«شىء آخر غير الحنان»

27/01/2016 - 10:27:15

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض..


«المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الإعترافات وتقدم لها الحلول


أنا آنسة فى الخامسة والثلاثين.. منذ طفولتى وأنا أعيش يتيمة بلا أب.. أمى امرأة شريفة ومكافحة، حياتها تتلخص فى رعايتنا وتربيتنا.


تخرجت من كلية التجارة.. وبدأت مشوارى العملى سريعا فى إحدى الشركات، وانتقلت من عمل إلى عمل، مؤمنة بدورى فى الحياة..


وحلمت ككل الفتيات فى الزواج من شاب متعلم ومحترم أبنى معه عشا.. وأحبه ويحبني.. ونعيش الحياة بما فيها من فرح وألم وعجز ومرض.. حبيب أشيخ معه.


وفشلت فى أن أجد حبا حقيقيا صادقا.. وكل من قابلتهم توددوا فى البداية بالحب والحنان، وسرعان ما تنقلب مشاعرهم إلى كذب، وتتحول كلماتهم إلى رغبات مكبوتة وموضوعات للجنس، ويختفى الحب ويتبخر الحنان.


وفقدت الأمل فى الحب، لكن تمسكت بحلمى فى الأمومة والزواج.. وقلت لنفسى ربما يأتى الحب بعد الزواج..


وانتظرت ابن الحلال الذى يدخل من الباب.. لكن طال الانتظار، ولم يأت ابن الحلال، ولم يدق الباب.


والعمر يجري، وقطار الزواج يجري.. وأجد نفسى وقد تجاوزت الثلاثين أقف وحيدة بائسة على محطة خاوية.. وأنتظر ربما ألحق بقطار آخر، حتى لو كان درجة ثالثة.. لكن لا شىء، سوى الانتظار.


وتمضى السنين، وينطفئ الحماس، وتنكسر الأحلام.. وأنام على وسادة اليأس بلا أمل، وأصحو على كابوس مفزع من الوحدة، وخوف من شبح البوار.


أنا يا سيدى عذراء تتألم فى عذابها الداخلي.. أنثى مع إيقاف التنفيذ.. ما ذنبى لكل هذه المشاعر والآلام ؟!


إننى أعيش حياتى مرغمة كراهبة.. وكآلة معطلة.. إننى أخشى أن أصل للشيخوخة وحيدة بلا بنت أو ولد..


ولا أحد يفهم معاناتى .. ولا أحد يدرك شقائي.


إن نظرات الحسرة والشفقة فى عين أمى تقتلني، وأسئلة الأقارب والجيران تذيبنى خجلا وتربكني.. لقد أصبحت أميل للعزلة والانطواء، والهروب من الناس..


وأقسم لك أننى جميلة الشكل، وعلى درجة عالية من الأدب والاحترام والالتزام .. لكن لا أملك ما تملكه معظم بنات جيلنا من حيل وفنون لاصطياد عرسان.. إن أحلامى الآن لم تعد أكثر من الأمان فى ظل رجل..


وقد ظهر أخيرا رجل ..


مهندس تجاوز الستين، يعمل ما بين أمريكا والقاهرة.. تعاملت معه فى البداية على أنه مجرد قريب لأمي.. وتعامل هو معى بمنتهى الاهتمام.. وشعرت لأول مرة بالحنان.. نعم يا سيدى شعرت بالحنان.


فتح قلبه وحكى لى عن مشوار حياته، ونجاحاته وإخفاقاته.. وحكى لى عن مرارة الوحدة التى يعيشها بعد أن طلق مرتين.. ثم بدأ يرمى بتلميحات خجولة حول الزواج.. وأنا لم أقفل الباب.


وجاء لزيارتنا حاملا معه الهدايا من كل صنف ولون.. وطلبنى للزواج مع وعد بأن كل شروطى ستجاب.


وأنا أشعر بأنى وجدت طوق الإنقاذ، وأنى سأرى العالم من جديد بعيون رجل كريم ونبيل يحبني، ويريد أن يخطف لى نجمة من السماء.


وأمى تدعو الله أن يعوضنى خيرا، ويتم هذا الزواج.


******


وأنا أدعو الله أن تفكرى من جديد.


إن افتقادك لحنان الأب، خلق بداخلك عاطفة وهمية نحو هذا الرجل.. وخوفك من شبح العنوسة الذى يطاردك، يدفعك فى اتجاه قبول الزواج، حتى لو من رجل عجوز.


ولو أن هذا الرجل نبيل حقا كما تقولين، لبحث عن زوجة مناسبة لظروفه وعمره، واكتفى بالتعامل الكريم معك كأب، دون أن يحاول امتلاكك كزوجة له.


وهذا الرجل مهندس يجيد الحسابات.. ويتفنن فى التخطيط للوصول إلى مشاعرك من بوابة الحنان المفقود، وفوق البيعة شوية هدايا وكرم وسخاء.


إن المجتمع الذى لا يرحم آنسة تقدم بها العمر، هو نفسه المجتمع الذى سيكون أكثر قسوة ضدها لو تزوجت رجلا من عمر والدها.


إن زواجه من شابة مثلك، سيجعل منه فى أسوأ الأحوال رجلا قلقا ومبلبلا، يحاصرك ويشك فى علاقاتك بالجميع، وفى كل حركة أو خطوة تمشينها.. وفى أفضل الأحوال لن يكون بالنسبة لك أكثر من أب حنون.


لكن الزواج شيء آخر غير الحنان.. فالعطش يا آنستى لن يرويه بحر مالح، والنار لن تشتعل أبدا بالثلوج.


ورجل تعدى الستين من العمر سيعجز بالطبع عن أن يكون ندا لأنثى شابة فى عمرك.. وأغلب الظن أن مهمتك فى الحياة معه لن تتجاوز دور الممرضة التى تعطيه الدواء فى فمه بانتظام لينام آخر الليل فى أمان.. ثم تحترق هى بمشاعرها فى حسرة وندم وألم.


إن فارق العمر الكبير بينكما يكفى لتدمير كل مشاعر العطف والحنان، واستبدالها بمشاعر الأنانية والقسوة والرغبة فى السيطرة والاستحواذ.


إن قبولك بهذا الزواج، تكونين كمن رمت نفسها فى المحيط ظنا منها أنها فى سفينة غارقة.


وأنا لا أرى أى داعٍ للتسرع حتى لو كنت فى الخامسة والثلاثين. والفرص لا تزال أمامك.. وكل ما يلزمك هو استعادة الثقة والهدوء.. والبحث عن نصيبك ورزقك بوعى واختيار، دون عشوائية واندفاع.


إن الرجال عادة يميلون للفتاة الواثقة من نفسها، والتى تشعرهم بأنهم أمام تحدٍ حقيقى يصعب اجتيازه.. وكل فتاة فى الدنيا لديها قدرات وامتياز.. ولها جمالها الخاص.. وكل فولة ولها كيال، كما يقال.


إن شباب اليوم أصبح شاحبا ومتعبا من إجهادات الحياة.. مترددا وخائفا ومرتعشا أمام قرار الزواج.. وهو مقهور معذور أمام صعوبات الحياة، وتكاليف ونفقات الزواج.


وكل ما يحتاجه شاب مهزوز أمام هذه التعقيدات، هو فتاة عاقلة وصادقة يطمئن لها، ويثق فيها.. وتشجعه.


ولو وجدتِ هذا الشخص، اقتربى منه دون خجل.. ولا تترددى فى احتواء خوفه وتبديد قلقه.. وإقناعه بأجمل ما فى شخصيتك.


وأجمل ما فيكِ هو استعدادك الصادق لمعاونته على تحمل شقاء هذه الدنيا، ومشاركته يدا بيد فى الحياة.


وأنا أثق أن القادم من الأيام، سيحمل معه خيرا لك، وسعادة وابتساماً.


إن الفرص لا تزال أمامك.. فلا تتعجلى النصيب بقرار طائش وزواج غير مضمون، تعودى منه خاسرة وخائبة.


إن مسئولية اختيارك لن يتحملها سواكِ، ولن يدفع فاتورتها غيرك.. فإما التسرع والخسارة، وإما الصبر ورمى السنارة، وانتظار رزقك من جديد.