لصوص رغيف العيش

27/01/2016 - 9:58:06

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبد اللطيف حامد

لم يعد من المقبول السكوت على فساد شون القمح التابعة لوزارة التموين أو حتى شركات المطاحن سواء الحكومية أو الخاصة بعد فضيحة ضبط ٥٠٠ طن قمح ودقيق مسرطن داخل شركة مطاحن جنوب القاهرة، وعرضها مؤخرا بالصوت والصورة الإعلامى وائل الإبراشى فى برنامجه العاشرة مساء.


والغريب أن محمود يوسف رئيس مجلس إدارة الشركة اعترف بهدوء أعصاب يحسد عليه أنهم اكتشفوا اختفاء ١٢٠٠ طن من المخازن بمنطقة الهرم تتجاوز قيمتها ٤ ملايين جنيه، وعندما شعر الموظفون المسئولون بنية إجراء جرد للمخزن قاموا بإدخال ما يقرب من ٥٠٠ طن فاسد ومسرطن للتستر على جريمتهم، وتناسى السيد المسئول وزملاؤه فى المجلس الموقر أنهم مذنبون بسبب إهمالهم وتقصيرهم فى أداء الدور الرقابى والمتابعة المستمرة للمهام التى يتقاضون عليها الرواتب والمكافآت فى كل جلسة أو اجتماع لا يضيف جديدا، ولايصلح خطأ.


واستفزنى بشدة ما قاله رئيس مجلس الإدارة الهمام إنه سارع بإجراء اتصال هاتفى بوزير التموين د. خالد حنفى الذى أصدر توجيهاته لمباحث التموين لتقوم بفحص المخزن وتحفظت على ٦٠٠ طن من الدقيق المسرطن، دون أن يسرد قائمة المسئولين المتورطين من أكبر رأس إلى أصغر رأس بعيدا عن سياسة « كبش الفداء» من صغار العاملين وتلبيسها لأمين المخزن أو مساعده، و»طرمخة القضية»، وطبعا لو حصلت هذه الكارثة فى دولة عربية أو غربية لكانت الدنيا انقلبت رأسا على عقب، وتحقيقات موسعة للوصول إلى مافيا الفساد فى منظومة دقيق التموين من أول المستوردين ومسئولى الحجر الزراعى مرورا بالعاملين فى الصوامع، وفى الوقت نفسه القائمين على أمر شون القمح المحلى التى يأتى منها القمح إلى هذه المطاحن، وحتى أصحاب المخابز المتعاملين معها فردا فردا مع التحرى بدقة لمتابعة مسار كل حفنة دقيق تسربت إلى مخابز القطاع الخاص، وإجماع مجتمعى على إقالة الحكومة وليس وزير التموين فقط أو إقالة رئيس الشركة.


وهنا ضربت كفا بكف وتذكرت القصص والحكايات التى يتداولها أبناء قريتى عن بعض موظفى الشون التابعة لبنك التنمية والإئتمان الزراعى المورد الرئيسى للقمح المحلى لوزارة التموين، فمنهم من أصبح مليونيرا فى سنوات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة بسبب تكوين تنظيم لمحاولة عرقلة المزارعين والفلاحين عن توريد المحصول فى التوقيت المناسب، والإسراع بإغلاق باب الشون فى وجوههم حتى لا يسلموا الأردب بسعر يتراوح ما بين ٤٤٠ إلى ٤٦٠ جنيها ثم يجوبون القرى والنجوع «كعب داير» فى نهاية كل موسم لشراء آية كميات من القمح القديم بسعر لا يزيد عن ١٦٠ جنيها للأردب، وطالما أن معظمهم يعملون فى الشون الحكومية يسارعون من اليوم الأول لفتح باب توريد القمح فى إدخال ما جمعوه من كميات ضخمة بسعر بخس، وحالة متردية فى ظل إصابته بالسوس والحشرات والأتربة إلى الشون على أنه من محصول الموسم الجديد مقابل رشة رشاوى على باقى العاملين من زملائهم تمهيدا لخلطه مع القمح الجديد، وكان الله بالسر عليما دون وازع من ضمير أو خوف من رقابة، وكما يقول المثل الشعبى» المال السايب يعلم السرقة».


وطالما أن الشيء بالشيء يذكر، نفس السيناريو ينفذه مستوردون بالاتفاق مع بعض الموظفين خربى الذمم فى المطاحن عندما يأتون بأقماح درجة عاشرة، ولا تصلح للاستخدام الآدمى ثم يدخلونها على أنها قمح محلى بعشرات أضعاف سعرها بحثا عن الثراء السريع على حساب صحة المصريين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.


بصراحة لم تخل علىَّ مسألة فضيحة دقيق شركة مطاحن جنوب القاهرة المسرطن أو الفاسد فى أقل تقدير، حرصا على مشاعر الناس الذين أصابهم القرف واليأس من كثرة أوجه الفساد، وقائمة الأمراض التى تطاردهم بسبب فساد الضمائر فى المأكل والمشرب والملبس، وأتصور أن هذه الجريمة يقف وراءها طابور طويل من الموظفين يتقدمهم ثلة من كبار قيادات الشركة فى مختلف القطاعات، وأنها ليست السابقة الأولى ولن تكون الأخيرة، والأخطر أنها موجودة فى العديد من الشركات والمطاحن الأخرى، وعشرات الشون بطول البلاد وعرضها لغياب الرقابة، وعلى الأجهزة الرقابية، وفى مقدمتها هيئة الرقابة الإدارية وجهاز الكسب غير المشروع فتح هذا الملف، ورصد كل الممارسات المشبوهة التى تزكم الأنوف فى كافة الحلقات مع التحرى عن مصادر الثروة، التى هبطت على بعض الموظفين والمسئولين فى هذه المنظومة بليل، ودون مبرر منطقى، من أجل الحفاظ على المال العام، وتجريس ومحاكمة من تثبت إدانته؛ ليكون عبرة لمن لا يعتبر، فهم لصوص رغيف العيش، إن محاكمة المجرمين معناها طمأنة الشرفاء فى هذا البلد بأن الجريمة لا تنفع. والله أعلم.