من حكايات الزمن الجميل عندما قال هيكل لعبد المنعم إبراهيم: أنا آسف

19/08/2014 - 12:04:11

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم: يوسف القعيد

فى الكتاب الممتع والذى صدر بعد رحيل صاحبه: ألفريد فرج. وعنوانه: ذكريات وراء القضبان. والذى أعده للنشر: شقيقه نبيل فرج. فصل طويل جميل عن محمد حسنين هيكل.. فيه عودة لزمان مضى. ويدور حول مشكلة مسرحية حلاق بغداد مع جريدة الأهرام. أحاول رواية حكاية الفريد فرج عن هيكل. أركزها لأبعد الحدود. فالفصل طويل. وكم كانت رغبتى فى تركه كما هو. لأن الفريد فرج بقدر ما كان كاتباً مسرحياً له مذاق خاص. فقد كان روائياً جميلاً. أصدر رواية واحدة فى حياته عنوانها: حكايات الزمن الضائع فى قرية مصرية. وله أيضاً مجموعة من القصص القصيرة. عنوانها: قصص قصيرة.


فى صباح باكر كان ألفريد لا يزال نائماً وسمع جرس التليفون يدق ففكر فى تجاهله، ولكن إصرار الجرس جعله يرفع السماعة وهو بين النوم واليقظة، فسمع صوت الصديق العزيز أحمد بهاء الدين. يسأله بعد أن اعتذر إن كان قد أيقظه من النوم. "هل قرأت الأهرام اليوم"؟


قال له: لم أقرأ شيئاً بعد، ولكن الصحف عندى.


طلب منه قراءة الأهرام وألا ينزعج مما سيقرؤه. وأن ينتظره بالبيت حتى يتصل به تليفونيا مرة ثانية.


وضع ألفريد السماعة وأفاق فجأة. "قرأت الأهرام!". لم تكن من عادة الكاتب المبدع أحمد بهاء الدين الاتصال به مبكراً هكذا!. رغم أنه ممن يستيقظون فى الصباح الباكر، وكان هو يعرف أن ألفريد لا يستيقظ مبكراً. فعلام الاتصال؟!


"قرأت الأهرام"!". لابد أن فى الأمر شيئاً خطيراً. طار النوم إذن من عينيى ألفريد، وبدلاً من أن يسمع نصيحته ولا ينزعج. وجد نفسه فى غاية الانزعاج والتوتر.


ها هو الأهرام بين يديه. الصفحة الأولى. لا شئ. صفحة "بلا عنوان". الأخيرة المهتمة بالفن والأدب. لا شئ. صفحة الفنون التى يكتب كتابها عن المسرح ليس فيها شئ!.


عاد ألفريد من جديد إلى تقليب الصفحات. أحمد بهاء الدين حدد جريدة "الأهرام"، وها هى صفحاتها. الأنباء الخارجية، أخبار الدولة، الأقاليم. الفنون والآداب. ليس بها شئ!. يقرأ من جديد. الصفحة الأولى، الثانية. إلى أن وصل إلى افتتاحية الأهرام بعنوان "مجرد رأى" التى تمثل رأى صحيفة "الأهرام" (وبالتالى رأى الدولة) فى القضايا السياسية الكبرى! اليوم على رأسها عنوان صغير لم يكد يراه إلا بصعوبة. وعند القراءة الرابعة أو الخامسة. هو "حلاق بغداد"!.


خفق قلبه فجأة. لا يعرف هل خفق من الخوف أم من الغضب.


واقرأ معه المقال الذى لا يوقعه أحد عادة لأنه المقال الرسمى للأهرام:


"كل من كتب عن مسرحية "حلاق بغداد" التى يعرضها المسرح القومى الآن لم يلمس حقيقة خطيرة تنطوى عليها هذه المسرحية. ذلك هو مضمونها العام وما تريد أن تقوله فى النهاية. ألم يكتشف الكتاب هذا المضمون أم أنهم تجاهلوه عن عمد؟!".


"المسرحية تقول إن خليفة المسلمين كان معزولاً عن واقع شعبه، ولم يكن يدرى شيئاً من أمر المفاسد التى تنخر فى جسد الأمة". "وهل هذا كان طابع الخلافة العباسية فى بغداد؟!!. أم أنه رمز يراد عن طريقه قول ما هو أخطر؟!. "سؤال مطروح على السادة النقاد الذين لم يروا فى المسرحية إلا أنها قصة حب جميلة أو ملهاة ممتعة". الكاتب لم يوقع بإمضائه وكتب ما كتب باسم صحيفة "الأهرام"، أو باسم الدولة. مما أزعج أحمد بهاء الدين أيما إزعاج فاتصل بألفريد على الفور. انتاب ألفريد الغضب، واليأس، والخوف، وشعر بالمرارة به. وتساءل: ماذا يراد لى ويراد بى؟!. كان وحيداً فازداد شعوراً بالوحدة، مضطرباً فازداد إحساساً بالتطير، والاضطراب. وتذكر ما كان من الهجوم المر والملح عليه وعلى مسرحيته أثناء عرضها: "سقوط فرعون".


مرارة وحيرة


الآن تعود السيرة، واليوم أفظع من الأمس. لأن قول "ما هو أخطر" يشير إلى جمال عبد الناصر نفسه. حاكم البلاد. ويا هول ما قد يترتب على الإشارة، وكاتبها يعرف ما قد يترتب عليها. ويعرف ما عاناه من قبل. ويدفع السلطة لتكرار معاناته!. هذا كاتب زميل، وصحفى زميل. مما يجعل شعوره أعمق مرارة، وحيرته أوقع وأغرب.


ولم تكن إشارة الكاتب صادقة لأن الذى أزعجه فى المسرحية لم يكن فى الواقع اتهام الخليفة العباسى أو اتهام من هو أخطر على ألفريد من الخليفة العباسى. بأنه كان معزولاً عن واقع شعبه. وإنما الذى جعل الكاتب يحرض السلطات على ألفريد به كانت مطالبة الحلاق للخليفة أو من هو "أخطر على ألفريد من الخليفة" بالديمقراطية"!. والحلاق لم يتكلم إلا بعد حصوله على منديل الأمان وطلب لكل مصرى منديل الأمان مثله.


من باب التذكر أقول إنه كان لهذا المقطع أثر الماس الكهربائى بين الجمهور، أطلق شرارة توهجت بها الصالة فكان التصفيق والضحك ودب الأقدام على الأرض. يضفى على المشهد بعداً "جماهيرياً" ربما يتجاوز ما كان ألفريد يتصوره. بما دعاه أن يطلب من الفنان عبد المنعم إبراهيم أن يمسك بالخيط بقوة، ويضئ الصورة بالحركة والنبرة والإيقاع المسرحى، فكان إذا أخذ المنديل يلوح به للوزير والقاضى الشهبندر فيتمايزون غيظاً ويتباعدون ويحدجون الحلاق بنظرات الوعيد. وهو ينشر المنديل ويطويه متحدياً. فإذا أطلق عبارته: "لكل رجل منديل" أشار على الناس فى الصالة والناس فى البلد. فتجيبه الصالة بالحماس والضحك وبآهات الراحة فى الصدور. والدق على المقاعد والتصفيق. كأنهم يوقعون بالموافقة لما يطلبه الفنان عبد المنعم إبراهيم. منديل لكل مصرى. بالتحديد منديل أمان.


تسوية القضية


نعود لرواية ألفريد. لقد دق جرس التليفون وهو غارق فى خواطره. وقال له أحمد بهاء الدين:


- "خلاص يا ألفريد. لا تنزعج، لقد سوينا المسألة، وسنحضر إلى المسرح محمد حسنين هيكل (رئيس تحرير الأهرام) وأنا لترضية الفنانين. لا تسألنى عن شئ. وأرجو أن تكون فى انتظارنا".


ذهب ألفريد إلى المسرح ككل مساء قبل العرض بساعة، واتجه مباشرة إلى غرفة عبد المنعم إبراهيم فوجده متضايقاً، ولكنه لم يتحدث عن المقال وإنما قال بصوت لا يكاد يسمع:


- "يا ألفريد.. صوتى مبحوح.. البرد أصاب حنجرتى. وصوتى راح.. هل نلغى الحفلة الليلة؟!".


فقال له مدير المسرح: "لا أستطيع الإلغاء.. اشرب شاى بالزبد وادع الله..".


فقال: "ربنا بسهل"!


وخرج من عنده مع مدير المسرح المرحوم "آمال المرصفى" الذى أدار نهضة المسرح القومى من العام 1962 إلى العام 1969 بكفاءة عالية.


قال ألفريد للأستاذ آمال:


- "أرجو حجز بنوارين للأستاذين هيكل وأحمد بهاء الدين الليلة".


- سأله: "قرأت الأهرام"؟.


وأكمل: "تصور أن الإقبال اليوم وصل إلى حجز جميع المقاعد ثلاث ليال مقدماً ولا يزال الطابور أمام الشباك طويلاً"!.


قال له ألفريد: "سبحان الله..".


قال: "مقال الأهرام هو السبب".


فتعجب ألفريد من قوله وشعر بالقلق.


قبل رفع الستار أتى الأستاذان هيكل وبهاء، وعبر هيكل لألفريد عن أسفه للمقال غير اللائق. وذكر له أنه كان غائباً ليلة الطبع. وأنه عاقب المتسبب فى نشر المقال، ووعده أن تقف جريدة "الأهرام" مدافعة عن حرية التعبير فى المسرح.


رفع الستار وكان صوت عبد المنعم إبراهيم لا يزال مبحوحاً خافتاً، فسأل ألفريد الأستاذ هيكل إن كان يود لقاء الممثلين فى الكواليس أثناء الاستراحة، فرحب بذلك. وذهبوا فى الاستراحة ليزوروا الممثلين فى غرفهم. فما كان أروع تعبير الدهشة على وجه عبد المنعم إبراهيم حين سمع الطرق على الباب وفتحه فرأى محمد حسنين هيكل الطارق وأحمد بهاء الدين وألفريد.


وقد كان هيكل كريماً وسخياً فى الثناء على المسرحية وإظهار الأسف من المقال السخيف، ووعد أن يكون "الأهرام" نصير الحرية فى التعبير فى المسرح وللثقافة المسرحية.


فى الفصل الثانى كان صوت عبد المنعم إبراهيم "يلعلع" كما يقول أهل الفن وقد زالت عنه البحة. فعلم ألفريد أثر الإحباط على الفنان. وأثر الكلمة الطيبة وبناء الثقة.


الآن تشرق الصدور وتتوهج رسالة المسرح، ويؤمن الفنان بفنه.


هل لاحظت عبر القصة:


(1) خطورة الكلمة التى كانت تنشر فى الأهرام. حتى لو كانت موجهة لنقاد المسرح؟. وكانت كلمة غير موقعة بإمضاء. بل هى كلمة تعبر عن رأى الجريدة. الذى ربما لا يقرأه أحد.


(2) الإنسانية الفياضة لأحمد بهاء الدين.


(3) شجاعة هيكل عندما يجد القدرة على أن يقول آسف.