د.إيمانويل ديبوي رئيس معهد الاستكشاف والأمن بأوربا : التدخل الفرنسي في ليبيا .. مطروح!

27/01/2016 - 10:35:55

  هولاند يتفقد القوات الفرنسية المقاتلة هولاند يتفقد القوات الفرنسية المقاتلة

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

مع التوصل الأسبوع الماضي إلى تشكيل حكومة وفاق وطني جديدة بليبيا (ثالث حكومة) بهدف توحيد الفصائل المتحاربة بموجب خطة تدعمها الأمم المتحدة، تبقى فرنسا تراقب عن قرب هذه الحكومة لأنه في حال فشلها في إنهاء الانقسامات وفرض الأمن والاستقرار، فمن المتوقع أن تتدخل عسكريا لتدمير معاقل الإرهابيين، لاسيما ان الرئيس فرانسوا أولاند قد تعهد بسحق الإرهاب ومحاربة داعش في كل مكان عقب هجمات نوفمبر غير المسبوقة التي ضربت باريس.


علاوة على ذلك، فقد قال رئيس الوزراء مانيول فالس: «نعيش مع التهديد الإرهابي.. ولدينا عدو مشترك هو داعش.. ينبغي أن نهزمه وندمره في العراق وسوريا وربما غدا في ليبيا». 


وتعلم فرنسا أن الإرهاب في جنوب ليبيا يشكل قلقا كبيرا في مكافحة الجماعات الجهادية المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، وترى أن الجنوب الليبي تحول إلى وكر أتاح للمتشددين الحصول على السلاح وتجنيد العناصر.


وشدد وزير الدفاع الفرنسي چون ايف لودريان -عقب اجتماع وزراء دفاع دول التحالف ضد داعش الأسبوع الماضي بباريس- على أن الاعتداءات الإرهابية التي وقعت مؤخرا في مالي وبوركينا فاسو تظهر أن العمليات التي يتعين القيام بها في منطقة الساحل الأفريقي «لم تنته بعد». 


ومع القلق الذي يثيره نفوذ داعش في ليبيا وتأثيره على حلفاء فرنسا في الساحل الأفريقي فإن التدخل العسكري الفرنسي - وربما الإيطالي أيضا- قد يكون قريبا.


ونبهت مصادر بوزارة الدفاع الفرنسية في ديسمبر الماضي إلى الحاجة الطارئة للتدخل العسكري في غضون ستة أشهر للقضاء على الاٍرهاب في ليبيا/بحسب صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية، فضلا عن تأكيد وزير خارجية إيطاليا باولو جينتيلوني على أن تشكيل تحالف دولي ضد داعش في ليبيا «سيكون أمرا لا مفر منه» إذا تبين بعد بضعة أشهر أن الليبيين فشلوا في تنفيذ اتفاق الأمم المتحدة.


وإزاء احتمالات التدخل العسكري في ليبيا، كان «للمصور» هذا الحوار مع د.إيمانويل ديبوي، رئيس معهد الاستكشاف والأمن بأوربا المتخصص في الشؤون الجيوستراتيجية والدفاع. 


حال فشل الحكومة الليبية الجديدة في استعادة الأمن والاستقرار، هل سيكون الخيار هو التدخل العسكري في ذلك الوقت لاقتلاع الإرهاب من هذه الأرض أم سيظل الحل السياسي الطريق الوحيد؟


الخيار العسكرى، بالتأكيد الذي أعد على مستوى تكتيكي منذ وقت طويل من قبل قيادات الأركان العليا وبخاصة الفرنسية والإيطالية، يبقى مطروحا، ولكن روما مثل باريس تحاول تجنبه حتى تستنفذ كل الخيارات الدبلوماسية التي تطرحها الوساطة الأممية.


ومبعوث الأمم المتحدة الألماني مارتن كوبلر يفعل كل ما في وسعه لتجاوز العراقيل واستئناف الحوار الصعب بين: حكومة طرابلس التي تدعمها ميليشيات «فجر ليبيا» الإسلامي، وحكومة طبرق المعترف بها دوليا والتي تم انتخابها في يونيو ٢٠١٤.. وعدم نجاح ممثلي هؤلاء في التوصل لتشكيل حكومة وحدة وطنية يرجع إلى الصراع بين القبائل وتزايد نفوذ داعش بقوة في البلاد.


 في حال رفض الأوربيين والتحالف الدولي خيار التدخل العسكري في ليبيا للقضاء على داعش بطلب الحكومة الشرعية، هل تخوض فرنسا وحدها هذه الحرب لتدمير التنظيم الإرهابي؟


 مسألة شرعية عملية عسكرية جديدة في ليبيا مطروحة من جديد بعد مرور خمس سنوات على «عملية هارماتان».. (وهو اسم الشفرة للعملية العسكرية الفرنسية والتي هي جزء من العملية العسكرية الدولية التي تهدف إلى حماية المدنيين في ليبيا من هجمات قوات معمر القذافي بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم ١٩٧٣ الصادر في ١٧ مارس ٢٠١١).. ونتذكر كم كان صعبا الحصول على إجماع داخل مجلس الأمن الدولي.


إن بداية العمليات العسكرية التى قامت بها فرنسا وبريطانيا في إطار حلف شمال الأطلسي كانت بشكل واضح أقل على مستوى دول الاتحاد الأوربي. وبالرغم من قلة حماس ال٢٦ دولة الشركاء بالاتحاد الأوربي فإن الشراكة العسكرية الفرنسية-البريطانية سمحت بوضع حد لنظام معمر القذافي بعد ثمانية أشهر من المعارك الكثيفة.


وفي حال تقدم داعش على الأرض وفشل الحل السياسي فسيكون التحضير لعملية عسكرية محتملة وتعاون عسكري فرنسي-إيطالي يبدو الأقرب من اي عملية أوربية. وأذكر بأن الاتحاد الأوربي متواجد بالفعل قبالة السواحل الليبية ويشارك منذ يونيو الماضي في عملية «يوناف فور ميد» التي تهدف إلى اعتراض زوارق المهربين للمهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا لأوربا.


كيف ترون الآراء التى تقول إن فرنسا هي التي تسببت في هذا الوضع الذي وصلت إليه ليبيا اليوم بسبب مساهمتها في الإطاحة بالعقيد معمر القذافي دون أن يكون لديها رؤية مستقبلية؟


لا أعتقد ذلك.. فالمسئولية مشتركة، والحلول للخروج من الحرب الأهلية التي تصاعدت عقب موت العقيد القذافي تم تطبيقها بطرق مختلفة وفي النهاية كان من المستحيل تطبيقها. أعتقد أن المسئولية يتحملها الليبيون أنفسهم المتنازعون على السلطة.. فقد تم توقيع اتفاق سلام في نوفمبر ٢٠١٥ بين ممثلي المعسكرين المتناحرين وباء بالفشل، ووقف إطلاق النار الذي نتج عنه لم يعد ساريا. كما أن مناوشات وقعت بين قبائل الطوارق والطوبوس (الموالية لميليشيا الزانتان في الشمال).. وهذه ليست المرة الأولى التي يتحاربان فيها. فالمعارك الأولى بين هاتين القبيلتين -اللتين كانتا تعيش في سلام في تلك المنطقة الصحراوية- بدأت في صيف ٢٠١٤ حين تنامت قوة الطوبوس وازداد نطاق سيطرتهم بالأراضي التابعة للطوارق المحاذية مع الجزائر.. وهناك أيضا قوى ثالثة تتخذ من «سبها» عاصمة الجنوب الليبي مقرا لها. ولكن تلك القوة ليس بمقدورها ولا تريد التدخل بين الطوبوس والطوراق نظرا للطابع الاثني والسياسي لأنصارهم ومعارضيهم.


هل تتفقون مع ما تم تداوله مؤخراً بأن الحروب التي تخوضها فرنسا في العراق وسوريا وأفريقيا قد أنهكت الجيش الفرنسي، بالإضافة إلى انتشار الجيش بالأراضي الفرنسية عقب هجمات نوفمبر الإرهابية؟


 الجيش الفرنسي يبذل جهدا هائلا، ولكن نتفق جميعا أن فرنسا بلغت الحد الأقصى لقدرتها: ٣٤ ألف عسكري منخرطين حاليا في الداخل والخارج، فمنهم ٨٠٪ في أفريقيا. ففرنسا كانت على حق حين قررت الانضمام في سبتمبر ٢٠١٤، للتحالف الدولي ضد داعش من خلال عملية «شامال» الفرنسية، والتي تستهدف حاليا التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، ويشارك فيها اليوم نحو ٧٠٠ من العسكريين متمركزين بعمان في الاْردن وأيضا بقاعدة الظفرة بالإمارات العربية المتحدة.. وتدعمها ٢٦ مقاتلة على متن حاملة الطائرات «شارل ديجول» الموجودة حاليا بالخليج.


وأعتقد أن الالتزام المشترك من الدول الأوربية هو السبيل الوحيد لتشكيل مجموعة قوية تأخذ مكانها على الساحة الدولية. فالبند رقم ٧-٤٢ من معاهدة لشبونة الذي لجأت إليه فرنسا لطلب التضامن الأوربي عقب هجمات نوفمبر يؤكد الأدوات القوية التي نمتلكها.. ولدينا كذلك المادة ٢٢٢ من نفس المعاهدة التي تنص أيضا على تعبئة دول الاتحاد الأوربي في حال تعرض إحدى دول الاتحاد لكوارث طبيعية أو هجمات إرهابية. 


ولذلك فمن الملح أن تتحد الدول الأوربية لمكافحة الإرهاب. إسبانيا والمملكة المتحدة مثل فرنسا تعرضتا للإرهاب منذ ٢٠٠٤. بلجيكا في حالة تأهب قصوى. والولايات المتحدة وبريطانيا الآن مسرحا لأنشطة إرهابية منسقة ومحتملة.. وهذا ما أثبتته عملية إطلاق النار في «سان برناردينو» بولاية كاليفورنيا الأمريكية (١٤ قتيلا) أو الهجوم بالسكين في مترو أنفاق لندن منذ عدة أسابيع.


منذ نحو عام ونصف وقوات التحالف الدولي ضد داعش والتي تضم أكبر قوى عسكرية في العالم تحارب هذا التنظيم الإرهابي، فكيف لم تنجح حتى الآن في التخلص منه؟ هل هناك خلل من جانب أجهزة الاستخبارات؟


الضربات الفرنسية الأخيرة على الرقة «عاصمة داعش» في وسط سوريا، والضربات ضد الرمادي والموصل بالعراق، أظهرت أن دول التحالف تستهدف موارد داعش المالية مثل مراكز تكرير البترول والآبار النفطية التابعة للتنظيم والتي لابد من التذكير بأنها تدر دخلا يوميا يقدر بنحو ١،٣ مليون يورو. ونرى أنه بالرغم من إتاحة هذه الضربات لوقف تقدم الإرهابيين ومن استرداد بعض المدن العراقية، إلا أنها ليست كافية لفرض سيطرة حقيقية على الأرض أو لإضعاف داعش بشكل دائم في سوريا. ولذلك فإن قضية التدخل البري باتت مطروحة. فلا بد اليوم من تشكيل تحالف دولي «دائم وغير مسبوق» يضم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الذين أظهروا حتى الآن استجابة ضعيفة لشركاء يتبنون «سياسية الواقع».


كيف تستطيع مصر المتأثرة من الفوضى ومن اتساع معسكرات الإرهابيين في ليبيا من مساعدة هذا الشقيق الجار؟ فهل عليها المشاركة في حرب ضد الإرهاب في ليبيا...؟


أرى أن الدول العربية بالمنطقة وعلى رأسهم مصر هم من لديهم دور إستراتيجي للقيام به في ليبيا. فهناك حاجة ملحة لائتلاف دولي ضد داعش وقد تم التطرق لذلك في ٢٦ أغسطس الماضي بموسكو عندما قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارته لروسيا. حيث تم بحث تحرك محتمل لجامعة الدول العربية في إطار جبهة عربية موحدة تضم سوريا، ضد الإرهاب. فالواقع السياسي يفرض نفسه ويتطلب الأخذ بالاعتبار بوجود قوى دولية مثل روسيا وإقليمية مثل مصر، وهذا في رأيي هو الحل لمحاصرة داعش.


ولا بد أن نصب كل اهتمامنا على جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي الذين لو تدخلوا تحت مظلة الأمم المتحدة سيستطيعون التوصل لحل سياسي لاستعادة الاستقرار في المنطقة بشكل دائم. ونحن في حاجة ملحة إلى ٦٠٠ طائرة يمتلكها هذا الجوار للتدخل اليوم في سوريا والعراق، وغدا في ليبيا.