الأسباب العشرون لفشل ثورة ٢٥ يناير

27/01/2016 - 12:31:07

بقلم - د. ناجح إبراهيم

أولاً : في مثل هذه الأيام منذ خمس سنوات تفجرت ثورة ٢٥ يناير نتيجة للظلم الاجتماعي الرهيب الذي وقع على أغلبية الشعب المصري وغياب مؤسسات الدولة عن خدمة الناس وترهلها الشديد وانتشار توريث الوظائف أو الحصول عليها بالرشوة .. فكانت هناك أسعار لوظائف البترول والكهرباء والبنوك حتى عامل الأوقاف كان له سعر.. فضلا ً عن السرقات الكبرى التي تزعمها حيتان كبار سرقوا المليارات دون وازع أو ضمير .. فضلا ً عن تزوير الانتخابات وضياع الحريات وغياب العدل السياسي أو تداول السلطة .. آفات خطيرة كان يعج بها المجتمع المصري الذي كان أشبه بمن يعيش على فوهة بركان.. وكان مبارك قد بلغ من الكبر عتيا، وأسلم مقاليد الحكم كلها لمجموعة لا ترى إلا نفسها على رأسها ابنه وأحمد عز ومن حولهما.


وكان تفجر الثورة وقتها شيئا ً طبيعيا ًوتلقائيا ً وقدريا ً بعد سنوات طويلة من الركود والجمود والتيبس في كل شيء.. فلم يتصور أحد في بداية الثورة نجاحها أو تحقيقها لأكبر أهدافها وهو خلع أقوى نظام حكم مصر ثلاثين عاما ً.


ثانياً : كان الإخلاص في بداية الثورة كبيرا ً والتجرد عظيما ً.. وكان الحب بين أطياف الشعب المصري لا حدود له.. والميدان يسع الإخواني والسلفي والمسيحي والاشتراكي والليبرالي.. واليوم وبعد هذه السنوات أصبح كل واحد من هؤلاء لا يطيق الآخر.. وأنا أتحدى اليوم أن يمكث الإخواني مع السلفي يوما ً واحدا ً في أي ميدان دون أن يخون أو يبدع أو يدمر أحدهما الآخر.. أو أن يمكث الإخواني مع المسيحي.. أو الإخواني مع الليبرالي أو الاشتراكي في ميدان واحد ساعة من نهار.


ثالثاً : بدأت ثورة يناير بدون قيادة واستمرت كذلك حتى أصبح القياد بعد ذلك للتيارات الإسلامية ولكن دون قائد محدد لا في البداية ولا في النهاية .. لقد كان غياب القيادة أثناء الثورة وقبل رحيل مبارك ميزة كبيرة لها؛ حتى لا تعتقل أو تقتل أو تساوم أو يضغط عليها.. ولكن بعد نجاح الثورة ورحيل مبارك كان غياب القيادة سلبية خطيرة أدت إلي وقوع الثوار في أخطاء قاتلة .. كما أدت إلي غياب فلسفة تصحيح المسار أو مراجعته .. واستثمار نجاحات الثورة على الأرض .. مما أدى إلي تعاظم الآثار الجانبية للثورة وفشلها علي مستويات عدة .


رابعاً : كان الجيش والإخوان والثوار والمشاركون في الثورة يدا ً واحدة.. وكان البعض يصعد علي أسطح الدبابات والمدرعات مع أطفاله الصغار ويلتقط الصور التذكارية.


ولكن بعد الثورة بقليل تغيرت القلوب والنفوس ودبت الكراهية في القلوب وتغلغلت في النفوس.... واليوم أصبح كل طرف يخشى الآخر ويخاف بأسه ولا يأمن شره.


آه علي أيام خلت من الحب والود والسكينة والألفة.. آه من أيام كانت المسيحية تصب الماء في الميدان علي المسلم يتوضأ.. وكان الجنود يحرسون الشباب الثائر وهو يصلي في الميدان .


واليوم يحرص كل فريق أن يدحر الآخر وأن يهزمه وأن يلقيه صريعا ً ناسيا ً أخوته في الوطن أو في الدين أو في كليهما.


خامساً : بدأت الثورة المصرية بداية جيدة، ولكن بمرور الأيام بدأت الأعراض الجانبية للثورة تظهر للعيان مما أفقدها رصيدا ً كبيرا ً من ثقة عوام المصريين فيها .. فالثورة كالأدوية لها فوائد عظيمة وكثيرة وحاسمة في علاج أمراض كثيرة من أمراض المجتمع .. وكذلك لها أعراض جانبية كثيرة.


والغريب أن الثورة المصرية كلما مر بها الوقت ظهرت أعراضها الجانبية لعوام المصريين فضلا ً عن خواصهم .


ومن أهم الأعراض الجانبية التي بدأت سريعاً تحول الثورة المصرية من السلمية إلي المولوتوفية .. مما أدى إلي حرائق كثيرة كنا جميعا ً في غنى عنها .. فقد تم حرق عدد كبير من أقسام الشرطة ثم حرق المجمع العلمي ثم بدأت الحرائق تتوالي.


سادساً : لم تعرف الثورة في بدايتها حصار المؤسسات السيادية حتي أن الثورة نجحت دون أن تحاصر أي مؤسسة سيادية ثم بدأ الحصار لوزارة الداخلية ومحاولة اقتحامها مما أدي لخسائر فادحة بين الطرفين ، ولا أدري ما هي علة اقتحام الداخلية الذي لو نجح كان سيؤدي إلي مجزرة في الفريقين ثم بعد ذلك عمد البعض ولأول مرة في تاريخ مصر لحصار وزارة الدفاع التي لم يحاصرها الشعب المصري حتى بعد هزيمة ٥ يونيه ١٩٦٧ .


والغريب أن هذا الحصار تم بعد نجاح الثورة وإقالة مبارك، ولا يعرف حتى الآن أحد سر هذا الحصار والدافع إليه .. وقد صبر الجيش كثيراً علي المحاصرين وحاول تهدئتهم مراراً دون جدوى حتى اضطر للفض بالقوة بعد مقتل أحد ضباط الصف في الوزارة برصاص قناص من بين المتظاهرين .


سابعاً : “الثورات يصنعها الأبرار ويضحي من أجلها المخلصون ويركبها المتسلقون ويقطف ثمرتها الانتهازيون”.. هذه الحكمة تعلمتها من المرحوم أحمد رائف الذي كتبها في مقدمة أحد كتبه وقالها لي شفاهة ولم أكن أتخيل أنني سأعيشها بنفسي.. فقد مات الرجل قبل الثورة وعاشت حكمته.


ثامناً : كل الثورات تولد صغيرة ثم تكبر ويتزايد خيرها.. وتنضج طبختها إلا ثورة يناير التي ولدت عملاقة قوية نظيفة.. ثم بدأت تصغر وتتلوث شيئا ً فشيئا ً.. حتى عافها أكثر الشعب المصري ورأى العوام والبسطاء أنهم أضيروا بسببها.. ولم تحقق لهم أحلامهم.. بل زادتهم رهقا .


تاسعاً : لقد فشل الثوار في تحويل الثورة إلي دولة.. وذلك لغياب القائد من جهة.. والمراهقة الفكرية للجميع من جهة أخرى.. وكذلك غياب التوجه الاستراتيجي السابق واللاحق للثورة من جهة أخرى .


الأسباب العشرون لفشل ثورة ٢٥ يناير


لقد انتكست ثورة ٢٥ يناير انتكاسة خطيرة بعد نجاحها الباهر في الأيام الأولي .. وفشلت فشلا ً ذريعاً في تحقيق أهدافها المعلنة “عيش- حرية– كرامة إنسانية”.. وهناك أسباب كثيرة لهذا الفشل منها علي سبيل المثال لا الحصر الآتي :


١- نشر ثقافة الانتقام والتشفي بعد نجاح الثورة مباشرة وغياب معاني العفو والصفح .. مع أن آيات القرآن التي تحث تعلي العفو والصفح زادت على ١٩ آية ، فضلاً عن مئات الأحاديث والآثار .


٢- رغبة الجميع في الاستحواذ علي كل شيء وعدم قابلية أي طرف سياسي أو قوي مؤسسية أن يترك شيئا ً للآخر.


٣- إذكاء ثقافة الكراهية للآخر وتعطيل معاني الحب والود بعد بداية الثورة بقليل .


٤- إنزال الصراعات السياسية من عالم النخبة السياسية العاقلة والحكيمة، والتي تقبل الحلول الوسط إلي الجماهير العريضة والمليونيات المتعاكسة والمتضادة، والتي يغلب على خطبائها دغدغة العواطف وتهييج النفوس وحشدها للصراع والتقاتل.. فلم يعد للحكماء موطن ولا مكان حتى ضاعت مصر كلها بفعل هذا الخطاب وهؤلاء الخطباء.


٥- الرغبة في إلغاء كل الماضي وكأن تاريخ مصر بدأ منذ ثورة ٢٥ يناير.. وكأنه لم يحدث أي خير في مصر قبل ذلك وكأنه لم يولد في مصر وطني مخلص قبل ٢٥ يناير.


٦- ظن الجميع أنه يستطيع حكم مصر دون أي مؤهلات تؤهله لذلك .. وهذا كان واضحا ً في نوعيات المرشحين لأول انتخابات رئاسية.


٧- رغبة الجميع في أن يبتلع كعكة الحكم في مصر وحده دون الآخرين، فأصيب هؤلاء بانسداد معوي حاد أدى إلي وفاتهم وضياع كل شيء.


٨- احتكام القوى السياسية بعد الثورة إلي الخارج أكثر من احتكامهم إلي مواطنيهم واستلهام قرارهم السياسي من موافقتهم.


٩- من أكثر السلبيات التي حدثت بعد الثورة دخول المال السياسي الحرام في اللعبة السياسية المصرية لأول مرة منذ ثورة ٢٣يوليه وبطريقة فجة وفاجرة .. والأدهى من ذلك عدم إنفاق هذه الأموال في أي شيء، يصب في مصلحة المواطن الغلبان غير المسيس أو المؤدلج أو المنتمي لهذا أو ذاك .


١٠- أكثر ما أضر ثورة ٢٥ يناير هو استباحة المجال السياسي المصري لكل من هب ودب من الدول صغيرها وكبيرها.. حتى الدول التي لم تكن تجرؤ أن تتدخل في الشأن المصري في أضعف حالات مصر مثل حالتها بعد ٥ يونيه ١٩٦٧ تدخلت في الشأن المصري كله، وأصبح لها وكلاء حصريون في مصر وأصبحت كل قوة سياسية مصرية لها ظهير إقليمي ودولي دون مواربة أو خجل .


١١- استعجال الثمرة.. “فمن استعجل شيئا ً قبل أوانه عوقب بحرمانه”.. فالجميع كان يريد قطف ثمرة الحكم في مصر بسرعة البرق دون تريث أو تمهل أو حتى إعداد جيد.


١٢- تحول الثورة المصرية من السلمية إلي المولوتوفية والحرق.. وسن سنة الحرق دون نكير شرعي أو قانوني.. وذلك بحرق الأقسام ومقار الحزب الوطني.. وبعد مرور هذه السنوات الأربع احترق في مصر ما لم يحرق في كل تاريخها “مساجد وكنائس ومقار الإخوان وأقسام الشرطة ونيابات ومحاكم ومحافظات وآلاف السيارات”.


١٣- بداية ثقافة التخوين بعد الثورة بقليل .. وذلك من أجل أي رأي أو موقف سياسي يتخذه صاحبه.. ونشر ثقافة تحطيم الآخر بالحق أو الباطل.. بالصدق أو الكذب مع تعميم الأحكام والعقاب أيضا ً.. مع أن القرآن قال عن خصومه “ليسوا سواء ً”.


١٤- فشل الثوار في تحويل الثورة إلي دولة.. ورغبة البعض في هدم المؤسسات دون أن تكون له رؤية لبنائها وإصلاحها.


١٥- فشل بعض الثوار أخلاقيا ً في التمسك بالقيم النبيلة ودخولهم في مهاترات كلامية وتربح البعض منهم دون عمل.


١٦- اعتقاد بعض الثوار أنه ينبغي على المجتمع المصري أن يفوض الثوار في حكم مصر تفويضا ً كاملا ً لأن الثائر أولى الناس بالحكم.


١٧- وقعت مصر بعد الثورة بين سندان الثوار ومطرقة المجلس العسكري ثم بين سندان الإخوان ومطرقة القوى السياسية.. ثم بين سندان الإخوان ومطرقة مؤسسات الدولة القديمة.. وكان كل فريق يرى أنه الأجدر والأفضل بالقيادة.. ويريد أن يسوق مصر كلها إلي فصيله دون الآخرين.


١٨- فشل كل المراحل الانتقالية من بداية الثورة وحتى الآن.


١٩- قيادة د. مرسي للدولة بعقلية وفكر الجماعة وعدم تفريقه بين فقه الدعوة وفقه الدولة.. ورهن قراره كاملا ً لمكتب الإرشاد.


٢٠- عدم الانتباه لنمو الجماعات التكفيرية وتسلحها في سيناء وانشغال الجميع بالصراع السياسي عن الأخطار المستقبلية.