أغنياء مصر .. يخذلون مصر!

19/08/2014 - 12:08:49

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : عبدالقادر شهيب

بعد بضعة أسابيع هي عمر دعوة الرئيس السيسي أغنياء مصر للتبرع لصندوق «تحيا مصر» ورغم تجديده هذه الدعوة عدة مرات بلغت حصيلة الصندوق حتي الآن قرابة العشرة مليارات جنيه .. وهذا المبلغ شديد التواضع لاعتبارات عديدة وليس فقط مقارنة بالمبلغ الذي كان ينشد الرئيس جمعه في الصندوق وهو مائة مليار جنيه.


فما تم جمعه في الصندوق حتي الآن لا يتجاوز ما تحتاجه الموازنة العامة لسد العجز فيها لمدة أسبوعين فقط، حيث يصل العجز المقدر في موازنة العام المالي الجديد «2015/2014» إلي نحو 250 مليار جنيه، وذلك بعد الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة لتخفيض العجز بنحو 51 مليار جنيه من خلال تخفيض الإنفاق الحكومي، خاصة الإنفاق الخاص بدعم الطاقة.


كما أن هذا المبلغ الذي تم جمعه في صندوق «تحيا مصر» يمثل نسبة ضئيلة جداً من قيمة ودائع القطاع الخاص والقطاع العائلي في البنوك والتي تصل إلي قرابة التريليون جنيه.. وفوق ذلك فإن هذا المبلغ الذي تم جمعه لا يكفي سوي لتوفير عدد محدود من فرص العمل «25 ألف فرصة عمل» في ظل بطالة تتزايد يوما بعد الآخر حتي تجاوزت الآن 13.6 في المائة وهي مرشحة للتزايد إذا لم نوفر علي الأقل فرص عمل تكفي للذين يدخلون سوق العمل سنوياً.


وهكذا يكون ما تم جمعه في الصندوق رغم الإلحاح وبعد لأي لا يتناسب لا مع القدرات المالية الموجودة للأغنياء والقادرين في هذا البلد ولا مع الاحتياجات الخاصة بالاقتصاد المصري لكي يخرج من عنق الزجاجة ويتجاوز المشاكل الخطيرة التي يعاني منها والناجمة عن شح الاستثمارات وتراجع معدلات النمو الاقتصادي إلي مستوي يقل عن معدل نمو السكان، مما أدي إلي زيادة معدلات الفقر في المجتمع، ليصل عدد القابعين تحت خط الفقر الآن في غضون السنوات الأربع الأخيرة من 20 في المائة إلي 26 في المائة، وأيضاً لتزيد الضغوط علي أبناء الطبقة المتوسطة الذين انخفض مستوي معيشة عدد كبير منهم خاصة هؤلاء الذين ينتمون للفئات الدنيا من هذه الطبقة.


وحتي هذا الرقم الذي نتحدث عنه وتم جمعه في صندوق «تحيا مصر» وهو العشرة مليارات جنيه هو أيضا رقم وهمي وليس حقيقياً.. فهناك من أعلن عن تبرعه بأسهم مملوكة له في شركات قائمة، أي ليس بأموال سائلة جاهزة لتمويل استثمارات جديدة نحتاجها «وهناك أيضا من أعلن عن تبرعه بمستحقات له لدي جهات وهيئات حكومية، أي بأموال علي الورق لأن هذه الجهات لو كانت قادرة علي سداد هذه الديون لقامت بذلك .. وهناك كذلك من أعلن عن التبرع بالتقسيط أي التبرع بمبلغ ما علي ثلاث وخمس سنوات، ما يعني أن الأموال التي يتبرع بها ليست جاهزة علي الفور لتمويل ما نحتاجه من استثمارات.


إذن نحن أمام حالة من عدم الاستجابة لدعوة الرئيس السيسي لجمع أموال من خلال التبرعات المصرية، تبلغ نحو مائة مليار جنيه لتستخدم في تمويل استثمارات تحتاجها بشدة لرفع معدل النمو الاقتصادي الذي تراجع لأقل من 2 في المائة أيضا نحتاج لرفعه إلي 7 في المائة علي الأقل وبشكل دائم لسنوات عديدة حتي ننقذ اقتصادنا من أزماته الحادة.. الاستجابة حتي الآن ضعيفة ومحدودة للغاية ومخجلة لأنها لا تتناسب مع قدرات أغنياء هذا البلد الذين يملكون الكثير من الثروات والقدرات المالية نجحوا في الحصول عليها خلال عدة عقود مضت، حينما أقدمت الدولة علي انتهاج سياسات التحول إلي اقتصاد السوق وهي السياسات التي اعتمدت آليات لم تمكن فقط من إنجاز وإتمام هذا التحول وإنما ساعدت أيضاًَ هؤلاء الأثرياء علي زيادة معدلات مراكمة ثرواتهم وتضخيمها، حتي صار هؤلاء الأغنياء الذين يمثلون طبقاً للإحصاءات الرسمية نسبة 20 في المائة من أفراد المجتمع يستأثرون وحدهم بحوالي نصف جملة الاستهلاك فيه بينما نسبة 20 في المائة الأفقر في المجتمع استهلاكهم لا يتجاوز نسبة 8 في المائة من الاستهلاك، وهو ما يشي بحجم الظلم الاجتماعي البين في المجتمع.


إن لدينا مجموعة من رجال الأعمال علي مدار عدة عقود مضت قبل تنفيذ سياسات التحول الاقتصادي وبعد عمل شاق جهود مضنية نجحوا في تجميع ثروات كانت لا تتجاوز في أحسن الأحوال 500 مليون جنيه لكل منهم .. لكن هؤلاء بعد أن بدأ تنفيذ سياسات التحول إلي اقتصاد السوق وباستثمار آليات هذا التحول وفي غضون العشر سنوات الأولي من القرن الحالي نجحوا في تكوين ثروات تفوق هذا الرقم بكثير وتتراوح ما بين 10 إلي 20 مليار جنيه لكل منهم.


وقد نجح هؤلاء في استثمار آليات التحول الاقتصادي لأنهم شاركوا البيروقراطية المصرية في صياغة ووضع وتحديد هذه الآليات، فجاءت لتحقق لهم الفرصة الكبيرة لمراكمة الثروات الضخمة وبمعدلات تفوق ما سبق أن حققه الآباء في عقود سالفة سبقت هذا التحول الجديد الذي بدأ حثيثا في عصر الرئيس الأسبق أنور السادات واستكمل بخطي سريعة في عصر الرئيس الذي تلاه محمد حسني مبارك.


لقد جاءت الآلية التشريعية علي رأس هذه الآليات التي اعتمدها التحول الاقتصادي الذي شهدته البلاد .. حيث كان أمراً طبيعياً ومفهوماً لإزالة العقبات والقيود التي تعيق وتمنع تحقيق التحول إلي اقتصاد السوق .. وبدأ إعمال هذه الآلية منذ عام 1976 حينما تم إصدار قانون جديد للاستثمار يسمح للقطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي في الاستثمار في قطاعات جديدة متنوعة كانت محظورة عليه .. وعلي مدي عدة عقود تم تعديل حزمة كبيرة من التشريعات والقوانين الاقتصادية .. لكن خلال هذه المسيرة التشريعية تم التغافل عن وضع قواعد منضبطة تحكم هذا التحول وتحمي المجتمع من أخطار الاحتكار الذي وأد المنافسة في مهدها ولم يوفر الحماية للمستهلك سواء من المغالاة في هوامش الربح أو من الغش وسوء الإنتاج .. وحينما تم صياعة قوانين لعلاج هذه المخاطر كان هناك حرص علي أن تكون حافلة بالثغرات وناقصة وغير محكمة لتسمح بوجود واستمرار الاحتكار، وبالتالي استمرار مراكمة الثروات وتحقيق الربح السهل والسريع.


ولم يقتصر الأمر علي الاحتكار فقط لمراكمة الثروات وإنما كان معه أيضا الأسلوب الذي كان يتم به منح أراضي الدولة.. فقد كان يتم منح هذه الأراضي بشكل انتقائي وبطريقة تخلو من المساواة لعدد من رجال الأعمال الذين استفادوا من ذلك كثيرا وراكموا ثروات هائلة وصاروا مليارديرات كباراً .. والمثال البارز والصارخ هنا تجسده حالة رجل أعمال شهير حصل علي مساحة من أراضي الدولة ليقيم عليها مدينة سكنية .. حيث حصل عليها مقابل حصول وزارة الإسكان علي عدد من الوحدات السكنية التي سيقيمها عليها .. لكنه فور استلامه للأراضي سارع بضمها لأصول شركاته المطروحة في البورصة فارتفع سعر السهم فيها .. ثم حصل علي قروض بضمان هذه الأراضي كما سارع للترويج لمشروع المدينة ليجمع مقدمات من الراغبين في شراء هذه الوحدات وكان في حملة الترويج الواحدة يجمع ما يتجاوز المليار جنيه!.. وهكذا لم تكن عملية تخصيص الأراضي مجرد آلية لتحقيق التحول الاقتصادي ولكنها كانت في ذات الوقت آلية لتمكين بعض المحظوظين لتكوين ثروات هائلة وضخمة.


وذات الأمر ينطبق أيضا علي آلية الخصخصة .. وإذا تغاضينا عن الجدل الذي كان وما زال حول سعر بيع الشركات التي تمت خصخصتها فإننا لا نستطيع أن نتغاضي عن الطريقة التي كان يتم بها البيع والتي كانت تشمل كل أصول هذه الشركات بما فيها الأراضي وقد لجأ عديد من المشترين إلي بيع هذه الأراضي ليستردوا الكثير مما دفعوه إن لم يكن كل ما دفعوه ثمنا لشراء هذه الشركات.. وحدث ذلك مبكرا جداً ومع أول شركة تم خصخصتها وهي شركة البيبس كولا التي سارع المشتري إلي نقل موقع للشركة من إحدي مناطق الجيزة لبيع أرضها بسعر كبير.


أما الآلية الرابعة التي اعتمدت عليها عملية التحول الاقتصادي فقد كانت هي آلية منح التراخيص، وهي آلية استثمرها تاريخياً أهل البزنس للحصول علي ربح سهل وسريع .. فهي آلية خبروها وعرفوها مبكراً وقبل البدء في عملية التحول الاقتصادي مع تراخيص الأسمنت الشهيرة قبل الثمانينات من القرن الماضي.


وهكذا حقق نفر من رجال الأعمال بفضل الآليات التي اعتمدتها عملية التحول الاقتصادي ثروات ضخمة في غضون العشر سنوات الأولي من القرن الحالي ولذلك فاقت هذه الثروات كثيرا ما سبق أن حققه الآباء من رجال الأعمال في عدة عقود سبقت بدء عملية التحول إلي اقتصاد السوق .. وساعدهم علي ذلك أو يسره نجاحهم في نسج علاقات وثيقة مع دوائر الحكم، وهو ما درج علي تسميته بزواج المال والسلطة وقتها.


غير أن قوائم الأغنياء في مصر لا تقتصر علي هؤلاء فقط، أو هؤلاء المشهورين من رجال الأعمال والذين اجتمع بنحو خمسين منهم الرئيس عبدالفتاح السيسي ليطمأنهم بأن الدولة لن تحيد عن نظام اقتصاد السوق مع اهتمامها الجاد بتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر في المجتمع، وأنه لن يجبرهم علي دفع تبرعات مالية أو عينية حتي ولو بسيف الحياء بينما قدموا هم له قائمة طويلة من المطالب تبدأ بتحسين مناخ الاستثمار وسياسات ضريبية واضحة ولا تنتهي بجدول زمني لترشيد الطاقة ووضع استراتيجية لمستقبلها هي والمياه، وإعادة صياغة التشريعات الاقتصادية والتصالح مع أصحاب المشروعات المخالفين بالطريق الصحراوي وغيره!


فهناك بجانب رجال الأعمال المشهورين هؤلاء عدد آخر أكبر من رجال الأعمال أو مشهورين إعلامياً.. وهؤلاء يصنفون بالطبع ضمن قوائم الأغنياء في مصر ولديهم القدرة والملاءة المالية التي تتيح لهم التبرع إذا شاءوا لصندوق «تحيا مصر»، وإذا كانت الأضواء عادة تركز علي رجال الأعمال المشهورين إعلاميا عند الحديث دوما عن المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال فإن الإعلام ينسي دوماً العدد الأكبر من رجال الأعمال الآخرين غير المشهورين والذين يتعين مطالبتهم أيضا بتلك المسئولية الاجتماعية، خاصة إذا كنا نتأهب الآن لإعمال قواعد المنافسة في السوق وكسر الاحتكار الذي أتاح لحفنة من رجال الأعمال السيطرة علي أوجه النشاط الاقتصادي المختلفة، سواء أنشطة الإنتاج أو أنشطة الاستيراد والتجارة.. فهؤلاء يعانون مثل المستهلكين من الاحتكار الذي منعه زواج المال والسلطة في المجتمع وسوف يستفيدون من كسر هذا الاحتكار ولذلك وجب عليهم أن يلتزموا بمسئوليتهم الاجتماعية .. بل إن النهوض بالاقتصاد المصري ونجاحه في تجاوز مشاكله وأزماته سوف يفيد كل رجال الأعمال سواء المشهورين أو غير المشهورين لأن كل ربح يحققه هؤلاء يعتمد أولا علي قدرة المستهلكين علي استهلاك ما ينتجه أو يبيعه رجال البزنس من سلع وخدمات .. فكلما زادت قدرة المستهلكين علي الاستهلاك سوف تزيد مبيعات وإنتاج رجال الأعمال وبالتالي سوف تزيد أرباحهم .. ومن هنا فإن مصلحة من يعملون في البزنس سواء كانوا مستثمرين أو مستوردين أو تجارا تكمن في زيادة قدرة المجتمع علي الاستهلاك .. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تمكين الفقراء وإنقاذهم من الفقر وتحسين دخول أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، ويتحقق ذلك كله من خلال زيادة معدل النمو الاقتصادي وهو ما يحتاج لضخ أموال ضخمة في استثمارات واسعة.


إذن الأمر يتجاوز مجرد المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال ويتسع ليشمل مصلحتهم المباشرة.. فهم سوف يستثمرون وينتجون ويبيعون سلعا وخدمات أكثر إذا نما الاقتصاد بمعدلات أكبر وبخطي أسرع .. وهذا يعني أن ما سوف يتبرعون به سوف يحصدون مقابله مستقبلاً أضعافه حينما سوف يزيد نشاطهم الاقتصادي وتتراكم أرباحهم بالتالي أكثر وأكثر.


ويضاف إلي ذلك أن الثراء ليس مقصوراً فقط علي طائفة رجال الأعمال سواء المشهورين منهم أو غير المشهورين .. فهناك فئات أخري في المجتمع غير رجال البزنس يصنفون أثرياء أيضاً .. تضم هذه الفئات الثرية فنانين وفنانات وإعلاميين وإعلاميات، ورياضيين من لاعبي الكرة ومدربيها، وهؤلاء تقدر دخولهم بملايين الجنيهات .. وذات الأمر ينطبق علي أطباء كبار ومحامين كبار ومحاسبين كبار دخولهم أيضا تقدر بملايين الجنيهات .. معظم هؤلاء لا يدفعون المستحق عليهم من ضرائب فنحن نتابع عقوداً صورية للاعبي الكرة ومبالغ ضخمة تدفع من تحت المائدة، ونتابع أيضا ذات العقود الصورية لعدد ليس بقليل من الفنانين والفنانات والإعلاميين والإعلاميات.


والمثير للاستفزاز أننا لم نسمع حتي الآن عن محام كبير أو طبيب كبير أو محاسب كبير أو إعلامي كبير أو لاعب كرة شهير دفع شيئاً لصندوق «تحيا مصر» .. وأين هؤلاء الإعلاميون الذين يساومون بقوة لزيادة عقودهم وأين هؤلاء الإعلاميون الذين ينتقلون بين قتاة وأخري؟.. وأين هؤلاء الأطباء الكبار الذين يتم الحجز لديهم بعد عدة أسابيع؟.. وأين هؤلاء الفنانون الذين كانوا يتصدرون المشهد السياسي؟.. تحديداًَ أين ذلك المحاسب الكبير الشهير الذي كان يحتكر كل أعمال الحكومة بمساعدة وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي وكسب من وراء ذلك الملايين؟.. كل هؤلاء للأسف أحجموا عن التبرع ولو ببضعة آلاف من الجنيهات لصندوق تحيا مصر لمساعدة بلادهم علي تجاوز أزمتها الاقتصادية.. بل لقد صدمنا فنان كبير شهير حينما خرج لينفي خبر تبرعه لصندوق تحيا مصر، مبرراً ذلك بأن كل ما لديه من مجهوده أو فنه فقط.


وهكذا كل هؤلاء الأغنياء وليس رجال الأعمال وحدهم خذلوا بلادهم في وقت تحتاج فيه بشدة إليهم وتمد أيديها إلي الخارج تبحث عن مساعدة ومساندة الأشقاء في الخليج.. لقد بخلوا علي بلادهم ببضعة ملايين أو آلاف الجنيهات التي كسبوها من خير هذا البلد والذي بدونه ما صاروا أغنياء، في الوقت الذي يساهم فيه المواطنون العاديون بالقليل الذي لديهم في مساعدة بلادهم.. وأن المناشدات الرئاسية لهم لم تجد أو تفلح في تحريك مشاعرهم.. عدد محدود منهم فقط هو الذي قرر أن يشترك في تحمل قدر من أعباء مواجهة الأزمة الاقتصادية، وإذا كان هؤلاء يستحقون الشكر، فإن من تقاعس يستحق اللوم الشديد علي التهرب عن دفع ضريبة وطنية واجبة السداد الآن في وقت يدفع البعض منا هذه الضريبة.. من دمه.


إذن لا جدوي من مناشدة الأغنياء للمساهمة في تحمل أعباء إنقاذ اقتصادنا.. فكل ما أثمرته هذه المناشدات الرئاسية لا يغطي حتي تكلفة مشروع واحد بدأناه وهو مشروع قناة السويس الجديد الذي يعد واحداً من قائمة مشروعات المشروع الأكبر الخاص بتنمية محور قناة السويس.


فما الحل إذن مع هؤلاء الأغنياء؟


البعض رأي منذ وقت مبكر، وتحديداً منذ أول مناشدة من الرئيس السيسي لأغنياء هذا البلد، أن يتم عرض مشروعات محددة مثل بناء مدارس أو إقامة طرق أو تطوير عشوائيات، أو إصلاح أحوال القري الأكثر فقراً، علي رجال الأعمال كل علي حدة وتكليفهم بإتمامها بمعرفتهم والإنفاق علي هذه المشروعات بشكل مباشر، بدلاً من التبرع لصندوق «تحيا مصر».. وعلل هؤلاء اقتراحهم هذا بأن ثقافة التبرع في بلادنا ضعيفة، كما أن تاريخ التبرعات في بلادنا، يفتقد الثقة فيه من قبل المتبرعين.. بينما التبرع لإقامة مشروعات محددة تقام في مدي زمني محدد وبمعايير محددة أيضاً سوف يشجع رجال الأعمال أكثر علي التطوع بالجهد والتبرع بالمال، خاصة وأنهم مازالوا يتذكرون ما سبق أن تعرضوا له من ابتزاز أصحاب الحكم كان آخره وأكثره فجراً في خلال العام الذي نكبنا فيه بحكم الإخوان الفاشي والمستبد.


أما البعض الآخر فإنه يري أن أسلوب إلزام الأثرياء بدفع الضرائب أجدي من مناشدتهم لتقديم التبرعات.. لذلك يطالب هؤلاء بإعادة النظر في النظام الضريبي القائم لإجبار الأغنياء علي دفع ضرائب أكبر وأكثر تتناسب مع حجم ثرواتهم.. وحتي يتحقق ذلك يمكن العمل بجهد أكبر علي ملاحقة هؤلاء الأغنياء لدفع الضرائب المتهربين من سدادها علي مدي سنوات مضت والتي بلغت طبقاً لآخر حصر لها نحو 20 مليار جنيه تمثل متأخرات ضريبية مستحقة علي كبار الممولين.


بينما يري آخرون أن تركيز دعوة التبرع علي عدد محدود من رجال الأعمال لا يكفي ويجب توسيع هذه الدعوة لتشمل كل قطاعات وفئات الأثرياء في مصر رجال الأعمال غير المشهورين وكل أصحاب الدخول العالية في المجتمع من فنانين وإعلاميين وأطباء ومهندسين ومحامين ومحاسبين، بل وأيضاً العاملين في الخارج.


ولا بأس بالطبع من اللجوء إلي تنفيذ كل هذه الاقتراحات مع الأخذ في الاعتبار أن بعض هذه الاقتراحات يحتاج لدراسة قبل تنفيذه مثل زيادة الضرائب لحين الوقت المناسب لتنفيذه، حيث من الخطأ زيادة الضرائب بنسبة كبيرة في ظل حالة ركود اقتصادي.. لكن الأغلب أن حصيلة التبرع في نهاية المطاف لن تلبي طموحاتنا حتي ولو لجأنا إلي كل الحيل وزدنا جرعات المناشدات وراهنا علي الحس الوطني!


نعم سوف تزيد التبرعات والمساهمات من قبل الأثرياء، خاصة رجال الأعمال، لكن هذه الزيادة ستظل غالباً أقل مما نحتاجه من أموال نستثمرها في مشروعات تساهم في زيادة معدل النمو الاقتصادي لبلدنا حتي نتمكن من حل مشكلة البطالة أو علي الأقل نخفف من وطأتها، ونوفر مستوي معيشياً مناسباً للأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الذين يعانون من انخفاض دائم لا يتوقف في مستوي معيشتهم.


إن التاريخ لا يحمل في طياته سوي القليل من الأمثلة عن تبرع الأثرياء طوعاً في خدمة مجتمعاتهم، خاصة لو كانت مثل مجتمعاتنا.. مثل هؤلاء يمثلون استثناء، ولذلك اخترع العالم نظام الضرائب لإجبار الأغنياء علي المساهمة بقدر من دخولهم الضخمة والعالية في تمويل ما تحتاجه بلادهم من خدمات أساسية مثل خدمات الصحة والتعليم والأمن وأيضاً البنية الأساسية.. فما بالنا ونحن لا نحتاج أموالاً للإنفاق علي هذه الخدمات الأساسية فقط وإنما نحتاج معها وبالإضافة لها أموالاً ننفقها علي استثمارات ضرورية وعديدة نحن في أشد الحاجة إليها الآن حتي نوفر فرص عمل لطابور العاطلين الذي يزداد طوله لدينا، وحتي نوفر مستوي معيشياً مناسباً للفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة في بلادنا بزيادة دخولهم وتوفير الاحتياجات الأساسية والآدمية لهم.


لذلك..


علينا أن نفتح الباب علي مصراعيه - بلا عوائق بيروقراطية - الآن وفوراً لكل من يرغب في الاستثمار لإقامة استثمارات جديدة بعد التأكد من جديته وأيضاً بعد ضمان شروط المنافسة الكاملة داخل السوق، الأمر الذي يقتضي منا حرباً نبدؤها بلا هوادة ضد كل الاحتكارات التي تسيطر علي أسواقنا، وهي احتكارات معروفة وليست سرية أو خفية.


إذا حدث ذلك سوف يقدم كثيرون علي الاستثمار في بلادنا سواء من الداخل والخارج لأنهم سوف يرون أنهم سوف يربحون، ولن يعترض استثماراتهم أحد أو يعطلها بيروقراطياً أو احتكارياً.. ولا ننسي أن لدينا راغبين في الاستثمار كثيرين ينتظرون منذ وقت طويل تطهير أسواقنا مما نعانيه من احتكار.. لا يكفي المراهنة فقط علي عدد محدود من رجال الأعمال الذي اكتفي بعضهم من الاستثمار في داخل بلاده وسعي الآن لتوظيف أمواله في الخارج.. قاعدة المستثمرين لدينا يجب أن تتسع لتشمل جموعاً من المستثمرين الكبار والصغار معاً، المصريين والعرب والأجانب معاً.. هنا فقط سوف يراجع بعض كبار رجال الأعمال المشهورين حساباتهم وسيقومون بإنفاق المزيد من أموالهم في استثمارات جديدة لهم داخل مصر.. ويجب أن نتذكر أن ما نحتاجه الآن وبشدة هو زيادة الاستثمارات في بلادنا.. فهي التي سوف توفر فرص العمل الجديدة.. وستزيد إنتاجنا وتزيد موارد الخزانة العامة من ضرائب وموارد، وتزيد في نهاية المطاف من معدل النمو الاقتصادي.


إذن بدلاً من تبديد جهدنا في مناشدات لا تجدي كثيراً ولم تحرك مشاعر الأغنياء في بلادنا إلا قليلاً فلنركز جهدنا علي العمل التنموي الحقيقي مثلما شرعنا في مشروع قناة السويس الجديدة.. وبما أن قدرات الموازنة لا تكفي لتمويل كل ما نحتاجه من استثمارات ولا قدرات أيضاً القوات المسلحة تكفي لتحمل الأعباء الكبيرة لهذه الاستثمارات فيجب أن نشجع كل المستثمرين علي الاستثمار في بلادنا ولا يقتصر تشجيعنا علي عدد محدود من هؤلاء المستثمرين مثلما كنا نفعل في السنوات الماضية.


والسبيل الأساسي لتشجيع كل المستثمرين سواء كانوا مصريين أو أجانب علي الاستثمار في بلادنا هو إشاعة جو المنافسة في أسواقنا بعد تطهيرها من الاحتكار، حتي لا نصبح أسري لعدد محدود من كبار رجال الأعمال نناشدهم ونستجديهم أو حتي نضطر للضغط عليهم لدفعهم علي المساهمة بقدر من أعباء حل الأزمة الاقتصادية.


أما بقية الأغنياء في مصر فلنتعامل معهم بذات الأسلوب الذي تتعامل به حكومات الدول التي تنفذ فيها سياسات اقتصاد السوق، وهو أسلوب الضرائب.. وقبل أن نفكر في زيادة الضرائب المفروضة عليهم علينا أن نقوم أولاً بإلزامهم بدفع ما يتهربون من الضرائب المقررة عليهم ولم يسددوها ثم نقوم ثانياً بملاحقتهم ضرائبياً حتي لا يتلاعبوا في عقودهم مثلما يفعل بعض الفنانين أو الرياضيين أو الإعلاميين أو المحامين والمحاسبين وبذلك فقط يتحقق وعد الرئيس السيسي لهم: «حتدفعوا حتدفعوا»!.