أزمة البث التليفزيونى لجلسات البرلمان.. بين الحق والباطل

27/01/2016 - 11:58:03

ضياء الدين داود عضو مجلس النواب

جاءت دعوة رئيس الجمهورية لانعقاد أولى جلسات مجلس النواب فى العاشر من يناير ٢٠١٦ ليبدأ المجلس فى ممارسة مهامه الدستورية باستلام سلطة التشريع والرقابة، الأمر الذى طال انتظار المصريين له فى نهاية الاستحقاق الثالث من خارطة المستقبل التى صاغها الشعب المصرى فى الثالث من يوليو سنة ٢٠١٣ بعد ثورة تصحيحه فى الثلاثين من يونيو ضد محاولة اختطاف الوطن من مسار ثورة ٢٥ يناير المجيدة وعناوين العيش والحرية والكرامة الإنسانية والدولة المدنية الحديثة. ولذا كانت متابعة المصريين بترقب للحظات الأولى لانعقاد أولى جلسات دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعى الأول لمجلس النواب.


وجاءت المتابعة الإعلامية بوسائلها المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية راصدة لكل تفاصيل افتتاح دور الانعقاد الأول لبرلمان يتمنى له المصريون أن يكون بحجم الحلم والأمل والطموح لحقوقهم فى العيش والحرية والكرامة الإنسانية، لكن جاءت لحظة المخاض بانعقاد أول جلسة للمجلس متعثرة لأسباب عديدة.


أولها :للمرة الأولى من وجهة نظرى خلال الأربعين عاماً الأخيرة، تجرى انتخابات برلمانية فى إطار ديمقراطى سليم دون تدخل من أجهزة للدولة المختلفة وبإشراف قضائى حقيقى وبتأمين من القوات المسلحة والشرطة المدنية، الأمر الذى وفر مناخاً داعماً لمرشحين ما لم تتوفر كل تلك الشروط ما أقدموا على تجربة الترشح وأنا منهم، مما أدى لنجاح العديد من النواب فى تجربتهم الأولى للترشح وفقاً لانحيازات واضحة لجموع المصريين ومطالبهم فى فرصة للانتقال من دولة المقيم لدولة المواطن.


ومن ثم جاءت النتيجة النهائية للانتخابات البرلمانية مؤكدة حصول المستقلين على نسبة تجاوزت الخمسين فى المائة من مقاعد المجلس، وهو ما يؤكد طبيعة انحيازات المصريين خلال السنوات الأخيرة بعد تجربة مريرة مع الحياة الحزبية بعد ثورة يناير المجيدة.


وعليه فإن الكتلة الصلبة «المنظمة» التى اعتادت عليها البرلمانات فى مصر خلال العقود الأخيرة لم تعد موجودة لتضبط إيقاع العمل خلال الجلسات الإجرائية دون أمل أو طموح للأغيار فى الحصول على شىء داخل الهيئات المختلفة فى المجلس، وعليه فإن تمرير القرارات فى اللحظات الأولى جاء مستحيلاً بالنسبة للجميع، خاصة عند عرض مشروع قرار تشكيل ٦ لجان خاصة لحين الانتهاء من صياغة لائحة جديدة للمجلس، الأمر الذى أسقطه المجلس بالإجماع فى سابقة أولى، أن يعرض مشروع قرار من رئيس المجلس المنتخب ويرفض بهذه النسبة.


وهذا الأمر كان يستحق المتابعة والتحليل من وسائل الإعلام المختلفة بتدقيق - لبيان مركبات المجلس الجديد وتحليلها تحليلاً علمياً لبيان ما هو آت بأروقة البرلمان، إلا أن أغلب ما تم تغطيته على الأيام الأولى كان فى اختزال ما تم إلى مشاهد مجتزئة تؤدى لرسائل سلبية للمواطنين عن ميلاد البرلمان الجديد.


وهنا يطرح التساؤل من المستفيد من سوداوية المشهد البرلمانى الذى صنعه الإعلام باختزال العمل داخل المجلس للقطات مجتزئة من مضمونها الذى يعبر عن تناقضات فى مكونات المجلس لم تلتئم بعد، ولم ترسو على بر آمن حتى الآن لتبدأ دورة العمل البرلمانى لتحقيق آمال وطموحات المصريين وفقاً للعهود التى قطعها النواب على أنفسهم أثناء ترشحهم لنيل ثقة المصريين.الأمر الذى أدى لصدور قرار عبثى بوقف البث التليفزيونى لتغييب الأجيال عن متابعة أعمال الوكيل وهو أمر مخالف لنص المادة ٤ من الدستور والتى تؤكد أن السيادة للشعب والمادة ١٢٠من الدستور التى تقول بعلانية جلسات البرلمان، إلا أن حق المجلس فى وقف البث لم يكن بإحساس «إذا بليتم فاستتروا»، لأن ما حدث لم يكن ابتلاء، إنما كان مخاضا مؤلما، لا يمكن تجنب أوجاعه إلا بمواجهته بصبر وجد وعمل للاستبشار بمولود برلمانى معافى من كافة الأمراض.


ثانياً: ساهم فى التربص والعبثية للمشهد الأول ما حاول البعض توصيفه بأنه تم تكوين ائتلاف مستنسخ من رحم الحزب الوطنى المنحل، وهذا أيضاً أمر كان يستدعى التحليل والمتابعة بدقة دون الاهتمام بعنوان براق بعيداً عن الاهتمام بطبيعة ما يحدث وجوهره.


ظن البعض أن برلمانا بلا حزب رئيسى يحصل على الأغلبية قد يهدد سلام الدولة عند احتياجها لقوة البرلمان فى حماية جدر الدولة من أى خطر فعين البعض من أنفسهم أوصياء على البرلمان دون أى حق لهم فى هذه الوصاية.


واستشعر الجميع هذا الخطر ممن اقتربوا أو ابتعدوا عن هذا الائتلاف، الأمر الذى دفع الكثيرين لليقظة ضد أى محاولة يمكن أن يوصف بها البرلمان بأنه تابع أو مسير من خلف جُدر، مما أدى لما شاهده المصريون بعين الصحافة والإعلام المرئى على أنه أقصى حالات الانفلات، فى حين أرى أنها كانت أقصى آلام المخاض، ولهذا فإن بيان حقيقة الأمور بصدق وأمانة يتطلب ممن يتناولها إعلامياً إلى الترفع عن مكاسب صحفية ضعيفة وآنية، وارتفاع لأقصى درجات المسئولية دون تزيين المرارة أو تهويل لصغائر.


أقول هذا رغم أن حجم المعارك التى ضامنها البرلمان ليست بالهينة، فمنها ما يتعلق بسلامة وبقاء مؤسسات الدولة القائمة، حيث إن العديد من القرارات بقوانين التى صدرت والبرلمان غير قائم قد نظمت للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والبعض الآخر يتعلق بتعديلات إجرائية على قوانين الإجراءات الجنائية والعقوبات لمواجهة ظروف خطيرة تعرضت وتتعرض لها البلاد.وأن الزمن المتاح دستورياً لإتمام كل هذه الأمور كان لا يتجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ انعقاد أولى جلسات المجلس.


ومما يزيد من الأعباء أن اللائحة الداخلية للمجلس هى الأخرى لم تعد متوافقة مع التعديلات الدستورية التى أقرت فى يناير سنه ٢٠١٤ مما يتعين معه تعديل اللائحة أو وضع لائحة جديدة للمجلس.


مما دفع باتجاه تشكيل لجان خاصة بذات تسميات اللجان النوعية لمراجعة ٣٤١ قرارا بقانون صدرت بعد ١٨ يناير٢٠١٤، تجنباً للدخول فى معارك انتخاب هيئات مكاتب اللجان، مما قد يستنزف الوقت قبل عرض ومناقشة كل هذه القرارات بقوانين المنوط بالمجلس مراجعتها فى ميعاد محدد..والنتيجة أنه أصبح هناك كل هذا الخطر والحجم الهائل من المعارك البرلمانية التى يهدد بعضها سلامة أركان الدولة المصرية فى ظل مكونات وفسيفساء المشهد البرلمانى الحالى من أغلبية مسيطرة على ما يحدث، وأن جميع النواب قد جاءوا من خلال انتخابات ديمقراطية سليمة وبأصوات حرة من المصريين، ليختزل المشهد إعلامياً فى معارك أو مشاهد هنا وهناك دون الاهتمام بإبراز الحق والواجب من هذا البرلمان للعبور بمرحلة المخاض الصعب بمولود برلمانى سليم معافى قادر على القيام بمهامه الدستورية فى الرقابة والتشريع تحقيقاً لآمال المصريين فى الحياة الكريمة.. وفقنا الله جميعاً لما فيه خير وسلام الوطن.