرة من أمام مصباح يقف على قارعة الطريق، فتصبح خيوط الأمطار كأنها سلاسل ماسية عندما يتسلط عليها نور المصباح، مشهد دائما يشد انتباهي كلما حدث، ويستغرقني وأعشقه، لكنني في هذه الليلة شعرت وكأن أنفي أصبح بوابة دلفت منها لأيام بعيدة، فجأة وجدتني أشرد، وجدت نفسي عندما كنت صغيرة في السابعة من عمري، في مدرستي، مع الصغار ألعب في براءة، وجدتني أركض وقد إنحل شريط أبيض كانت أمي قد عقصت به خصلات شعري قبل أن تعطيني كوب الحليب استعدادا ليوم مدرسي جديد، رأيتني وأنا أقع أرضا فلم أنتبه لفرع شجرة كان في طريق قدمايّ الصغيرتين، أنفي يرتطم بالأرض وأشعر بسائل دافئ، لقد نزف أنفي، ولأول مرة أعرف رائحة الدم، اختلطت هذه الرائحة برائحة الرمل المبلل الذي وقعت فوقه، الصغار يحاولون مساعدتي، لم أشعر وقتها بأي ألم، فعندما يلعب الصغار فلا ألم يعيقهم، وجاءت المسئولة وتم التعامل مع الموقف، وانتهى اليوم لأعود إلى أمي وقد وضعوا ضمادة على أنفي الصغير، ما الذي جعلني أتذكر كل هذا، لماذا أجدني أستدعي ذكريات لم تكن ذات أهمية إلى هذا الحد، وجدتني أركز في رائحة لم تكن مألوفة من قبل في هذا المكان، أظل أحرك أنفي وكأنني خبير روائح، آه، الآن فقط فهمت، مبنى جديد بجانبنا لم يكتمل بعد، لازالت بعض قوالب الطوب الأحمر تقبع هناك تنتظر دورها في إتمام الجدران، يبدو أن الأمطار عندما زارتنا اليوم لم تنس هذه القوالب، ها قد فهمت، رائحة المطر عندما تزور قوالب الطوب الأحمر لها وقع خاص جدا، لها شخصية فريدة، نقلتني هذه الرائحة دون أن أدري إلى يوم أمطرت السماء وكنت في مدرستي، كنا نلعب أنا وأصدقائي بجوار مبنى لم يتم الانتهاء منه بعد، نفس الرائحة، نفس الإحساس بالانتعاش، نفس الشعور، ياإلهي، هل تنقلنا الرائحة بهذا الشكل لأيام عشناها وكدنا أن ننساها؟ أدركت وقتها أنها رائحة الزمان.


***


ذكرياتنا مع الشتاء كثيرة، هناك من يستدعي رائحة العدس تعده الأم وتقدمه مع الخبز المحمص، وتصبح الوجبة أجمل لو تم تقديم قطع البصل مقطعة في سائل الخل الشفاف في طبق بلوري، طبعا لا ينسى الصغار أن يدلفوا إلى المطبخ بحبث شديد ليتمكنوا من اختلاس بعض قطع الخبز المحمص، هناك من يتذكر طبق الشعرية باللبن وكيف يتم إعداده وتقديمه ساخنا في صحون تلمع وتبرق فوق صوانٍ فضية، آخرون سيتذكرون فورا فتة اللحم، وكيف أن رائحة التقلية بالثوم كانت تأخذهم من تلابيبهم وتجرهم حيث يجدون أطباق الفتة تعمر مائدة تجمعت حولها الأسرة في يوم شتائي بارد، هناك من يتذكرون أبو فروة، وكيف كان الأب يعد لها ويظل يشويها وهو يروي للصغار الكثير من ذكريات طفولته في أمسية شتوية عامرة بالمحبة، قد لا تتذكر كل هذا لكنك مجرد أن تشم رائحة حبات البطاطا المشوية تأتيك من فوق عربة يتوهج الفرن بداخلها ستجد نفسك تذهب لأيام بعيدة كنت فيها تسير مع أحد والديك أو أحد رفاقك وتأخذك الذكريات في شريط طويل قد لا يمكنك إيقافه، وقد لا يسعدك إيقافه، حمص الشام ورائحة الكمون التي تنبعث منه، رائحة الرغيف وهو خارج لتوه من فرن يتلظى ، يبتسم إليك، روائح كثيرة، لكل منا ذكرياته مع برد الشتاء، وكل منا تحمل ذاكرته رائحة مميزة للبرد عاشها في طفولته.


ويبقي الفقير المسكين، يخاف الشتاء، ينظر للسحب بوجل، يعرف ما سينتظره، القسوة والبرد والألم، لا ذكريات له عن الشتاء إلا الألم والإحساس بأنه يعاني ولا أحد يشعر به، إنها رائحة الشتاء عندك وعنده.


***


للفصول روائح، فكما للشتاء روائحه، للصيف أيضا سجل للذكريات تكتبه الرائحة، فمن تعود أن يذهب دائما للنادي فرائحة الكلور تذكره بأيام طفولته حيث تعوّد أن يعب الكثير من مياه بركة السباحة، من تعود الذهاب للمصيف، دائما يحن لرائحة البحر التي تأخذه في رحلة لذكريات الطفولة، من تعود الشقاء والكفاح، لا ينسى أبدا رائحة العرق والألم.


***


كما للزمان رائحة وللفصول رائحة فللمكان أيضا بصمته، بصمة في الذاكرة لا تمحوها الأيام، أتذكر صديقة لي كانت تصر دائما أن تحتفظ بزجاجة فينيك، حاولت أن أقنعها أن المنظفات الحديثة أفضل، لكنها قالت لي ذات يوم، أحتفظ بهذه الزجاجة، أضع منها بين الحين والآخر على أرضية المطبخ لأشم رائحة البيت الكبير، بيت جدي حيث كنا نجتمع دائما.


 


***


روائح عجيبة قد تندهش عندما تجد من يحبونها، زميلة لي كانت تعشق رائحةم زيل طلاء الأظافر، رغم خطورته على الجهاز التنفسي، بعد فترة تعارف بيننا عرفت أنها تحب رائحة تذكرها بأمها التي توفت عنها وهي صغيرة، وكانت أمها مغرمة بوضع طلاء الأظافر وإزالته ، صديق كان عندما يذهب إلى محطة الوقود يحب أن يفتح زجاج النافذة ليشم رائحة الوقود، لم يكن يعرف لماذا يفعل ذلك.. لكنني عندما سألته، هل كان يذهب مع والده وهو صغير عندما يزود سيارته بالوقود؟ انتبه وكأنه اكتشف أمرا جديدا عليه، قال : أتصدقين فعلا كلما ذهبت لأزود سيارتي بالوقود تذكرت والدي؟


***


إنها الرائحة، سواء كانت منعشة أو غريبة، جميلة أو بشعة، هي لغز خاص جدا، لغز يعبث بدواخلنا دون أن ندري، هي مفتاح السر لأشياء كثيرة في شخصياتنا، هي شفرة مشاعرنا، للرائحة سرها الخاص، لها سطوتها، كثيرا ما نشم رائحة معينة فتنقلب أحوالنا، نستشيط غضبا دون سبب واضح، نتذمر دون مبرر، وقد نشعر بانقباض وتتسارع نبضاتنا ودقات قلوبنا، هذه الرائحة استدعت موقفا كنا قد همشناه ودفناه بداخلنا ولا نريد تذكره، ونظل في نسياننا له لكن بمجرد تعرضنا لرائحة ارتبطت بهذا الموقف، نعيش معاناتنا دون أن نفهم لها سببا، كثيرا ما نشم رائحة فنشعر بالبهجة، بالسرور، بالأمل دون سبب واضح، رائحة أخرى تشعرنا بالشجن، بشيء نريد أن نصل إليه ولا نستطيع، رائحة تشعل فينا النشاط، وأخرى تسلمنا للاسترخاء .


إنه سحر العطر، وسر الرائحة، فابحث في خريطتك الداخلية لتفهم نفسك أكثر.