ارحـمــــــونا..

27/01/2016 - 9:52:57

عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

زميلنا الصحفى أحمد يوسف قضى أربعة أيام لا تنسى،كان يمر أمام حديقة الأورمان عندما استخرج الموبايل وقرر تصوير الأشجار والعصافير،بعدها سقطت يد غليظة على كتفه لتسأله : “بتصور مين ؟” أعتقد أنها نكتة وحاول أن يتفاهم مع العسكرى بلا جدوى وفى النهاية راح وفقا لتعليمات العسكرى لضابط المرور الجالس بجوار الونش فى الشمس يحتسى القهوة،ومن اللحظة الأولى انتفخ الضابط بعدائية وأخبره أن عليه تسليم الموبايل وإلا سيسحقه،أعطاه الهاتف وتبين أن بداخله صورة وحيدة للمكان يظهر بزاويتها البعيدة ونش المرور.


حاول أحمد إقناعه بأنه صحفي، وإن كانت المشكلة فى الصورة الوحيدة يمكنه مسحها ،وقدم له أوراقا ،لكن الضابط أصر على اصطحابه مقيدا بالكلابشات لقسم الدقي،وهناك كتب محضرا بأن الباشا ( أحمد ) متخصص تصوير ضباط وأكمنة الشرطة وينتمى لثورة ٢٥ يناير (وكأنها تهمة) وأن من الأفضل استجوابه فى أمن الدولة ،وهكذا جرى استجواب أحمد مرتين : واحدة فى قسم الدقى والثانية بحضور ضابط أمن الدولة .


استعان أحمد يوسف بموبايل أحد الجنود الواقفين ليتصل بالجريدة ويطلب محاميا فأحيل العسكرى الغلبان للتحقيق ووقعت عليه عقوبة فقدان دفعة !


الغريب أن ضابط أمن الدولة كان أسرع المتعاملين مع مشكلة أحمد يوسف وبمجرد الاستماع للقصة اعتذر له وأدرك أن كل ما قاله ضابط المرور كلاما فارغا .


فى اليوم التالى راح أحمد يوسف للنيابة وعاد لوجود خطأ فى الإجراءات .


ضابط المرور المحتقن كان يروح ويجيء كل يوم للاطمئنان على إعدام أحمد يوسف ،وفى اليوم الخامس وصل أحمد يوسف للنيابة فأفرجت عنه بلا قيد أو شرط بعد خمس دقائق.


كان من الواضح أن النيابة تستقبل أفواجا كل يوم من المواطنين الذين جربوا النوم فى سجون الأقسام مع المجرمين والقتلة لأول مرة، وأن أمثال ضابط المرور الذى ترك الشارع والإشارات ليتفرغ لمحاربة ثورة يناير كثيرون .


السؤال : هل أحيل هذا الضابط للتحقيق؟


والسؤال الأهم : هل كان هذا الضابط يعمل من رأسه ؟ أم أن هناك توجيهات بالقبض على أى شاب فى الشارع بتهمة وضع يده فى جيبه أوالتحدث على الفيس بوك أو إطالة الشعر؟


آلاف الشباب قضوا عقوبة بلا جريمة، وزادت -بفضل ضباط بلادراية سياسية- درجة الاحتقان.


ذكرى ثورة يناير(المجيدة) مرت بسلام ،ورغما عن أنف كل من نصّبوا أنفسهم للإدعاء بأنها لم تكن ثورة وكانت أجندات أجنبية،ستظل ٢٥ يناير أهم ثورة فى حياة المصريين .


لكن دعونا نتحدث بعد انقضاء القلق السائد بعقلانية،لأن الناس تكاد تنفجر من الممارسات الفظة والإجراءات الغشيمة، التى لا تفيد فى مجملها الأمن، بل تعكس إحساسا لدى المواطنين ليس فى صالح الشرطة والدولة.


خذ مثالا، فى وسط البلد وبالتحديد فى منطقة الألفى جرى تجديد الأرصفة وتبليط الشارع للمشاة وتطوير المنطقة، بعدها خرجت المحافظة على أصحاب المقاهى والكافيتريات بفتوى تفيد أن يستأجر صاحب الكافيتريا أمتارا من الرصيف، ووافق أصحاب الدكاكين، وصار صديقى صاحب المقهى يسدد لمحافظة القاهرة ٦ آلاف جنيه شهريا ثمنا للرصيف (ولا أحد يعرف أين تذهب حصيلة تلك الأموال)، مر على هذا النظام الآن ثلاثة أشهر، لكن يبدو أن السادة العاملين بالمرافق اكتشفوا أن المحافظة سرقت منهم الدجاجة التى كانت تبيض ذهبا، فبدأوا منذ أيام بمداهمة الكافيتريات بحجة مخالفتها واحتلالها للرصيف، ولما استخرج صاحب الكافيتريا إيصال المحافظة (المكتوب عليه ٦ آلاف جنيه شهريا لصيانة الرصيف) أفتى موظف المرافق بأن هذا الإيصال لا يعنيه، ووجه الخطاب لمعاونه قائلا: (أعمل له ٦ فى ٦ مخالفة) وما فهمته أن هذا معناه أن صاحب الكافيتريا سرق ٣٦ مترا من أملاك الدولة وتلك غرامتها الفورية ٥ آلاف جنيه.


بعدها بساعات دخل موظف آخر، وتوجه فورا نحو التليفزيون داخل المقهى، فلم يجد التليفزيون، وأسقط فى يده، كان من الواضح أنه جاء لتحرير محضر مصنفات فنية أو يقبض المعلوم وينصرف، ولما لم يجد التليفزيون صرخ فى وجه صاحب المقهى: «أين رخصة المحل»؟


استخرج الرجل الرخصة، كان الوقت عقب صلاة ظهر الجمعة يوم ١ يناير ٢٠١٦، والرخصة مكتوب عليها ٢٠١٥ فصرخ الموظف: «أين رخصة ٢٠١٦؟» فقال صاحب المقهى”: الرخصة تجددت فى ١٥ فبراير ٢٠١٥ أى أن أمامها أكثر من شهر ونصف ولا يمكن تجديدها يوم الجمعة صرخ الموظف قائلا: “هذا لا يعنينى” وكتب محضر مخالفة غرامته خمسة آلاف جنيه.


هكذا سيسدد صاحب المقهى أكثر من عشرة آلاف جنيه، وهكذا يشعر الناس بالاختناق من تصرفات هؤلاء فهل من دولة تردعهم أم أن كل واحد منهم يتصرف وحده كدولة؟


مثال آخر، أمر يوميا على جامع عمرو بن العاص، الطريق اتجاهين، لكنهم أغلقوا (لدواع أمنية لا نعرفها أحد الاتجاهين)، وهو الطريق الواقع أمام جامع عمرو، وكل يوم فى الطريق الضيق المؤدى لمجمع الأديان يتخبط الناس والمركبات وسيارات السياح من الأتوبيسات الطويلة تعانى المرار للدوران داخل الشارع الضيق، والناس يركبون فوق بعضهم البعض ويلعنون يوم أن ولدتهم أمهاتهم، وكل ما أريد أن أعرفه: «هل جامع عمرو بن العاص هدف إرهابى؟ حتى يغلق المرور من أمامه»؟


أيضًا ما يجرى فى ميدان التحرير يدعو للعجب، من ميدان التحرير لميدان عبد المنعم رياض، أغلقت الشرطة الرصيف العريض بمحاذاة أسوار المتحف المصرى، بالأسلاك الشائكة، وأغلقت النفق الواصل بين التحرير وموقف الميكروباص، والناس تمر (اضطرارا) فى عرض الشارع فلاحين وأمهات وأفندية فى فوضى، ولا أحد يعرف ما علاقة إغلاق هذا الرصيف بزيادة الأمن؟


ارحمونا.. وحجة ٢٥ يناير مرت بسلام.