.. و ٢٠ سبباً لكى تحب ٢٥ يناير!

27/01/2016 - 12:29:15

بقلم - أحمد النجمى

كنت متردداً فى الكتابة عن ثورة ٢٥ يناير المجيدة، لا تحلو لى الكتابة عن الأحباب حين يرحلون، فنادراً ما أكتب عن أبى رحمه الله .. “كمال النجمي” الذى كان صديقاً عزيزاً لا أباً حبيباً فقط، ولا عن شقيقتى “مها” التى اختطفها الموت فى العام الماضى وهى بعد شابة،حينئذ –فقط- يعجز القلم عن التعبير.. غير أن مقال د. ناجح إبراهيم المنشور على الصفحتين السابقتين استفزنى للكتابة، لأكثر من سبب.. أولها اهتمامى بكل ما يكتب وتقديرى له وتعليمه وأفكاره وعلمه، وثانى الأسباب أننى وجدته قد ظلم ثورة ٢٥ يناير، فلم يتذكر إيجابياتها.. وثالث الأسباب أنه كتب المقال كله دون مشاركة فى الثورة.. فى حدود معلوماتي..!


ولا أفخر بمشاركة فى ثورة ٢٥يناير المجيدة، إذ صار المشاركون فيها الباكون على ذكرياتها.. من “المنبوذين”، ولا أبالغ لو قلت إن المجاهرة بالانتماء إلى ثورة ٢٥ يناير المجيدة قد يكلفك حريتك.. فتجد نفسك مرصوداً من بعض الإعلاميين مقدمى البرامج، الذين يفتحون “المشتمة” كل ليلة ضد ثورة يناير ومن شاركوا فيها، ويجرون عملية “غسيل مخ” للبسطاء، وقد يتعدى الأمر ذلك إلى الحبس بتهم يعلم الله أننى منها براء..!


قبل أن أكتب.. اخترت أن يكون العنوان ( ٢٠ سبباً لكى تحب ٢٥ يناير) ليأتى الرد على مقال شيخنا د. ناجح إبراهيم معارضاً - بالملليمتر - لم أكتبه .. والعتاب لا ينتقص المحبة، والمعارضة لا تعنى العداء.. إلا إذا كان من نعارضه على غرار مقدمى البرامج إياها، ونعوذ بالله أن يكون د. ناجح إبراهيم من هؤلاء، ونحسبه من الأفاضل العقلاء..!


قبل أن أكتب - أقولها مرة ثانية! - أقف على أعتاب بيت جميل قديم، سرعان ما انهدمت دعائمه.. مستعيراً أسلوب شعراء العرب الأقدمين فى “الوقوف على الأطلال” فى مفتتح قصائدهم الغراء، كانوا يفعلون ذلك أياً يكن النوع الذى تنتمى إليه القصيدة، حتى إذا كان هذا النوع بعيداً عن الأطلال.. أشعر الآن بما كانوا يشعرون به.. سأكتب عن ٢٠ سبباً فى حب “المرحومة” ٢٥ يناير.. فهى - كفعل ثوري، وكحلم قبل أن تكون فعلاً - قد ماتت .. لا أمل فى عودتها إلى الحياة، ومن يحاولون إحياء ذكراها غداً الإثنين (أكتب هذه السطور مساء الأحد..) هم للأسف حفنة من الإرهابيين وحلفائهم.. وأيضاً شباب جرى تضليله والزج به فى معركة ضد “الدولة المصرية” ذاتها، هذا أبلغ دليل على أن (المرحومة النبيلة) قد شيعت مثواها الأخير، فمن يحيون ذكراها ليسوا من أهلها، هل هناك دليل على الرحيل أبلغ من ذلك؟ لله در ١٨ يوماً فى تاريخ مصر المعاصر بدأت فى ٢٥ يناير ٢٠١١ وانتهت فى ١١ فبراير من العام ذاته، لا يمكن وصفها بكلمات موجزة.. كانت أياماً تثبت أن مصر حية، روحاً وجسداً، وأن الحرية ممكنة، والحلم بالعدل الاجتماعى متاح لايزال، والتطلع إلى الكرامة الإنسانية معقول، لا أريد تكرار الشعار الخالد.. تكراره فى رأيى كالرثاء للأموات، يذكرك بهم ولا حياة لمن تنادي، فلن تجنى إلا المزيد من الحزن.. وتجديد الآلام!


وإننى أملك - على الأقل يا دكتور ناجح - ٢٠ سبباً لكى أحب ثورة ٢٥ يناير المجيدة، وأترحم على أيامها جليلة الأوصاف.. أقول (أحب)، فأنت تملك أن تحب الأحياء والأموات على السواء، ليس على القلوب المحبة من سلطان، ولا على الحب من مساءلة!


أما السبب الأول لحبى العميق لثورة ٢٥ يناير.. فهو سبب ذاتي، كونها وقعت فى يناير.. هذا الشهر الشتوى البارد، أعشق الشتاء.. أشعر دائماً بأنه فصل التطهر، يطهر الله تعالى أرض مصر بأمطار تغذى الأرض والنهر وتغسل الأتربة، والأسفلت ويختفى العرق من الأجساد، وتنعقد مجالس الأحبة طلبا للدفء.. فيدور النقاش وتتولد الأفكار وتنبعث الضحكات، الشتاء فصل الحب.. فيه أحببت.. وفيه صدمت برحيل أعز الأحباب - أبى وشقيقتي، وقبلهما جدى وجدتي!- وبرغم ذلك، ظللت أعاتبه دون أن أكرهه، الشتاء يلهمك الحلم والفكرة ويدفعك للإبداع، ويوحى إليك بأفكار إنسانية، على عكس الصيف.. تمامًا!


وأما السبب الثانى فهو أن الثورة تحمل رقم ٢٥.. وهو من الأرقام التى أتفاءل بها لا أعرف السبب لتفاؤلى بأرقام: ٢ و٨و٢٥ و١٠٠، الرقم الوحيد الذى أحبه وأعرف سبب حبى له هو ٧٤، هذا أننى ولدت فى العام ١٩٧٤.. إنه سبب ذاتى أيضا!


وأدلف إلى الأسباب العامة قبل أن أستفز القارئ أكثر من هذا.. فأما السبب الثالث يا دكتور ناجح لمحبتى لثورة ٢٥ يناير.. فهو أنها أسقطت (الطاغوت) الذى حكم مصر ٣٠ عاماً دون سبب.. نعم، حكم (مبارك) مصر دون سبب منطقى واحد، سوى أن سلفه (السادات) رأى فيه أشياء ليست موجودة، كان هذا أحد أخطاء السادات - وما كان أكثر أخطاءه، ولكن هذا ليس مكانها!.. المهم أن مبارك طغى وتجبر.. وأقام دولة بوليسية شنيعة، ولم يكتف بأن يعصف بالحريات أو أن يجثم على أنفاس المصريين ٣٠ عامًا متصلا، بل قام بـ(تقنين الفساد) صار الفساد هو المنطق العام، وصارت مقاومة الفساد هى الاستثناء، فضلا عن (عبادة الفرد).. ونماذجها فى عصر المخلوع مبارك أكثر من أن تحصي.. كان مبارك رمزًا للطغيان والفساد والاستبداد، وصار رجال الأعمال فى عهده (أصناماً مقدسة) لا تقرب منهم أحد.. يشكلون حلقة حول الرئيس، ينهبون الوطن نهبًا منظما تحت علمه، وأحيانًا بمشاركته، وأحيانًا بإشرافه!


السبب الرابع فى حبى لـ٢٥ يناير.. أنها بددت - للأبد - مشروع التوريث.. حيث كان (جمال) ابن المخلوع هو الوريث الذى تتم تهيئته لوراثة الحكم، وكأن مصر مملكة، وكأن حسنى مبارك هو الملك وجمال ولى العهد، وفضلا عن أن هذا التفكير ليس دستوريًا ولا شرعيًا، فإنه ينطوى على احتكار واضح للشعب، ودهس عمدى لإرادته، التى ظن مبارك - الأب، والابن على السواء - أنها لم تعد موجودة وأن المصريين سيصمتون على حكم (جمال) وذراعه اليمنى (أحمد عز)..!


خامس الأسباب - يا دكتور ناجح - أن ثورة ٢٥ يناير غيرت رأى العالم فى الشعب المصري، الذى كان يوصف دائمًا بأنه (ريب الحضارة الركودية) - كما تعلم - ولا يتحرك.. وينتظر الدورة الزراعية والفيضان بصبر أيوب، ويعبر على الحاكم المستبد نفس هذا الصبر، نسفت (يناير) هذا الاعتقاد، ورفع أكبر المفكرين حول العالم القبعة تحية للشعب العظيم وثورته العظيمة!


السبب السادس.. أنها أوجدت شعار (الجيش والشعب إيد واحدة) إنه الشعار الذى أنقذ مصر من مصير دول مجاورة اندلعت فيها الثورات فى نفس تلك السنة (٢٠١١)، ولا أقول (دول الربيع العربي) فهذا الاصطلاح تقف وراءه أجهزة الاستخبارات الغربية، لكننى أسميها (دول الثورة العربية) شعار الجيش والشعب إيد واحدة هو الذى أنقذ مصر من الفوضى بعد ثورة يناير وحررها من الجماعة الإرهابية فى ثورة ٣٠ يونيو ولا يزال صامدًا فى مواجهة أعداء مصر فى الداخل والخارج.. إلى الآن.


السبب السابع.. أن ٢٥ يناير هدمت (ثنائية مبارك والإخوان).. ففي سنوات مبارك الثلاثين - التى هدمت مصر هدماً - كان هناك اتفاق غير مكتوب بين النظام والمحظورة.. النظام له الحكم والدولة، والجماعة لها الشارع.. كشفت ٢٥ يناير الإخوان بوصولهم الحكم فى ٢٠١٢ فأسقطها الشعب فى الحلقة الثانية من ثورة يناير، وهى ثورة ٣٠/٦ وبذلك تخلص من مبارك والإخوان على السواء.


السبب الثامن أن ثورة ٢٥ يناير المجيدة هى التى دفعت الشعب إلى المشاركة السياسية، فى صناديق الاقتراع التى قاطعها لسنوات طويلة.. ضمنت الثورة تحرير إرادة الشعب، من هنا أقبل المصريون على جميع الاستفتاءات والانتخابات التى جرت وتجرى حتى الآن.. أى أنها حولت الشعب إلى عنصر مشارك بعد أن كان عنصرًا غائبًا.


السبب التاسع أن الثورة غيرت أداء الشرطة، وأصلحت ذات البين، بين الشرطة وعموم المصريين.. فإذا العداوة التى وصلت إلى ذروتها بين الطرفين فى عهد حبيب العادلى وزير داخلية المعزول، تنصلح أحوالها.. وتبدو - على ما فيها من عيوب حتى الآن! - أفضل ألف مرة مما كانت عليه!


عاشر الأسباب.. أن ثورة يناير حررت أقلامنا فى الكتابة، وحناجرنا فى الكلام، حررت إرادتنا فى مواجهة الظلم، أياً يكن نوع هذا الظلم، عرف المصريون أنهم إذا اتحدوا وقالوا للظلم (ارحل) فإنه سيرحل.. فعلوها مع مبارك ثم مع مرسي، وكتبنا بعد نجاح ثورة ٢٥ يناير ماكنا محرومين من كتابته فى عصر المخلوع.. وهذه مسألة لا يدرك أهميتها سوى الكاتب!


أما السبب الحادى عشر - يا دكتور ناجح - فهو أن يناير هى التى جددت الدعوة إلى قيام


العدل الاجتماعى، ذلك الذى ظن رجال أعمال مبارك أنه اختفى، وأنهم امتلكوا البلد بما فيه ومن فيه .. صحيح أن العدل الاجتماعى هو «الفريضة الغائبة.. تماما» إلى الآن ، لكن المناداة به صارت مطلباً ثابتاً من الشعب وبنداً ثابتاً فى أجندة الدولة، مهما طال الأمر نحو تحقيقه .. ويبدو أنه سيطول كثيرا !


السبب الثانى عشر .. أن الثورة جددت الدعوة إلى الحريات.. صارت الحريات السياسية والعقائدية والفكرية متاحة، وإذا تم الانتقاص منها.. تجد أصواتاً كثيرة تتصدى لهذا الانتقاص حتى تهزمه وترد الحريات لطلابها .


وأما السبب الثالث عشر يا دكتور ناجح فهو أن ثورة ٢٥ يناير جددت الدعوة إلى حياة كريمة، يجد فهيا المصرى لقمة العيش دون أن تهدر آدمية.. صحيح أن هذا المطلب لم يتحقق، لكنه - كالعدل الاجتماعى - صار من أبرز أولويات الدولة، وأبرز دليل على هذا هو سقوط (دولة رجال الأعمال) التى كانت قائمة فى عصر مبارك.. وبعضهم الآن يتباكى على الحريات نكاية فى حكم الرئيس السيسى ، بينما هؤلاء المتباكون يودون لو عاد المخلوع مبارك للحكم ولو أسبوعاً واحدا ينهبون فيه المزيد من المليارات !


السبب الرابع عشر .. أن ثورة يناير جددت الدعوة - أكتب المصطلح لرابع مرة - لكرامة الإنسان .. كرامته بمفهومها الشامل، وليس فقط بمفهوم (حقوق الإنسان) أن يكون المصرى صاحب حق فى حياة كريمة اجتماعياً واقتصادياً وصاحب حق فى أن يعامل كإنسان وليس كشىء آخر كما أراده مبارك أو كما أراده الإخوان الإرهابيون من بعد مبارك.


وأما السبب الخامس عشر .. فهو أن يناير أعادت للمجتمع قدرته على التضامن والالتحام، فحين سقطت الشرطة - تماما - بفعل مؤامرة الإخوان فى جمعة الغضب (٢٨ يناير) تلك المؤامرة التى أثبتت لأيام أن «المحظورة» دبرتها ونفذتها ومولتها واستغلتها، تضامن المصريون وشكلوا لجاناً شعبية حمت البلاد والعباد والأعراض والممتلكات، تلك اللجان ردت الشخصية المصرية إلى أصلها النبيل.. النخوة والجدعنة والرجولة والشجاعة، وانعقدت فيها صداقات وطيدة لاتزال قائمة إلى اليوم، صداقات أوجدها العيش المشترك فى مواجهة الخطر ..!


السبب السادس عشر أنه لولا ثورة يناير لما قامت ثورة يونيو .. فلولا إزاحة ثورة يناير لمبارك، لظل (الإخوان) يلعبون على الشعب الطيب.. دور الجماعة المتوضئة المصلية الطاهرة الغيورة على الدين والوطن، وبالتالى كشف (يناير) الجناح الثانى لحكم مبارك، جناح الإخوان.. الذى ثار ضده المصريين فى ٣٠ يونيو.. فلولا يناير لما كانت يونيو .


وأما السبب السابع عشر فهو أن ٢٥ يناير دلت الشباب على دوره الغائب الذى يمكن أن يلعبه، بعد أن كان مبارك حريصاً على إبعاد الشباب عن السلطة والسياسة، مكتفياً منهم - فقط - بابنه (جمال) ، فإذا بعد يستفزهم دون أن يدرى لينطلقوا محررين وطنهم من مشروع التوريث !


السبب الثامن عشر .. أن الثورة أوجدت أملاً دائماً فى الغد.. فلا أحد يمكنه الزعم بأنه مخلد فى الحكم، ولا فى أجهزة الدولة.. هناك حراك دائم ، يخطئ - بشدة - من يظن نفسه أنه قادر على إيقافه.. الأمل فى غد أفضل موجود وإن ازدادت حلكة الظلام!


السبب التاسع عشر .. أن الثورة العظيمة أوجدت روحاً فنية وثقافية جديدة، ألهمت الشباب - تحديداً - ألواناً جديدة من الرواية والقصة والسينما والمسلسلات والفن التشكيلى والأغنية، وتحررت هذه الأعمال من قبضة الرقيب كثيرا.. هذه الروح الفنية تنمو رويدا رويدا، وأرى أنها سيكون لها الغلبة فى السنين القادمة!


آخر الأسباب - العشرون - أن ٢٥ يناير أثبتت قدرة الشعب المصرى على الثورة دون هدم الدولة.. ولنا فى أشقائنا العرب الذين اندلعت فى بلادهم ثورات متزامنة خير دليل .. وحدهم المصريون هم من حافظوا على دولتهم دون أن يمسوها بسوء .. نعم تكررت المظاهرات بعد إطاحة مبارك، وبعضها اندس فيه إرهابيون، لكنها لم تهدم الدولة، أثبت المصريون حرصهم على دولتهم، سواء أبناء القوات المسلحة أو أبناء الشعب من المدنيين .


وبعد يادكتور ناجح .. فإننى - ولا أعتقد أننى وحدى فى هذا - لاأزال من محبى ثورة ٢٥ يناير، وسأظل، وأملك من الأسباب ما يكملها مائة، فلتعد - وليعد - كل كارهى يناير النظر فى كراهيتهم لها .. فهى ثورة ضحى فيها المصريون بدمائهم، وفقد مئات الشهداء فيها أرواحهم ، بصدق ونبل وتجرد، ما كانوا يبغون عن وجه الوطن حِولاً .