فى تونس مظاهرات «الشغل» مستمرة «اليحياوى» مثل «البوعزيزى» يموت ليحيا الآخرون

27/01/2016 - 12:23:54

بقلم - نجوان عبد اللطيف

«رضا اليحياوى» هذا الشاب التونسى (٢٦ عاماً) صعد على عمود كهرباء أمام مقر محافظته «القصرين»، محاولاً الإعلان عن الظلم الذى وقع عليه بشطب اسمه من قائمة المعينين فى إدارة التربية فصعقته الكهرباء وسقط ميتاً.. ما أشبه الليلة بالبارحة.. «اليحياوى» كما «البوعزيزى» بائع الخضار الذى أحرق نفسه فى الشارع فى ديسمبر ٢٠١٠ فى ولاية سيدى بوزيد احتجاجاً على رفض الولاية قبول شكواه ضد الشرطية التى أهانته وصفعته على وجهه ومنعته من العمل.. كلا الاثنين لم يستطيعا مواجهة السلطة الظالمة فصبا غضبهما من السلطة ومن الظلم والقهر على نفسيهما، فقتلاها. فثار الشارع التونسى ضد السلطة التىى قهرت الاثنين إلى حد أنهما فضلا الموت عن العيش تحت الذل والقهر والفقر. فكان البوعزيزى مفجر ثورة يناير٢٠١١، التى أطاحت بالرئيس التونسى بن على بعد حكم دام له ٢٣ سنة، وكان اليحياوى مفجر المظاهرات التونسية الأخيرة يناير ٢٠١٦ والتى اندلعت فى عدة ولايات حتى تونس العاصمة ووقعت فيها اشتباكات عنيفة بين المحتجين ورجال الأمن أدت إلى نزول قوات الجيش وفرض حالة الطوارئ وحظر التجوال على تونس كلها من الثامنة مساءً حتى الخامسة صباحاً منذ ليلة الجمعة الماضى، ورغم أن الأمور قد هدأت إلى حد ما منذ أمس الأول إلا أن الاحتقان مازال قائماً ومن الصعب التنبؤ بما سيحدث فى الأيام القادمة، فالشباب العاطل عن العمل مازال فى البيوت، ولم تستطع قرارات الحكومة التى اتخذتها مواجهة الأزمة بحلول سريعة وعملية.


هى المواجهات الأكبر منذ ثورة ٢٠١١بين الأمن والمحتجين على إثر وفاة «رضا اليحياوى» الحاصل على دبلوم الكهرباء منذ ٧سنوات ولم يجد عملا، وعندما شارك فى ثورة الياسمين كان يظن أن رحيل بن على ومجىء نظام جديد سيتيح له ولغيره من الشباب فرصة العمل والعيش الكريم، وأن الواسطة والمحسوبية فى التوظيف ستتلاشى، وأن سيطرة الجهات الأمنية على مناحى الحياة فى تونس ذهبت بلا رجعة، إلا أنه فوجئ بشطب اسمه من كشوف المعينين فى وزارة التربية ضمن سبعة آخرين، وأحلت مكانهم آخرين وصفتهم «بالمفروزين أمنياً» طبقاَ لما نشرته صحيفة الصباح التونسية، وقرر اليحياوى الاحتجاج وربما الانتحار أمام مركز مدينة القصرين يوم السبت قبل الماضى، وصعد عمود الكهرباء ليصعقه التيار ويسقط ليقضى نحبه، ليخرج شباب المدينة ويغلقوا الشوارع ويشعلوا الإطارات، وفى جنازة «اليحياوى» يوم الأحد انطلق المئات من الغاضبين يشيعونه، وقال والده ٦٥ عاماَ «ابنى ضحية الفساد والتهميش والوعود الجوفاء ولولا الفساد لما شطب اسم ابنى ولكان لا يزال حياً»، وانطلقت المظاهرات فى عدة محافظات أو جهات، كما يسمونها التوانسة، خاصة المحافظات أو الجهات الداخلية غير الساحلية وهى حوالى ١٠ من بين ٢٤ محافظة، وهى الأكثر فقراً يعيش فيها٦٠٪ من فقراء تونس، ودخل الاسرة فيها طبقاً لبعض الدراسات لا يتجاوز ما يعادل ٤ دولارات يومياً، وأكثر من٥٠٪ من العاطلين من أبنائها، وكانت تتعرض للتهميش والإهمال أيام بن على ولم يتغير الحال مع الحكومات التى تلت الثورة.


فى سليانة وجندوبة وصفاقس وتالة والسبيبة وسيدى بوزيد وغيرها وقعت احتكاكات عنيفة بين بعض المتظاهرين وقوات الأمن وتم حرق أحد المقار الأمنية واضطرت الشرطة للانسحاب وحل محلها الجيش، واضطرت الحكومة إلى فرض حظر التجوال على «القصرين» يوم الثلاثاء قبل الماضى ومن ثم فرضته على تونس كلها ليلة الجمعة، بعد وصول المظاهرات إلى تونس العاصمة، وقيام بعض الأفراد باستغلال الأحداث للقيام بأعمال سرقة ونهب وتخريب.


ومع استمرار الاضطرابات والمواجهات حرصت الشرطة على التعامل بأقل درجات العنف باستخدام الغازات المسيلة للدموع، وإلقاء القبض على أعداد من المتظاهرين وصلت إلى حوالى ٤٥٠، وحتى مثول المصور للطبع لم يكن هناك قتيل واحد فى صفوف المتظاهرين، ويوجد عدد من المصابين، والقتيل الوحيد هو من رجال الشرطة، حيث أشارت وسائل الإعلام إلى أن المتظاهرين قلبوا سيارته.


الهتاف الأهم الذى تصدر المظاهرات «التشغيل استحقاق ياعصابة السراق»، «شغل حرية كرامة وطنية» «لا خوف ولا رعب.. الشارع ملك الشعب»، لتصبح هذه المظاهرات قائمة لأسباب اجتماعية واقتصادية، وفى الخلفية سياسية.


وتؤكد فشل حكومات ما بعد الثورة فى تلبية احتياجات الشعب وحل أكبر مشكلة تواجهه وهى البطالة التى زادت نسبتها طبقاً للأرقام الرسمية من ١٢ ٪ عام ٢٠١٠ إلى ١٥ ٪ ٢٠١٥ .


واتهم الشباب الحكومة بإهمال وتجاهل المطالب الاجتماعية لهم وللفئات المحرومة، وانشغالها بتسوية الخلافات الحزبية ومعالجة قضايا رجال الأعمال ومساعدة أصحاب الفنادق ومناقشة ملفات الزيادات فى الأجور، ولم تسع للبحث عن حلول لمشكلة البطالة، وفى تصريحات لبعض المتظاهرين قالوا: ٥ سنوات ونحن ننتظر دون نتيجة حتى أننا فقدنا الأمل فى توظيفنا وأغلقت أمامنا كل المنافذ، لقد صمّت آذاننا بالوعود المزيفة طوال هذه الفترة، اليوم نفد صبرنا ولن ننتظر أكثر، نحن هنا فى الشوارع سنناضل من أجل حقوقنا.


الأرقام تقول إن ثلث الشباب التونسى يعانى البطالة و٣٠ ٪ من هؤلاء الشباب المتعطل من الحاصلين على الشهادات الجامعية وأن حوالى ٦٢٪ من الجامعيين متعطلون.


بينما أبدى الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى تفهمًا للاحتجاجات، غير أنه أشار إلى وجود «أيادٍ خفية» دخلت بين الاحتجاجات لاستهداف أمن واستقرار تونس.


وقال السبسى فى كلمة مباشرة بثها التليفزيون التونسى، إن الحكومة عندما تشكلت قبل عام وجدت حالة خانقة، وحوالى ٧٠٠ ألف عاطل، بينهم ٣٠٠ ألف شاب من أصحاب الشهادات، لافتًا إلى أن عنوان الثورة هو الحرية والكرامة، ولا كرامة دون عمل، وأنه لا يمكن للدولة أن تطلب من المحرومين الصبر والصمت، وحذر ممّا أسماه الفلتان الإعلامى فى الداخل والخارج الذى يزيد الطين بلة، معتبرًا أن هناك إعلامًا أجنبيًا يعمل فيه تونسيون يهيجون الأوضاع، وطالب السبسى الحكومة باتخاذ إجراءات أقوى للحد من مشكلة البطالة.


وفى إطار محاولة الحكومة التونسية استيعاب المحتجين أعلنت عن قرارات جديدة لمواجهة الاحتجاجات، منها توظيف ٥ آلاف عاطل عن العمل، وتسوية أوضاع ١٤١٠ آخرين، والتكفل بـ٥٠٠ مشروع صغير.


كما أعلنت الحكومة عن تكوين لجنة وطنية لتقصى حالات الفساد المثارة، وتحويل الأراضى الاشتراكية بولاية القصرين إلى أراض خاصة، وتخصيص ١٣٥ مليون دينار لبناء ١٠٠٠ مسكن اجتماعى، وتوفير رعاية صحية متخصصة بولاية القصرين. والتحقيق فى وفاة اليحياوى، وفى كشف التعيينات بالولاية والتجاوزات فى اختيار المعينين.


وقال رئيس الوزراء حبيب الصيد إن الحكومة لا تملك عصا سحرية لحل مشكلة البطالة وقال إن بلادى تواجه صعوبات الديمقراطية الحديثة.


وترى قوى سياسية فى تونس أن اندلاع المظاهرات هو تعبير عن سخط شعبى على أداء حكومة «الحبيب الصيد» التى تحاول الهروب عبر تعديلات وزارية أجرتها قبل الاحتجاجات بأيام (١٣ وزيراً) كشفت عن محاصصات حزبية بين الائتلاف الحاكم، للترضيات وبحثاً عن تأمين المصالح ومراكز النفوذ وليس بحثاً عن معالجة ملفات هامة وملحة، مثل البطالة والتنمية والعدالة الاجتماعية، وهذا هو انتقاد الاتحاد العام للشغل، الذى يمثل الجهة النقابية الأكبر التى تضم العمال، وكان له الدور الأبرز فى قيادة الثورة ضد بن على.


كما أصدرت تنسيقية أحزاب الائتلاف الحاكم الأربعة ورؤساء كتلهم النيابية (حركة النهضة ونداء تونس والاتحاد الوطنى الحر وآفاق تونس) بياناً مشتركاً تضمن الاعتراف بمشروعية مطالب المحافظات المحرومة، والالتزام بالعمل مع الحكومة ومجلس نواب الشعب لمحاربة الفساد ورفع القيود على الاستثمار، وعبرت عن مساندتها للحكومة ودعتها لإعادة ترتيب الأولويات لإقرار إجراءات سريعة ومباشرة لحل معضلة البطالة ودعت لعقد مؤتمر وطنى حول التشغيل.


أما حزب النهضة (الإخوان المسلمين) والذى يشارك فى الحكومة بوزير التشغيل من بين قياداته، فامتدح رئيسه راشد الغنوشى خطاب الرئيس التونسى السبسى وقال إنى أقدر فى الرئيس نفسه الإيجابى الواثق من شعبه ومن الدولة وكلمته وضعت النقاط على الحروف، والحكومة ليست مثالية ولكن أعضاءها ليسوا فاسدين ووطنيون.


ترى هل تتصاعد الاضطرابات فى تونس بعد هدوئها قليلاَ أم أن المتظاهرين سيكتفون بأنهم وضعوا مشكلة البطالة فى الصدارة وسينتظرون ليروا ماذا ستفعل الحكومة؟


محمد طرابلسى الأمين العام المساعد للاتحاد العام للشغل التونسى سابقاً يرى اختيار عدم التصعيد هو الأرجح، ورغم أنهم هتفوا بإسقاط النظام، لكن ليس هذا مطلبهم، فهو فى النهاية نظام منتخب من الشعب فى إطار من الديمقراطية والشفافية.


ويشرح طرابلسى تطور النظام بعد الثورة يقول: لانهيار مؤسسات الدولة القديمة، فإن مؤسسة الشارع تقود، ومع حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة، طغى الصراع الفكرى والأيديولوجى والسعى لأسلمة الإدارة والسيطرة على مفاصل الدولة، فكان رفض الشارع، وفى الفترة الانتقالية كانت الأولويات بناء المؤسسات، وعقب الاغتيالات فى٢٠١٣ أصبح الصراع السياسى هو الأبرز، وجاءت الحكومة ووعدت بالإصلاحات ولم تنجزها، كان لزاما ً عليها تعبئة الموارد الداخلية مثل الإصلاح الضريبى، فليس من المعقول أن من يعملون بأجر يقدمون أكثر من ٨٠٪ من الضريبة المباشرة على الدخل بينما الأثرياء يمثلون النسبة الأقل، ومن ثم لا تجد الدولة الاموال لتلبية المطالب الاجتماعية، التى تتصدر المظاهرات وعلى رأسها ..التشغيل والالتفات للمحافظات الداخلية التى تعانى الإهمال والتجاهل، صحيح أن هناك عوامل خارجة عن إرادة الحكومة مثل انحصار عائدات السياحة إلى حد ٨٥٪ من الليالى، بعد العمليات الإرهابية خاصة عملية سوسة، وهروب المستثمرين لعدم الاستقرار، كل هذا ضاعف من مشكلة البطالة خاصة المتزايدة بين الجامعيين من أبناء الطبقى الوسطى والفقراء الذين ضحوا لتعليم أولادهم، فيظلوا فى بيوتهم عاطلين لأكثر من ٦ و٧ سنوات، ومع تباطؤ الإصلاح، يأتى عدم استرجاع الأموال المنهوبة، وهروب رؤوس الأموال الضخمة أوعزوفهم عن الاستثمار، أضف إلى ذلك الأيادى المرتعشة.. طبيعة الحكومة الائتلافية والإرهاب العدو الجديد لتونس، فى الداخل وعلى حدودها مما يتطلب إنفاقا على الدفاع الوطنى، ومع الإرهاب يتزامن التهريب، سواء للأموال أو السلاح والذى يمتد لسلع كثيرة .


يرى طرابلسى أن مطالبة الاتحاد العام التونسى للشغل فتح حوار حول نموذج للتنمية، أمر مهم وضرورى للغاية ويشير أيضا إلى تأثير غياب النضج الديمقراطى سواء للأحزاب أو الأفراد، ويقول: علينا أن نتعلم ممارسة الديمقراطية فى التنظيمات التى نعمل فيها وأن نتحلى بالسلوك الديمقراطى والاعتراف بحق الاختلاف انطلاقا من بيوتنا وأماكن عملنا وعلاقاتنا الاجتماعية اليومية, كما أنه على الدولة ضمان الحريات العامة والفردية وكذلك استعادة دورها التعديلى سواء من خلال توجيه الاقتصاد، أو فى التشغيل وفى إنجاز مشروعات للعمالة الكثيفة، وأن تعمل على تحديث واستكمال البنية الأساسية وأن تفعل دورها فى اسداء الخدمات الاجتماعية وتحقيق مجانية فعلية وشاملة للتعليم والعلاج.


وحول حديث الرئيس عن الأيادى الخارجية التى تؤجج الاضطرابات قال طرابلسى، هناك الكثير من القوى التى من مصلحتها ألا يستقر الوضع فى تونس وتعمل على افشال التجربة الديمقراطية بها، وهناك من يتحين الفرصة للتسرب للداخل مثل «داعش» و»أنصار الشريعة» المتواجدين على الحدود فى ليبيا.


وعن الدعم الموجه من فرنسا قال طرابلسى من المفترض أن تحاول الحكومة مع أصدقائها للخروج من الأزمة الاقتصادية، مع الحفاظ على استقلال القرار التونسى وعدم اثقال الوطن بالمزيد من الديون الخارجية.


ويرهن طرابلسى تفاؤله بانهاء الاضطرابات التى لا يستفيد منها إلا الإرهاب، إلى قدرة الحكومة على الاستجابة الفورية لمطالب المتظاهرين ولو بتعيين فرد واحد من كل أسرة لبعث الأمل فى النفوس، وفتح حوار جدى مع جميع المكونات السياسية والاجتماعية التونسية من أجل نمط جديد للتنمية كمشروع وطنى بامكانه اعادة تعبئة طاقات الشعب وذكائه للعمل والتضحية لتسريع وتيرة التنمية وترسيخ العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد والمناطق الجغرافية ويقول: الإحباط خاصة لدى الشباب خطر كبير على تونس .. والتطرف هو مظهر من مظاهر اليأس والإحباط والعقلية الانتحارية تمثل أحد تعبيراته.


«هرمنا من اجل هذه اللحظة».. مازلنا نتذكر كلمات هذا التونسى وصوته الضاحك الباكى من شدة تأثره بقيام التوانسة بثورة الياسمين ضد نظام حكم مستبد قمعى، ومازلنا أيضاً نتذكر هذا الشاب التونسى الذى خرج إلى الشارع اثناء حظر التجوال يصرخ ويفرد ذراعيه ابتهاجاً بالحرية «بن على هرب»، نعم التاريخ سيذكر للتوانسة أنهم أطلقوا شرارة الثورات العربية ضد أنظمة حكم مستبدة، وأنهم قدموا النموذج ايضاً فى الحوار الوطنى بين الفرقاء، وخضوع النخبة السياسية لرغبات الشارع، والإيمان بأن الديمقراطية هى الحل، واليوم يضربون المثل فى مواجهة شرطة منضبطة محترفة للمظاهرات، لمدة تجاوزت ١٠ أيام ولم يقتل أحد، بينما تأتى ذكرى شيماء الصباغ التى قتلتها الشرطة وهى تمسك ورودا لتضعها فى ميدان التحرير فى ذكرى الثورة العام لماضى وسط مسيرة لم يتجاوز عدد المشاركين فيها ٥٠، ونأمل أن تضرب الحكومة التونسية المثل فى الاستماع لصوت الشارع.