قانون الخدمة المدنية.. بطولة ومجد البرلمان وغياب ومحنة الحكومة.. وتدخل الرئيس

27/01/2016 - 12:02:24

يوسف القعيد عضو مجلس النواب

سألت الدكتور على عبدالعال رئيس مجلس النواب.. وكان عائداً لتوه من احتفالات الشرطة بالخامس والعشرين من يناير:ألا يعد ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى، عن قانون الخدمة المدنية في خطابه المهم فى عيد الشرطة تدخلاً فى عمل البرلمان؟!


قال لى رئيس البرلمان.. ولا أدرى هل من حقى نشر ما جرى بينى وبينه دون استئذانه والعودة إليه أم لا، قال لى ثمة ثلاثة أمور لابد من ذكرها الأول أن الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الدولة المصرية.. ولا يعد رئيساً للحكومة.. وهناك فارق كبير بين المنصبين من حيث الدور والمهام والسلطات.


الأمر الثانى: أن رئيس الدولة وليس رئيس الحكومة.. يعد رئيس السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.. وهذا حق أصيل له.


علاوة على كل هذا فإن الرئيس قال قبل حديثه عن قانون الخدمة المدنية إنه حريص على ألا يتدخل فى البرلمان وأعماله.. ولكنه يبدي وجهة نظره من إدراكه لقضية الإصلاح فى مصر، إصلاح الجهاز الإدارى عموماً.وإن كانت ردود الأفعال لدى بعض النواب الذين صوتوا ضد القرار بالقانون الخاص بالخدمة المدنية- وأنا واحد منهم - والذين صوتوا معه.ستبقى في إطار الاتصالات والتصريحات الإعلامية لكن لن يكون ثمة موقف داخل البرلمان من توابع إلغاء القانون إلا بعد السابع من فبراير القادم،حيث إن البرلمان فى إجازة حتى هذا التاريخ.


السيناريوهات المتوقعة أن مجلس الوزراء - كما أعلن رئيسه المهندس شريف إسماعيل - طلب من البرلمان اعتراضات النواب على القانون حتى يتمكن المجلس من إعداد تشريع جديد لعرضه على البرلمان فى أقرب فرصة.


يبقى السؤال: لماذا نحن ضد القرار بقانون ولدى أسبابى وليس صحيحا أن من رفضوا القانون كانوا ينفذون أجندات خارجية.. فهذا الكلام لا يجرؤ أحد على ترديده لا فى مواجهتى ولا أمام من رفضوا القانون، خصوصاً من شباب البرلمان.


عن نفسى وهذا كلام لا ألزم به أحدا فى البرلمان سواى ولا أعلن فيه أسرارا ولا أكشف عن خفايا ولا يجب السكوت عنه،لقد تابعت هذا القرار بقانون منذ صدوره وتنفيذه فى مارس الماضى وكانت هناك حالة رفض شعبى كاملة هذه لم تقبله سوى بعض النخب التى كما رأت أن هذا القانون يعد بداية إصلاح الجهاز الإدارى فى مصر. وكلامه عار من الصحة، لأنه منذ تطبيقه حتى لحظة رفضه وإسقاطه لم نر منه سوى أنه عاقب صغار الموظفين.


أما ترهل الجهاز الإدارى وتضخمه حيث قال البعض إن عدده أكثر من ستة ملايين ونصف.. وإن هذا الرقم لا وجود له فى الدنيا كلها. ولا فى أمريكا التى نقيس كل شئون حياتنا عليها باعتبارها المثال، ولكن القانون الذى يحاول ضبط المرتبات والعلاوات ونظام الالتحاق والعمل والوساطات لا يواجه الإصلاح الإدارى.


وإن كان صحيحا ما قاله الرئيس السيسى عند كلامه عن القانون من أن الجهاز الإدارى المصرى فيه ٦.٥ مليون مصرى.يكفي مليون منهم فقط للقيام بالمطلوب.أكد لى مصدر مهم أن الرئيس لم يكن يقصد أبداً الإضرار بالعدد الباقى إذا اتخذ موقفاً منه، ولكنه كان فقط يقدم إصلاح جهاز الحكومة كمطلب مهم ولا خلاف عليه يجب تمكين مصر من إتمامه.


سبب آخر لرفض القانون.. ألا وهو المناخ السياسى العام الذى عرض فيه القانون على البرلمان.


كان هناك نص صريح فى الدستور - وهذا أول دستور تناول مسائل إجرائية - نص الدستور على الانتهاء من نظر القوانين التى صدرت فى غيبته وحدد لذلك مدة زمنية وهذه المدة انتهت يوم الأحد الماضى.


كان لابد من المناقشة والإقرار أو الرفض ومصر كلها تذهب إلى الخامس والعشرين من يناير ٢٠١٦ وهى مناسبة يمكن استغلالها ضد مصر، لا أقول إن القيادات العمالية والوظيفية الذبن يرفضون القانون يمكن اختراقهم ولكن عند التظاهر قد يصبح الأبطال هم الذين يندسون وسط المتظاهرين.


لقد وصل الأمر لحدود التصريح بالزحف على البرلمان فى حال الموافقة على القانون، ولذلك كان لابد من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموقف العام في بلادنا.


وهذا المناخ لم ينقض بمرور الخامس والعشرين من يناير ولكنه قد يكون مستمراً إلى الحادى عشر من فبراير القادم.


عندما انفجر الموقف فى تونس الذى أعاد إنتاج ما جرى قبل خمس سنوات فى تونس بنفس تفاصيله الأولى، ومن البوعزيزى حتى الوصول للنهاية.تونس كانت الخطر البعيد القريب المحتمل والمستحيل لكن اندلاع التظاهرات فيها، جعلت الداخل المصرى تحت الاختبار، وبالتالى أصبح الحرص أوجب.. ولم يعد توقع الخطر فى حالة الموافقة على القانون لا يأتى من الموظفين، ولكن من تجار الدماء ومندوبى الظلام.


وهذا كلام سياسى كان لابد من أخذه في الاعتبار قبل التصويت على القانون.


على أن موقف الحكومة يشكل المحنة الكبرى فى هذه الحكاية. عند مناقشة القانون داخل لجنة القوى العاملة التى يرأسها الزميل النائب صلاح عيسى. وهو ليس زميلنا وصديقنا صلاح عيسى المؤرخ والكاتب الروائى المعروف.فى هذا الاجتماع كان لابد من حضور الوزير المختص وقد جاء الدكتور أشرف العربى. لست أدرى لماذا لم يحضر وزير القوى العاملة، وكان ماقاله أشرف العربى كلاما عن الخسائر المالية الناتجة عن عدم تطبيق القانون.


وهذا كلام يحوّل الموافقة على القانون لمشكلة سياسية عند شريحة كبيرة من المجتمع. عموما أنا لم أحضر مناقشة لجنة القوى العاملة لأننى لست عضوا بها لا بصيغة أساسية ولا انتسابية.


ولكنى كنت هناك فى الجلسة العامة للبرلمان التى ناقشت القانون. وبسبب الزحام المهول لطلب الكلمات ولأن وجهة نظرى فى الأمر سياسية أكثر منها مهنية تركت الكلام لزملاء ربما قالوا ماهو أفضل مما عندى.


لاحظت - والصامت قد يلاحظ أفضل من المتحدث - أن مندوبى الحكومة كانوا مشكلة قال الدكتور على عبدالعال رئيس البرلمان. إن الدكتور أشرف العربى سيكون معنا وأن حضوره وجوبى حتى تكتمل دستورية المناقشة وأن من حقه أن يكون معه خبراء يستعين بهم فى الحوار.


دخل المسئولون الكبار. لكن أشرف العربى لم يأت.. انتظرناه طويلا ولم يشرف. غاب أشرف العربى. وأنا تربطنى صداقة معه. تربطنا معا الدكتورة فايزة أبو النجا. ومعرفتى بها التى أتمنى أن تصل للصداقة الحقيقية.ولكن الصداقة أمر ومصير الوطن أمر آخر تماما.كان معنا المستشار مجدى العجاتى وزير شئون مجلس النواب. وقد تحدث مطولا. لكن أخطر ماقاله كان أمرين قالهما : إن فى حالة إسقاط هذا القانون لن تستطيع الحكومة المصرية صرف مرتبات شهر يناير والتى تصرف فى أول فبراير لـ ٥.٦ مليون موظف.


قلنا نسقط هذا القانون ونعود إلى القانون السابق عليه. وهو قانون ٤٧ قيل لنا : إن القانون القديم سقط والقانون الذى يسقط لايستعاد أبدا. ولايعود للحياة مرة أخرى من جديد.


عدنا نقول - نحن الذين كنا ضد القانون - إذن نسقط هذا القانون واصنعوا غيره. عادوا يقولون. لا. وافقوا أنتم عليه فى البرلمان وسنعد له ودخلنا مزاد المواعيد. هناك من قال خلال شهر يكون القانون الجديد جاهزا. أو شهرين أو أسبوعين.


وهكذا وإعمالا للعقل باعتبار أن العقل أهم مايميز الإنسان كان لابد من رفض القانون. لأنه ببساطة مادام لابد من وجود قانون بديل فليكن بعد إسقاط هذا القانون. ثم إن الموافقة عليه.فضلا عن ردود فعل الشارع قد تدفع الحكومة للتراخى فى عمل القانون الجديد وعرضه على البرلمان.


لقد بدت لى الحكومة عاجزة عن الدفاع عن قانون تريد استمراره واكتفت بنصب فزاعات أمامنا مثل التلويح بعدم صرف مرتبات يناير. واستحالة إعادة القانون القديم. وهذا التخويف - الذى ثبت فيما بعد أنه غير حقيقي. ولا ينطلق فقط من مبالغات- لم يؤت ثماره ويدفعنا فقط للموافقة على القانون.


من يريد العودة إلى نتائج التصويت التى أسقطت القانون. عليه الرجوع إلى مضابط الجلسة ولكن المهم أن البرلمان سطر شهادة ميلاده برفض هذا القانون وأن الحكومة المصرية الراهنة هنا لم تقم بواجبها القانونى والدستورى تجاه قانون كانت ترى أنه مقدمة لابد منها من أجل تنفيذ الإصلاح الإدارى.


الإصلاح الإدارى. كم من الجرائم ترتكب تحت تلك العناوين البراقة. وهذا ما جرى بالضبط مع قانون الخدمة المدنية من الألف إلى الياء.أنا مع الشعار تماما.ولكننى ضد تهديد ٥ ملايين مصرى.حتى لو تم ذلك تحت شعار الإصلاح الإدارى.


هل يمكن أن ننسى أن الطريق إلى حسن النوايا قد يكون مفروشاً بالدماء والقلاقل والاضطرابات.


ثم إن تنفيذ الإصلاح الإدارى يجب أن يشمل كل من يعمل فى الدولة المصرية. ونحن نعلم أن لدينا كادرات خاصة. وفئات مستثناة ولايطبق عليها القانون. فماذا سيكون الموقف منها؟ خصوصاً أنها جهات يجب التردد قبل ذكرها البعض منها يخوض معركة المصير دفاعا فى هذه الأيام. ويقدم من الشهداء أعدادا مهولة روت وراءها قصصا تدمى الفؤاد. وتوجع القلب. وتدفع الإنسان إلى البكاء.