دماء على جدار السلطة (٩) خروجًا عن مبادئ الإسلام

27/01/2016 - 10:24:31

بقلم - رجائى عطية

لم تنته بمصرع الحسين عواقب تحويل معاوية للخلافة من الشورى إلى ملكية وراثية، فلم يكن الحسين هو الوحيد من الصحابة ومن أبناء الصحابة الذى اعترض على توريث الخلافة ليزيد ببيعة باطلة اصطنعها أبوه معاوية، وكان من كبار المعارضين لهذا التوريث عبد الله بن الزبير بن العوام، أو «العائذ بالبيت»، وهو اللقب الذى اشتهر به منذ غادر المدينة هربًا من البيعة الإجبارية التى يلويهم عليها معاوية، وطلبًا للأمان إلى جوار البيت العتيق فى مكة.


وقد أغناه وجود الحسين وحركته عن التقدم للقيادة، فلم يكن المسلمون يعدلون بالحسين أحدًا، مثلما انشغل يزيد بأمر الحسين عن التصدى لابن الزبير الذى حذره أبوه معاوية منه، وقال له إنه خبُّ ضبٌّ، وأوصاه إن ظفر به أن يقطعه إربًا إربًا، إلاَّ أن يلتمس منه صلحًا، فإذا فعل قَبِل منه حقنًا للدماء.


وبمصرع الحسين رضى الله عنه هذا المصرع المأساوى الشنيع فى كربلاء، تفرغ يزيد لابن الزبير الذى صارت إليه الريادة، واشتد أمره، والتف حوله كثيرون ممن بقى من الصحابة وأبنائهم وكبار التابعين وأهل الحجاز عامة، وزاده مصرع الحسين واستياء المسلمين من قتله هذه القتلة المنكرة ـ زاده قوة بتحول السخط الهائل على يزيد وحكمه وجوره، إلى تأييد لابن الزبير والتفاف من حوله، وساعد على انتشار دعوته ـ دعوة عبد الله بن الزبير ـ زهد الباقين من الصحابة فى الخلافة، وقعود وضعف أمراء الأمويين فى الحجاز، وانصراف الأمويين عن الحجاز إلى الشام، وتدهور أحوال الحجاز وأهله، وتنامى السخط العام على الحكم الأموى، من تحويل الخلافة عن طريق المبايعة والشورى إلى ملكية وراثية، وقصر الولايات والمناصب على الأمويين، وسوء سيرة يزيد ولعبه ولهوه وسكره وصيده ـ فى مقابل تقوى ابن الزبير وورعه، فضلا عما أدى إليه مصرع الحسين وآل البيت، من غضب شديد واستياء عارم بين المسلمين عامة، وبين بنى هاشم خاصة، هذا إلى ما يحمله المسلمون من تقدير وإكبار لابن الزبير التقى الورع، العائذ بالبيت، ابن الزبير بن العوام حوارى الرسول، وابن عمته، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان ابنه عبد الله أول مولود للمسلمين بالمدينة بعد الهجرة، ولد له من ذات النطاقين أسماء بنت أبى بكر، صاحبة الدور المعروف بنقل الطعام والشراب يوميا وخفيةً تحت ستر ظلام الليل فى بداية الهجرة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبه والدها أبى بكر الصديق.


صراع على السلطة


على أن الصراع الذى امتد واشتد، لم يكن فى الواقع صراعًا بين المسلمين حول الإسلام، وإنما كان صراعًا على السلطة كما سوف نرى، فإذا كنا نشتد باللائمة على
«معاوية»، فلأنه هو الذى أحدث هذا «الرتق» بخروجه بغير حق على بيعة الإمام علىّ رابع الخلفاء الراشدين صاحب السيرة العطرة فى الإسلام والالتزام بسنة النبى عليه الصلاة والسلام ومنهج الشيخين أبى بكر وعمر، ثم لأن معاوية هو الذى حول دفة الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض وملكية وراثية، وتابعه ولده «يزيد» حبًّا فى السلطة التى زُينت له ـ بغير استحقاق ـ تحت جناح سلطة وسلطان أبيه!


افتقاد حكم يزيد للمشروعية


وقبل أن نترك «يزيد» إلى «عبد الله بن الزبير»، لنرى كيف سارت الأمور، من الواجب أن نشير إلى أن حكم «يزيد» افتقد «المشروعية» من البداية، ولم تكن
«المشروعية الدينية» هى فقط المفتقدة، فلم يَعُدْ بنو أمية يبالون بها، وإنما افتقد
«المشروعية السياسية» أيضًا، لأنه وإن كان صاحب مشروعية فى الشام التى دانت له ولأبيه معاوية، إلاَّ أن هذه المشروعية كانت فى أقل التقادير «قلقة» غير مستقرة وغير مستوية فى باقى الأمصار الإسلامية، سيما فى العراق والحجاز.


عبد الله بن الزبير


ولم يكن عبد الله بن الزبير ـ على ورعه وتقواه ـ بمنأى عن فكرة طلب الحكم والصراع عليه وعلى السلطة، وكان لذلك جذور تجلت فى خروجه مع أبيه الزبير بن العوام
وطلحة بن عبيد الله على الإمام علىّ، هذا الخروج الذى أدى إلى موقعة الجمل التى انتصر فيها الإمام علىّ رابع الخلفاء، وقُتِلَ فيها طلحة بن عبيد الله، أما الزبير بن العوام فقد بارح المعركة بعد حديث له مع الإمام علىّ، متنحيّا عن هذه الفتنة التى تُنَازع بغير حق فى خلافة الخليفة الرابع، ولكن اللافت أن نجله عبد الله بن الزبير، عارض معارضةً شديدة فى انسحاب أبيه الزبير من المعركة، وحاول أن يثنيه عن قراره فلم يفلح.


فقد كان والده الزبير.. حوارى الرسول ـ قوى الدين شديد الورع والتقى والخوف من الله، وبدأت حيرته فى البصرة حينما رأى افتتان الناس واختلافهم، وازدادت حيرته حين عرف أن «عمّار بن ياسر» قد أقبل فى أصحاب الإمام علىّ، وكان المسلمون يتسامعون بقول النبى صلى الله عليه وسلم لعمّار: «ويحك يا ابن سمّية! تقتلك الفئة الباغية!»، فلما عرف الزبير أنه فى جيش علىّ ـ أصابته رعدة شديدة إشفاقًا أن يكون هو من هذه الفئة الباغية، وحسم الزبير أمره حين ناداه الإمام علىّ وتحدثا بين الصفين وذكَّرَه بما كان من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام لهما أن الزبير سيقاتله يومًا وهو له ظالم، فقال الزبير: «والله لو ذكرتها ما خرجت. والله لا أقاتلك أبدًا».. ثم إنه قد استبانت له بصيرته، وحزم أمره، وانصرف ولم يقاتل، وإنما قُتِلَ غيلة فى وادى السباع، قتله ابن جرموز غدرًا وهو يصلى، وحزن الإمام علىّ لمقتله حزنًا شديدًا وبَشَّرَ قاتله بالنار!


ويذكر الرواة أن عبد الله بن الزبير اشتد على أبيه الزبير اعتراضًا على تركه ساحة القتال، حتى إنه عَيَّر أباه بالجبن ليستنفره للبقاء، وقال له: «رأيت رايات أبى طالب وعلمت أن تحتها الموت فجبنت!»، وما زال بأبيه حتى أحفظه، إلاّ أن الزبير انتفض يقول لابنه: «ويلك! إنى قد حلفت أَلاَّ أقاتل عليًّا!»، فدعاه عبد الله لأن يُكَفِّرَ عن يمينه بعتق غلام، إلاَّ أن الزبير لم يطاوعه، وغادر إلى حيث قتل غيلة وهو يصلى بوادى السباع، قتله ابن جرموز الذى أنذره الإمام علىّ بالنار.


ولا مراء فى أن عبد الله بن الزبير أصيب بخسارة كبيرة فى موقعة الجمل.. بما أسفرت عنه المعركة، وبفقد أبيه الزبير وصاحبه طلحة، فانزوى ولم يشارك فى قتال معاوية ضد الإمام علىّ، ولكن معاوية أرسل إليه وإلى عبد الله بن عمر يدعوهما ليحضرا التحكيم بعد «صفين»، فأجاباه كارهين، إذْ لم يكن أى منهما مقتنعًا بأحقية معاوية فى الخلافة، ورغم ذلك فقد شهد ابن الزبير التحكيم وكان أحد الخمسة الذين وقعوا اتفاق أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص، والذى خالفه عمرو كما هو معروف حين قدَّم أبا موسى ليتحدث قبله أولاً، ثم نكل عمرو بن العاص عما اتفقا عليه وأعلنه أبو موسى، وردد عمرو أنه يوافقه على خلع صاحبه، ولكنه يثبت صاحبه معاوية!


ابن الزبير والحسين


وتحدث المؤرخون بأن ابن الزبير كان يسرّ رغبته فى ولاية الأمر تقديمًا للحسين الذى يعلم أن المسلمين لا يعدلون به أحدًا، ويقال إنه ممن شجعوا الحسين على الخروج إلى العراق خلافًا لما نصحه به عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب وآخرون.


وفصَّلَ الطبرى فى تاريخه مادار بين ابن الزبير والحسين فى هذا الشأن، فقال إنه إثر لقاء الحسين بابن عباس الذى نصحه بالبقاء، أتاه ابن الزبير فحدثه ساعة، فقال فيما قاله له: « ما أدرى ما تَرْكُنا هؤلاء القوم وكَفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم! خبرنى ما تريد أن تصنع ؟ »، فلما حدثه الحسين بنيته الذهاب إلى الكوفة التى أتته كتبٌ من شيعته فيها، شجعه ابن الزبير على الارتحال إليها، وقال له محبذًا:


«أما لو كان لى بها مثل شيعتك ما عدلت بها». ويضيف الطبرى أن ابن الزبير خشى أن يتهمه الحسين فى نواياه، فاستدرك قائلا: «أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله».


ويُقال إن الحسين عَقَّبَ بعد انصرافه قائلاً لبعض أهل البيت: «ها إنّ هذا ليس شىء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معى شىء، وأن الناس لم يعدلوه بى، فَوَدَّ أنى خرجت لتخلو له».


ويُقال إن ابن عباس عاود المحاولة مع الحسين ليثنيه، فلما لم يجد لذلك سبيلاً قال
له: «لقد أقررت عَيْنَ ابن الزبير بتخْلِيَتك إياه والحجاز والخروج منها، وهو اليوم
لا ينظر إليه أحدٌ»، ويُقَال إن ابن عباس مَرَّ بعد خروجه بعبد الله بن الزبير فقال له:
« قرت عينُك يا ابن الزبير! ثم قال من رَجْزِ طرفة:


يالك من قُبَّرة بمعَمْرِ


خلا لك الجوّ فبيضى واصْفِرِى


ونقِّرى ما شئت أن تُنَقَّرى


ونقل الطبرى بسنده عن بعض الرواة، أنهم ألفوا الحسين وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحُجْر والباب، فلما قاربوهما سمعوا ابن الزبير وهو يقول للحسين: «إن شئت أن تقيم أقمت فولِّيت هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحنا لك وبايعناك؛ فقال له الحسين: إن أبى حدثنى أن بها (بمكة) كبشًا يستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا هذا الكبش؛ فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وتولينى أنا الأمر فتطاع ولا تعصى؛ فقال الحسين: وما أريد هذا أيضا». (الطبرى ٥ / ٣٨٣ ـ ٣٨٥)


مكانة ابن الزبير غير منكورة


وأنت تستطيع بالتمعن فيما دار بين ابن الزبير والحسين، أن تستشف بوضوح أن
عبد الله بن الزبير كان مشغول الخاطر بولايته للأمر، وإلى حد أن عرض على
«الحسين» أن يوليه هو الأمر، فيُطَاع ولا يُعصى.


ولم يكن تطلع ابن الزبير للخلافة بعيدًا عن إدراك الصحابة وأبناء الصحابة، فلم يبايعه عبد الله بن عباس ولا عبد الله بن عمر، وقال ابن عمر لزوجته صفية بنت أبى عبيد حين تحدثت إليه فى تعضيد ابن الزبير: «أما رأيت بَغْلات معاوية التى كان يحج عليها، فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن!»، فى إشارة واضحة إلى أن ابن الزبير يرمى إلى تولى الخلافة.


ولا لوم على ابن الزبير أن يكون متطلعًا إلى الخلافة، راغبًا فيها، فقد كان بخلاف أسبقية الحسين عليه ـ أهلاً لها جديرًا بها، فقد كان صالحًا ورعًا تقيًّا، ويجمع المؤرخون على أنه من أبرز شخصيات صدر الإسلام، وذكر المؤرخ «كاترمير» فيما نقله عنه الدكتور على حسنى الخربوطلى فى كتابه عن «عبد الله بن الزبير» (أعلام العرب العدد ٤٣) ـ ذكر أنه بعد الإمام علىّ بن أبى طالب، فإنه لم يكن من بين العرب المتطلعين إلى الخلافة فى القرن الأول الهجرى، رجل اجتمعت له الحقوق والمؤهلات ؛ مثل عبد الله بن الزبير.


ولا شك أنه ضاعف مكانة وجدارة عبد الله بن الزبير بالخلافة، فضلاً عن صفاته وسجاياه وتاريخه ـ رحيل الحسن ثم الحسين، وانصراف عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما من كبار الصحابة عن التفكير فى تولى الخلافة، فبدا عبد الله بن الزبير الفارس المقدم على الساحة، الجدير بولاية الخلافة التى ضاق المسلمون بأيلولتها إلى يزيد بن معاوية، الذى عاد بعض زواره من أهل المدينة ينقلون رغم ما بذله لهم من عطايا، أنهم قدموا على رجل ليس له دين، ويشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الحُرَّاب (اللاعبين بالحراب) والفتيان!


(الطبرى ٥/ ٤٨٠).


سلوك يزيد!


فقد أجمع المؤرخون الثلاثة الكبار، الطبرى وابن الأثير وابن كثير، على أن
يزيد بن معاوية عزل عن المدينة الوليد بن عتبة، وولّى عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وهو فتًى غرٌّ حَدَث لم يجرب الأمور ولم يحنكه السن والتجارب، ولا يكاد ينظر فى شئ من سلطانه ولا عمله، فأوفد إلى يزيد وفدًا من أهل المدينة، فيهم عبد الله بن حنظله بن أبى عامر، غسيل الملائكة، وعبد الله بن أبى عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومى، والمنذر بن الزبير، ورجالاً من أشراف المدينة، فأكرمهم يزيد وأجازهم وأعطاهم، وأعطى فيمن أعطاهم عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر، غسيل الملائكة، وكان شريفًا فاضلاً عابدًا سيدًا، وأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى كل واحدٍ من أبنائه الثمانية عشرة آلاف درهم غير الكسوة والهدايا، وأجاز يزيد باقى أعضاء الوفد مثلما أجاز عبد الله بن حنظلة.


واتفق المؤرخون الثلاثة أنه لدى عودة الوفد إلى المدينة، لم يخف أعضاءه ما أجازهم به وأهداهم إياه يزيد بن معاوية، بل وروى عبد الله بن حنظله، غسيل الملائكة، تفاصيل ما أجازه به هو وأبنائه الثمانية، إلاَّ أن ذلك لن يمنعه من أن ينقل إلى المسلمين الحق الذى رآه وشاهده، واتفقت رواية الوفد، على ما تقدم بيانه، على أن يزيد ليس له دين، ويشرب الخمر حتى ليدع الصلاة، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان بالمعازف، ويلعب بالكلاب، ويسامر الحُّرَّاب (اللاعبين بالحراب) والفتيان. وأنهم يشهدون الناس أنهم قد خلعوه، فتابعهم أهل المدينة ووافقوهم على خلعه، وبايعوا غسيل الملائكة: عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر على الموت. (الطبرى ٥/٤٨٠، ٤٨١، ٤٩٥ ـ ابن الأثير ٤/١٠٢، ١٠٣ ـ ابن كثير: البداية والنهاية ٨/١٨٣، ١٨٤).


ويُقال إن يزيد غضب غضبًا شديدًا حين بلغه الأمر، وبعث مندوبًا عنه «النعمان بن بشير» ومعه بعض الأمويين ممن كانوا بالشام، محملاً برسالة تهديد ونذير ووعيد إلى أهل المدينة، دفعها النعمان إلى «عثمان بن محمد بن أبى سفيان» الوالى على المدينة، فتلاها على الناس، ويُقال إنهم ما كادوا يسمعون ما فيها حتى انهالوا سبًّا ليزيد وعامله على المدينة، وعاد النعمان بن بشير إلى يزيد فى دمشق، وقد أخفق فى مهمته اخفاقًا تامًّا، وكان ذلك إيذانًا بشطط كبير، بدأت أولى مشاهده «بواقعة الحرة»، فكانت هى الأخرى مأساة بالغة، أسلست إلى مآسٍ أخرى فى هذا الصراع الدموى الضرير على السلطة!!! (للحديث بقية)