الإدارة المحلية ووهم التطوير..(٢)

27/01/2016 - 10:42:44

د.محمد شتا

تحدثنا فى العدد السابق عن شيوع مفهوم خاطىء فى مصر مؤداه أن تطوير نظام الإدارة المحلية يأتى من خلال زيادة سلطات كل من المحافظ والمجالس الشعبية المحلية وبينا أن النظام المطبق فى مصر، والذى يطلق عليه ظلما وجهلا إدارة محلية ما هو إلا انتداب للحكومة المركزية بكل ما لها وما عليها فهو لا يعدو كونه سوى صورة من صور المركزية تسمى عدم التركيز الإدارى .


فإذا كانت هناك قناعة حقيقية بأهمية وجود نظام سليم للإدارة المحلية كضرورة حتمية للارتقاء بجودة حياة المواطن المصرى، فعلينا أن نأخذ بالمنهج العلمى الصحيح الذى سارت عليه الدول التى أخذت بهذا النظام، ولا داعى للاستمرار فى ذلك المسلسل الهذلى الذى يعرض على شاشة الوطن منذ ما يزيد على ٥٠ عاما والحديث بين الحين والآخر عن فساد المحليات وضروره تطويرها، ثم إجراء بعض التعديلات التشريعية السطحية ثم نكتشف بعد عدة سنوات أن الحال على ما هوعليه، بل قد يكون أسوأ فنجرى تعديلات جديدة وهكذا دواليك.


والسؤال هنا لماذا لم تفرز لنا التعديلات التشريعية العديدة ( التى أدخلت على القانون الأول للإدارة المحلية وهو برقم ١٢٤ لسنه١٩٦٠ وذلك على مدار ٥٠ عاما تقريبا) الأداء الذى نتوقعه ونتمناه من نظام الإدارة المحلية؟!


والإجابة ببساطه لأننا نلعب خارج الملعب لأن نظام الإدارة المحلية (اللامركزية الإدارية) وجد ليعالج عيوبا جوهرية وحاكمة فى إدارة شئون المواطنين ألا وهى عيوب المركزية


إلا أن المشرع المصرى كان له رأى آخر وهو اللعب على الحبلين فلا هو استمر فى الأخذ بنظام المركزية متحملا عيوبها ومستفيدا من مزاياها ( لا لها أيضا بعض المزايا) أو هو أخذ بنظام اللامركزية حتى يستفيد من مزاياها ويتجنب عيوب المركزية فأنشأ مسخا مشوها أدى إلى اذدواجية السلطة وشيوع المسئولية بين الوزارات المركزية والمحافظات.


وهذا هو سبب كل ما يعانيه المواطن من مشاكل وصعوبات فى تعاملاته اليومية مع كافه المرافق والخدمات.


لذا يلزم للقضاء على ذلك العيب الجوهرى أن نبنى نظاما وفق متطلبات العلم الذى أسس فكرة اللامركزية الإدارية.


فهل يمكن فى مصر الجديدة أن نبنى هذا النظام الذى تثبت الأحداث كل يوم أهمية وجوده ؟


فما مقومات بناء هذا النظام ؟


كما ذكرنا فى المقال السابق أنهم أربعة مقومات أساسية سوف نتعرض لهم بإيجاز فى السطور التالية:


المقوم الأول: تقسيم أقاليم الدولة إلى محافظات وفق أسس علمية واقتصادية واجتماعية وبما يحقق مبدأ التنمية المتوازنة فى كل أقاليم الدولة ثم تتجزأ هذه المحافظات إلى مراكز ومدن وقرى على ذات الأسس أيضا .


والسؤال هنا أليس هذا ماهو يحدث فعلا ؟ والإجابه بنعم ولا، فنعم لدينا ٢٧ محافظة ولكن على أى أساس قسمت مصر إلى ٢٧ محافظة فقط؟ودون الدخول فى تفصيلات كثيرة سوف أعقد هنا مقارنة بين مصر وثلاثة نماذج من دول العالم الأول (فرنسا )العالم الثانى (تركيا)العالم الثالث (تونس) فهل يعلم القارئ الكريم أن فرنسا وهى نصف مساحة مصروعدد سكانها٦٠٪ فقط من عدد سكان مصر و أن عدد محافظاتها ١٠١ محافظة وهل يعلم القارئ الكريم أن عدد محافظات تركيا ٨١ محافظة وهى أيضا أقل عددا ومساحة من مصر فمساحتها تمثل ٧٥٪ من مساحة مصر وكذلك تعدادها يمثل ٨٠٪ من تعداد مصر.


أما تونس التى تمثل ١١٪ من سكان مصر ومساحتها تمثل ١٦٪ من مساحة مصر فعدد محافظاتها ٢٤ محافظة (ولاية) أى يساوى تقريبا عدد محافظات مصر.


والسؤال المنطقى هنا ما أهمية إعاده تقسيم إقليم الدولة إلى محافظات ؟ أليس العدد الحالى كافيا؟


فى الواقع لا أجد سببا منطقيا او علميا أو موضوعيا لهذا التباين الشديد فى عدد السكان بين محافظات مصر، وإن كنت أستطيع أن أتفهم وضع المحافظات الحدودية ولكن عندما نتحدث عن الدلتا مثلا فكيف تكون محافظه كالدقهلية حوالى ٦ ملايين مواطن وبجوارها دمياط مثلا حوالى مليون ونصف فأى منطق يحكم هذا التباين خاصة فى ظل بديهة هامة تقول إن أهمية دور الرئيس أو المدير تتناسب تناسبا عكسيا مع كفاءه التنظيم فكلما كانت كفاءه التنظيم الإدارى منخفضة كلما ازدادت أهميه دور رئيس هذا التنظيم, وأعتقد أن هناك إجماعا (ولا أقول شبه إجماع ) فى مصر على تدنى كفاءه التنظيم الإدارى المصرى على كل مستوياته وفى كل مجالاته، وهنا تزداد أهميه دور المحافظ فى محافظته، فبأى منطق يكون نصيب المواطن فى محافظه دمياط واحد على مليون ونصف من جهد واهتمام المحافظ وفى الدقهلية واحد على٦ملايين من جهد واهتمام المحافظ، وهكذا وذلك عنصر واحد من عناصر عديدة تحتم ضرورة إعادة تقسيم أقاليم مصر إلى عدد أكبر من المحافظات قياسا على الدول الثلاث السابق الإشارة إليهم فيمكن مثلا تقسيم المحافظات الكبيرة إلى اتنين أو ثلاث محافظات خاصة أن تلك التجزئة لن يترتب عليها أعباء مالية جديدة حيث إن المحافظة الجديدة سوف تنشأ بموظفيها القدامى اللهم إلا استحداث منصب المحافظ ومعاونيه وتلك لن يترتب عليها أعباء مالية ذات قيمة .


هذا بجانب أن صغر حجم المحافظة سوف يؤدى بالضروره إلى تركيز الخدمات ورفع مستوى كفاءتها وزيادة الرقابة على أدائها وتحقيق العديد من الجوانب الإيجابية الأخرى.


المقوم الثانى: أن يتولى قيادة المحافظة محافظ منتخب ويتولى قيادة المدينة رئيس مدينة منتخب ويتولى قيادة القرية رئيس قرية منتخب, وبجوار هذا القائد المنتخب مجلس محلى منتخب يتحمل مسؤلية إدارة الوحدة المحلية (المحافظة /المدينة /القرية).وحتى أقرب الصورة إلى ذهن القارئ الكريم أشبه الوحدة المحلية بشركة مساهمة ويدير هذه الشركة مجلس إدارة هذا المجلس و يكون على مستوى الوحدة المحلية هو المجلس المحلى لتلك الوحة (محافظة – مدينة – حى – قرية ) برئاسة الرئيس المنتخب سواء كان( المحافظ / رئيس المدينة/ رئيس الحى /رئيس القرية)الذى يتولى أيضا رئاسه الجهاز التنفيذى داخل الوحدة المحلية وتعالج التشريعات كيفية تنظيم العلاقه بين المجلس المحلى والجهاز التنفيذى ويجب ان يكون واضحا بأن المفهوم الشائع حاليا أن المجلس الشعبى المحلى يلعب دورا شبيها بدور البرلمان على مستوى الوحدة المحلية, هو مفهوم خاطئ ويجب وضعه فى إطاره الصحيح وهو أنه يملك سلطة الإدارة بمفهومها الواسع وليس مجرد دور رقابى فقط لا يستطيع أن يقوم به ولا يملك أدواته وهناك تفصيلات كثيرة فى هذا الشأن ليس هذا المقال مجالها والسؤال المنطقى هنا : وما أهمية أن يكون رئيس الوحدة المحليه منتخبا؟


الإجابة : أعلم أن الأسس والمبادئ التى تحكم علم الإدارة المحلية ليست نصوصا مقدسة ويمكن تطويرها بما يلائم ظروف كل مجتمع ولكن فى هذه الجزئية بالذات أجد أن هناك ضرورة ملحة للأخذ بها فى مصر كما هى، أى ضرورة أن يكون رئيس الوحدة المحلية منتخبا ويؤكد ذلك الطرح واقع الحال فى مصر ومن خلال معايشتى لهذا الواقع على مدار سنوات طويلة أؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الانتخابات سوف تفرز عناصر أفضل من المعينين، رغم أن هناك نماذج رائعة من المحافظين المعينين وكذلك من ورؤساء المدن والأحياء والقرى إلا أن هذا يظل هو الاستثناء وليس القاعدة .


ثم أليس مايحدث حاليا من إجراء حركة محافظين كل ستة شهور عنوانا كبيرا على فشل سياسة الاختيار والتعيين؟!


المقوم الثالث:هو أن تمتلك المحليات مواردها ومن المعلوم أن أهم مصدرمن مصادرالموازنة العامة للدولة هو الضرائب المباشرة وهذه يتم تحصيلها من الأشخاص الطبيعية ( الافراد) ومن الأشخاص الاعتباريه (الشركات) وكلاهما له موطن (عنوان) وهو بالقطع يقع فى إحدى المحافظات لذا تتولى مصلحة الضرائب وضع الحصيلة التى جمعتها من كل محافظة فى حساب خاص باسمها ولصالحها للصرف منه على المرافق المحلية بعد خصم نسبة من تلك الحصيلة يحددها البرلمان وتؤول إلى حساب وزارة المالية للصرف منها على المرافق المركزية (أى التى لايمكن أن تكون محلية مثل الدفاع والقضاء والشرطة والخارجية وبعض المرافق الأخرى التى يتم تحديدها بمعرفة البرلمان ). وفلسفه ذلك التوجه هو أن يتم إنفاق مايخص المحافظة من مواردها وفق أولويات التنمية التى تحددها كل محافظة، وذلك فى إطار السياسات العامة التى تحددها الحكومة المركزية على ضوء المؤشرات العامة للخطة القومية، فمثلا تضع الحكومة المركزية سياسة عامة فى مجال التعليم تهدف إلى أن تكون كثافه التلاميذ فى الفصل من ٤٠إلى٤٥تلميذا فى الفصل الواحد فتكون تلك السياسة ملزمة لكل محافظة عند توزيع موارد المحافظة على أوجه الإنفاق المختلفة، بمعنى أن محافظة مثل محافظة الدقهليه مثلا عند وضع موازنتها الاستثمارية للعام القادم رأت أن يتم تخصيص اعتمادات كبيرة لبناء مدارس وأدى ذلك إلى هبوط كثافة الفصول إلى أقل من ٤٠ تلميذا فى الفصل الواحد فعند رفع الموازنة إلى الحكومة المركزية للتصديق عليها ويتبين لها تلك المخالفة فإنها تعيد الموازنة مرة أخرى إلى الدقهلية لتقليل حجم الاعتمادات المخصصة للتعليم بما يحافظ على الحد الأدنى لكثافة الفصول وهو ٤٠ تلميذا، وتوجيه هذا الوفر إلى مجال تنموى آخر والعكس بالعكس وهكذا فى جميع مجالات التنمية ويظل الهدف الأساسى من تملك المحافظات لمواردها هو أن يتم إعداد الموازنة الاستثمارية لكل محافظة على ضوء أولويات التنميه فيها والتى تراها هى وليس على ضوء ماتراه وزارة التخطيط وهى غالبا رؤيه مكتبية غير مستندة إلى أسس واقعية ( يعنى ببساطة حاجة كده بالبركة )، وذلك سوف يؤدى بالضرورة إلى نوع من الترشيد فى الانفاق وتحقيق قدر أكبر من الرضاء الشعبي لأننا نوجه إنفاق موارد المحافظة إلى المجالات الأكثر احتياجا من وجه نظرها دون إخلال بالضوابط العامة للخطة القومية للتنمية التى تحددها الحكومة المركزية, والتى تفرضها على المحافظات من خلال السياسات العامة التى تضبط بها أداء المحافظات فى كل مجال من مجالات الإنفاق كما سبق شرح ذلك فى مثال التعليم وبالطبع هناك تفصيلات كثيرة تتعلق بكيفية تخطيط احتياجات كل محافظة وتحديد أولويات التنمية وكيفية توزيع الموارد والرقابة على الأداء وحفزالجهود الذاتية لسد الفجوة التمويلية بين ماهو متاح وماهو مطلوب وكذلك كيفيه مساعدة المحافظات الفقيرة لكى تستطيع ان تحقق أهداف الخطة القومية للتنمية وذلك عن طريق الإعانة المركزية التى تقدمها الحكومة المركزية إلى المحافظات قليلة الموارد وفق أولويات علمية تقضى على عشوائيهة التخطيط.


المقوم الرابع : وهو يتمثل فى إعاده صياغة العلاقه بين الحكومة المركزية والمحليات على ضوء منح المحافظات كامل الحق والسلطة فى إدارة جميع المرافق والخدمات على أرضها (ماعدا ما هو مركزى بطبيعته ) وأن تتولى الحكومة المركزية من خلال أجهزتها الرقابة على نتائج الأداء دون تدخل فى أسلوب وكيفية الأداء وهذا كله مع عدم الإخلال بحق وسلطة الأجهزة الرقابية فى أداء عملها على الوجه الذى يحدده القانون. وأخيرا لو تم هذا نكون بالفعل قد وضعنا العربهة خلف الحصان أو نكون قد رفعنا عربة السكة الحديد التى خرجت عن القضبان الحديدية وأعدناها إلى شريط السكه الحديد حتى يسهل دفعها إلى الأمام وسوف تختفى من حياة المصريين الكثير والكثير من السلبيات التى تعود فى الأصل إلى حالة شيوع السلطة وازدواجية المسئولية بين الوزارات والمحافظات فى ظل قانون الإدارة المحلية الحالى فلا الوزير قانع بدوره فهو دائما مايغتصب سلطه المحافظ والمحافظ بدوره فى الأعم الأغلب يريد أن يدرأ المسئولية عن نفسه ويتركها للوزير تجنبا لوجع الدماغ وحرصا على علاقة طيبة مع الحكومة المركزية والمواطن تائه بين الاثنين ومن زاوية أخرى فإن استمرار بقاء المحافظ فى موقعه سوف يكون رهنا برضاء المواطنين عن أدائه وليس رهنا برضاء الأجهزة الرقابية ووسائل الإعلام عنه كما هو حادث الآن .


هذا قليل من كثير حاولت أن أوجز على قدر المستطاع لأوضح فقط الفكرة الأساسية التى تحكم إنشاء نظام سليم للإدارة المحلية فى مصر حتى لا تستمر مصر فى وهم أن النظام الحالى هو نظام للإدارة المحلية وأن المطلوب فقط هو إعداد قانون جديد يزيد من سلطة المحليات (كما ظل يقال دائما على مدار ٥٥ عاما )وأرجو أن تتذكروا جيدا لو لم يتم الأخذ بكلامى هذا (وهذا هو المتوقع فعلا) وأعدت الحكومه قانونا جديدا للإدارة المحلية (أعتقد أنه أعد فعلا) بنفس الطريقه المتبعة (القص واللزق) سوف نعود بعد إصدار القانون بسنة أو سنتين إلى الحديث عن ضرورة إصدار قانون جديد للإدارة المحلية وهكذا دواليك إلى أن يأخذ الموضوع على محمل الجد وتوضع الأمور فى نصابها الصحيح.


وليس من الضرورى أن يتم التطبيق بأسلوب القفزة الواحدة بل من الأفضل أن يتم التدرج فى التطبيق وفق خطوات زمنية متوازنة شريطة النص عليها فى القانون حتى تكون ملزمة للجميع.