«تهريج مغازى»!

27/01/2016 - 10:03:26

محمد حبيب محمد حبيب

بقلم - محمد حبيب

لا يتوقف الدكتور حسام مغازى وزير الرى عن إثارة الجدل بتصريحاته الغريبة، فبعد تصريحاته المتكررة لتخدير مشاعر المواطنين بشأن سد النهضة، وحديثه الدائم عن أن المفاوضات مع إثيوبيا إيجابية، وأن المفاوضات هى الحل ولا داعى للحلول الأخرى، وهو الأمر الذى - للأسف - يعطى دائما قوة للمفاوض الإثيوبى، ووصل الأمر لوصف البعض مغازى بأنه وزير الخارجية الإثيوبى وليس المصرى!


الأسبوع الماضى خرج علينا مغازى بتصريحين غريبين الأول هو إعادة اكتشاف الخزان الجوفى النوبى، وأن المياه الجوفية تحت هذا الخزان تكفى مصر ١٠٠ عام، حيث إنه ممتد ليغطى ٨٥٪ من مساحة مصر، وتشترك فيه كل من مصر وليبيا والسودان وتشاد، من خلال حفر آبار عميقة، أثبتت نتائجها وجود اتصال بين الخزانين النوبى والسطحى.
واضح أن تصريحات مغازى جاءت لطمأنة الناس بسبب قلقهم من تأثير سد النهضة على حصتنا فى مياه النيل، ولكن العلماء المتخصصين - كالعادة- ردوا بوضوح وحسم وبالعلم على تصريحات مغازى التهريجية فى عدة نقاط وهى:


أولا: لا توجد دراسات جيولوجية تؤكد تواصل الخزانات فى الدول المذكورة.. لكن هناك «جيولوجيا سياسية» غير الجيولوجيا العلمية المعروفة.. يفتى بها المتعلقون بالسلطة على حسب ماتريد الحكومة، لأنه علميا طبيعة الأرض تحت السطح ليست شيئا واحدا كقطعة القماش، ولكن بها صدوع تعمل على حجز المياه هنا، وعدم تسربها إلى هناك، هذا مايعرف بالتراكيب الجيولوجية، يعرفه الجيولوجيون أكثر من مهندسى رى المياه السطحية، والمفترض يعرفه مهندسو الرى المهتمون بالمياه الجوفية، والدليل أنك تحفر فى مكان تجد فيه مياها وفى مكان آخر لاتجد مياها وذلك بسبب عائق بين منطقتى الحفر الذى تسببه الصدوع والقواطع.


ثانيا: لاتوجد دراسات جيولوجية إحصائية تؤكد أن الخزان الجوفى ممتد ويغطى مساحة ٨٥٪ من مساحة مصر.. وأن هذا تهريج علمى غير مسموح به فى دولة تريد أن تنهض على العلم والمصداقية، مطالبين وزير الرى بنشر تلك الدراسة إن كانت أصلا موجودة.


ثالثا: الحديث عن أن الخزان يكفى لمائة عام.. لايليق بقول متخصصين فى وزارة الرى.. حيث لم تجر دراسة تحدد كميات المياه بالآبار المحفورة كلها، ولا مساحة الأراضى التى تستفيد منها، ولا معدل البخر، ولانوعية النباتات وكمية المياه التى تستهلكها فى الفصول الثلاثة.


رابعا: بالورقة والقلم، مساحة الصحراء الغربية ٦٨.١٪ من مساحة مصر، ومساحة الصحراء الشرقية ٢٢.٣٪، وشبه جزيرة سيناء ٦.١٪، وأراض زراعية قديمة ٣.٥٪، يعنى الاكتشاف الجديد يغطى كل أراضى الصحراء الغربية والصحراء الشرقية التى هى أصلا سلاسل جبال البحر الأحمر وجبال المقطم وهل ممكن نزرع تحت الجبال! طيب الصحراء الغربية تشمل الساحل الشمالى الغربى من الإسكندرية للسلوم وهل يصلها هذا الاكتشاف؟!


خامسا: هناك دراسات على بعض الآبار وهى دراسات دقيقة لكنها قليلة ولاتصلح للتعميم، ولا توجد دراسة واحدة تجرأت على تحديد كميات المياه التى يوفرها هذا الخزان.. كما لاتوجد دراسة واحدة تؤكد أنها مياه متجددة.. والمحصلة أن وزير الرى يمنح إثيوبيا مبررا إضافيا ومجانيا بالمضى قدما فى بناء سد النهضة، فهو بهذه التصريحات يؤكد أن مصر ليست فى أزمة مياه وأن المياه الجوفية تكفيها ١٠٠ عام، وهو ما تستغله إثيوبيا جيدا لكسب تعاطف وتأييد لها فى سد النهضة.


التصريح الآخر المثير لوزير الرى «أن سعر الفدان فى مشروع المليون ونصف المليون فدان سوف يصل إلى حوالى ٣٠ ألف جنيه»، بما يعنى أن الشاب الذى يريد أن يزرع ٥ فدادين يحتاج إلى حوالى ١٥٠ ألف جنيه لشراء الأرض، ناهيك عن تكلفة زراعتها، وبالتالى شرط أن تكون مليونيرا حتى تستطيع زراعة ٥ فدادين عمى فى الصحراء، المبالغة فى سعر الأرض شرط تعجيزى يهدد بعدم الإقبال على المشروع وعدم نجاحه، على الرغم من قيام الوزير بتدبيج المقالات فى الصحف عن إنجازاته فى هذا المشروع وبقية قطاعات وزارة الرى.. ولا أعرف كيف لمسئول يلمع نفسه بهذا الشكل فى الصحف.. هل وصلت الفوضى لهذه الدرجة!


يبدو أن وزير الرى من المسئولين الذين يعتبرون أن السياسة هى فن الفهلوة والخداع ليبقى فى الكرسى، بينما السياسة فى الدول المتقدمة هى علم الاستراتيجيات مدعوما بعلم المتخصصين لتنفيذ الاستراتيجية، لكن ما العمل وقد استبدلنا أهل العلم بأهل الثقة؟!