لماذا يكرهون ٢٥ يناير ؟

27/01/2016 - 12:25:30

بقلم - جمال أسعد

احتفل المصريون أمس الأول الاثنين بـ ٢٥ يناير ولكن كلاً على طريقته الخاصة فهناك من لايزال يعتبر ٢٥ يناير هو لايمثل سوى عيداً للشرطة المصرية حيث قد تصدت قوات قليلة من الشرطة عام ١٩٥٢ للقوات الإنجليزية الاستعمارية فى ذلك الوقت فى الإسماعيلية ببسالة منقطعة النظير حيث اعتبر يوم ٢٥ يناير بعد ذلك عيدا للشرطة المصرية، وهناك من يعتبر أن يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ هو «٢٥ خساير» حيث أنه كان البداية والسبب فى حدوث حالة فوضى قد اجتاحت البلاد والعباد لازالت آثارها تضرب بأطنابها فى كل جنبات الحياة فقد اهتز الأمن وضاع الأمان واختل الاقتصاد وتفاقمت المشكلة الاقتصادية إلى أقصى حدودها فتضاعفت الديون الداخلية وتضخمت الديون الخارجية واختل الميزان التجارى وزاد عجز الموازنة العامة وتصاعدت نسبة التضخم وعلت نسبة البطالة وزادت الأسعار وتدهورت قيمة الجنيه وتناقصت أموال الاحتياطى الأجنبى للنقد وجرفت الأراضى الزراعية وتحولت إلى كتل أسمنتية وتدهورت القيم واهتزت الأخلاق وأصبحت المصلحة الشخصية والذاتية هى القياس لكل عمل وعلى حساب المصلحة العامة والجماعية والأهم قد أصبح المشهد العام هو المتاجرة بأى شىء وبكل شىء الدين والوطنية فى الوقت الذى لا نجد فيها أدنى علاقة بين مظاهر تلك المتاجرة وبين الدين أو الوطنية .


أما على الجانب الآخر نجد من يعتبر أن يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ هو ذلك اليوم الذى خرج فيه الشعب المصرى ليعبر عن إرادته الحرة فى هبة جماهيرية غير مسبوقة رافضا استبداد نظام طال وشاخ ونقد شرعيته الجماهيرية فاعتمد على تزاوج السلطة مع الثروة على حساب الشعب حتى يضمن توريث الوريث ليكون نظاما ملجمهوري يضمن مصالح مريديه وتابعيه. يوم مشهود حيث خرج الشعب بكل فئاته وجل طبقاته وبكامل حريته دون فرز أو إقصاء رافضا للظلم الذى فرق بين الفقير والغنى والقوى والضعيف. ذلك الظلم الذى ظل يعمل القانون فى مواجهة من لم يملك ظهيرا سياسيا أو سندا ماليا أو عونا جهويا أو اجتماعيا ويوفق القانون ويتسقطه ويسحقه إذا كان ضد من يملك الجاه والسلطة والسلطان أو ابن أنت موش عارف أنه ابن مين فى مصر انتفض الشعب ضد نظام يدعى أنه قد حقق معدلات تنمية غير مسبوقة ولكن لم تكن نتيجتها وثمارها لهذا الشعب الفقير المسحوق ولكن كانت لشلة السماسرة والمرتزقة والمنافقين للنظام ثار المصريون ضد نظام أكلته الشيخوخة وتكلس تحت مسمى الاستقرار .


وأصبح هيكلا عظميا حيث سوس الفساد قد نخر فى عظامه حتى المنتهى فلم يقو على الوقوف. كان لابد للشعب أن يثور على نظام فقد كل تواصل حقيقى مع الشعب فالأحزاب ورقية ديكورية فاقدة العلاقة الجماهيرية وحزب الحكومة هو حزب لا علاقة له بالأحزاب والحزبية فهو لا يضم غير شلة المنتفعين والمنافقين والساعين لمصالحهم الذاتية ولذا لم تر ظلال حزب يدافع عن نظامه المنهار خاصة عندما ظهرت بوادر الانهيار كان لابد للشعب أن يثور على نظام قد تحول إلى نظام قمعى أمنى مخابراتى أمنجى لايحميه غير الأمن ولا يملك وسيلة التواصل مع الجماهير غير القمع. نظام يتحدث عن الديمقراطية ذرا للرماد فى العيون فكان مجلس شعب ٢٠١٠ الذى أدار انتخاباته الأمن حسب أوامر أحمد عز والذى كان يريد أن يثبت كفاءته لرأس النظام وللوريث فكانت هذه الانتخابات هى القشة التى قصمت ظهر البعير وبالطبع فقد كان مبارك راضيا ومستملحا هذا فهو الذى قال “خليهم يتسلوا”. وهنا يصبح هناك سؤال هام ومهم .


فلماذا تباين وتناقض هذه المواقف تجاه هذا الحدث الهام وغير العادى؟ بداية يمكن أن نجد من لايقول إن ٢٥ يناير ثورة بالمعنى السياسى والعلمى للثورة حيث هى تغيير مجالات الحياة تغييرا جذريا للأحسن. وهنا لا أحد يجزم القول أن الحياة تغيرت للأحسن أو أن مبادئ الثورة «عيش . حرية. عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية» قد تحققت على أرض الواقع. كما أن تعبير ثورة الذى يطلق بشكل جماعى وإعلامى قد جعل كلمة ثورة واردة بشكل تلقائى وهى نوع من التعبير عن الحدث خاصة بعد سقوط مبارك وهذا بالطبع هى البداية لأى ثورة. ولكن للأسف لم يكن هناك تنظيم ثوري يعى الثورة ويستقرىء المستقبل ويعرف بسقوط مبارك حتى يكون هناك بديل ثوري ولكنها هبة جماهيرية تطورت وساعدتها ظروف كثيرة أهمها انتهاء صلاحية النظام والأهم مساعدة القوات المسلحة التى حسمت الموقف وأجبرت مبارك على التنحى. ولذا لا نقول إن ٢٥ يناير مؤامرة خارجية ولكنها هى هبة شعبية حقيقية كانت تتويجا لنضال سياسى طويل قبلها بسنوات فهى لم تكن منبتة الصلة مع حركات وجهات كانت ضد النظام، ولكن من الطبيعى عندما تتاح الظروف لهبة يناير وتكون هناك بوادر وملامح لسقوط النظام هنا من الطبيعى أن تحدث حالة اختراق لهذه الهبة من الداخل ومن الخارج. فمن الداخل يعرف القاصى والدانى أن جماعة الإخوان قد اخترقت الهبة ونزلت إلى الشوارع فى عصر ٢٨ يناير ٢٠١١ ليس للمشاركة فى الهبة فهى قد رفضت ذلك رسمياً مع اجتماع القوى السياسية يوم ٢٢ يناير ٢٠١١ ولكن نزلت وكان فى ذات التوقيت هذه الفوضى التى كانت تهدف إلى اسقاط الدولة وليس اسقاط النظام حتى يتسنى لهم اللعب كما يريدون بالطريقة التى يريدون .. لذا قد رأينا تواصل المسلسل الذى بدأ بالحرق والسلب والنهب تكرارا لحريق القاهرة الذى تم فى نفس التوقيت عام ١٩٥٢ فكان التواصل باقتحام السجون. وهذا الاختراق قد نجح بلا شك حيث إن الجماعة هى التنظيم الوحيد الذى كان يمتلك هيكلا تنظيميا قويا متغلغلا ولذا فقد وجدنا ولغياب البديل الثورى كانت القوات المسلحة هى ذلك البديل ولذا كان من الطبيعى أن تتم المساواة حينا والضغط أحيانا كثيرة على المجلس العسكرى والذى رضخ تحت ما يسمى تسليم السلطة عن طريق الانتخاب وكان هذا هو المطلوب تماما لجماعة الإخوان وقد كان لها ما أرادت وحكمت البلاد عاماً .أما الاختراق الخارجى فهذا لم يوجد مع ٢٥ يناير ولكنه من الطبيعى أن يكون هناك تواصل من القوى الكبرى خاصة أمريكا مع كل القوى السياسية خاصة المعارضة حتى تضمن مصالحها مع القادم لو حدث هناك تغيير ، خاصة أن علامات السقوط كانت قد ظهرت. ولذا يعلم الجميع تلك العلاقة بين الجماعة وبين الأمريكان والتى بدأت متوافقة ومتفقة منذ عام ١٩٨٥ ولذا كان البديل لأمريكا هى الجماعة ناهيك عن باقى المتعاملين فيها من الحقوقيين المتعاقدين مع المنظمات المسماة بحروق الأوطان وشباب ٦ أبريل إذن المشكلة ليس فى هبة الشعب ولكنها فى الإخوان بل فى تلك النفوس التى لا ترى غير ذاتها وفى تلك التنظيمات التى لا تعمل لغير مصلحتها وهؤلاء غير الشعب المصرى الذى لا يرى غير مصلحته النابعة والتابعة لمصلحة الوطن . فهل الفوضى والحرق والنهب والسرقة وفتح السجون وحرق الأقسام كانت نتيجة لهذه الهبة الشعبية السلمية الرائعة. هنا هو الخلط الذى يقصده الذين كانوا ضمن جوقة مبارك ونظامه الذين أضير من ٢٥ يناير ولذا فهم يدافعون عن مصالحهم فهم مع كل نظام حيث نراهم الآن مع نظام ٣٠ يونيه فهل هناك تناقض بين ٢٥ يناير و ٣٠ يونيه ؟ وما هو ذلك التناقض؟ ٢٥ أسقطت مبارك ولما سرقت الجماعة الحكم تحت مبررات وظروف كثيرة وأرادت أسقاط هذا الوطن خرج الشعب مع الجيش مثل ما حدث فى يناير وتكرارا له لاسترداد الحكم والوطن. فأين التناقض ؟ فلو لم تكن يناير لايوجد يونيه. فهناك فرق بين من هم مع الوطن والشعب ومن هم مع أنفسهم ومصالحهم. من هم مع الوطن هم الذين خرجوا فى ٢٥/٣٠ لحماية الوطن واسترداده من نظام فاسد ومن حكم دينى ولايرون أى تناقض فى هذا بل هو التواصل والتكامل . أما من هم مع مصالحهم فهم المضارون بعد ٢٥ يناير والذين لم يجدوا مصالحهم التى وجدوها وكرسوها مع نظام مبارك. ذلك لأن ٢٥ يناير قد كسرت كثيرا من الحواجز وقد أصبح للرأى العام قيمة ولم يعد لمثل هؤلاء المنتفعين السطوة والوصاية. فهم من حوكموا ومن تم اتهامهم فى قضايا وهم من فقدوا مواقع كانوا يستفيدون منها. ولذلك هم قفزوا على ٣٠ يونيه ليس حبا بها وفيها ولكنهم كانوا يريدون استرجاع مراكزهم. وللأسف فمع وجود هذا التناقض الخيالى بين ٢٥ و ٣٠ ولأسباب كثيرة أهمها غياب الفرصة الحقيقية لتمثيل من قاموا فى ٢٥ يناير قد تم القفز على البرلمان متصورا أن عقارب الساعة يمكن أن تعود إلى الوراء. وفى ذات الوقت فمن يتحمس ليناير ولم يعد متحمسا ليونيه فهذا خطأ لايقل عن انتهازية هؤلاء. فالخلاف مع النظام حق وقائم ولكن الحفاظ على الدولة واجب وطنى لا مناص منه. كما أن توسيع شقة الخلاف وإظهار تناقض بين ٢٥ و ٣٠ لن يكون فى مصلحة الوطن ولا الشعب بل سيكون فى مصلحة الطبالين والانتهازيين الذين يسيرون مع كل نظام والأهم سيكون فى صالح ممن يريد أن ينقض على الوطن مرة أخرى حتى تعود بالفعل ساعة الزمن إلى الزمن السحيق. فهل نريد هذا أم نريد بالفعل سلامة الوطن وأن تكون مصر بصدق وبحق لكل المصريين؟