فى منتصف أغسطس نتذكر: صوراً من التضامن المظلم... تحدى التضامن المضىء

19/08/2014 - 11:56:45

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم: د. ســـامـــح فـــــوزى

فى منتصف أغسطس من العام الماضي، وبالتحديد يوم 14 أغسطس، جرى فض اعتصامى رابعة العدوية والنهضة اللذين تجمعا فيه أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي. النهاية معروفة قتلى، وجرحي، واعتداء على منشآت، وتفشى مناخ من العنف.


الذين فقدوا حياتهم فى هذا اليوم هم مواطنون مصريون أيا كان موقعهم السياسي، والمنشآت التى اعتدى عليها مصرية، ومناخ الإرهاب الذى يهدد مصر، يطول مواطنين مصريين.


لا أشك فى أن الكثير من أنصار الرئيس المعزول يجمعهم شعور بالتضامن، وربما بالغبن والحزن على زوال حكمه، وتراجع المشروع الإسلامي... وكثير منهم لا يزال ينشط فى إطار ما يطلق عليه تحالف دعم الشرعية، أو يقومون بإنشاء كيانات أخرى وآخرها ما أعلن عنه منذ أيام فى استانبول. ورغم ذلك الكتلة العريضة من المجتمع تبتعد عن كل ذلك... ألم يحن الوقت كى يفكر هؤلاء فى طبيعة التضامن الذى يربط بينهم، والذى تسبب فى الكثير من الأعمال "المظلمة" التى أفقدتهم تعاطف وثقة الناس؟


وقد يكون فى القصة التالية عبرة، وإجابة.


إليفيا بوتستا Elvia Bautista تعيش فى ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وتعمل فى مجال الخدمة الطبية المقدمة للمسنين وذوى الاحتياجات الخاصة، اشتهرت بمقال كتبته بعنوان "نتذكر كل الأولاد"، تدور قصته حول ذهابها المستمر إلى قبر شقيقها. تضع أمامه وردة، وتزيل الأتربة التى تطمس شاهد القبر. فى إحدى الزيارات تلفتت حولها فوجدت قبورا استبدت الوحشة بها، فهمت لوضع ورود أمامها. فأسرعت صديقة لها تمنعها من فعل ذلك لأن هذه قبور أعداء. القصة مؤثرة. القبور جميعا لشباب- من ضمنهم شقيقها- كانوا أعضاء فى عصابات متصارعة، قتلوا فى مواجهات فيما بينهم، وهم لا يزالوا فى زهرة شبابهم، ولم يعودوا سوى نزلاء قبور متجاورة. لم تأبه "إليفيا" برفض صديقتها، ولم تر غضاضة فى أن تضع زهوراً أمام قبورهم جميعا، بمن فيهم قتلة شقيقها، وقالت لها عبارة مؤثرة: "كل قبر يحتاج إلى وردة".


هذه القصة نالت كاتبتها شهرة عالمية، ليس فقط لرقة مشاعرها، وسمو أفكارها، ونقاء سريرتها، ولكن أيضا لأنها سلطت الضوء، وهذا ما يهمنا فى هذا المقام، على أشكال من التضامن الإنسانى بعضه معتم، وبعضه مضىء.


(1)

التضامن المعتم



ليس كل تضامن إيجابيا. بعضه معتم. عصابات التهريب، والمافيا، والجماعات الإرهابية، والبلطجية، وشبكات الفساد المحلية، والعابرة للحدود، جميعها تقدم أشكالا من التضامن المعتم أو المظلم. أفرادها يجمعهم شعور متبادل بالثقة، وأحيانا يهمون بجد واستبسال للدفاع عن بعضهم البعض فى مواجهة الأغيار من الخصوم.


مصطلح التضامن المعتم يعود إلى عالم الاجتماع الأمريكى روبرت بوتنام الذى رأى أن فى المجتمعات صورا من التضامن الذى يجمع البشر لكن نتيجته تكون خرابا وعدوانا وخروجا على القانون.


ألم نر الإرهاب الأسود يضرب مقدرات الشعب المصري. العصابات التى تخطف الأفراد طلبا للفدية، الغوغاء الذين يهاجمون المنشآت من محاكم وأقسام شرطة وكنائس، التشكيلات العصابية التى تسرق السيارات، وتسطو على الأفراد، وتنهب الممتلكات. ظواهر زادت فى السنوات الماضية، وكان آخرها فتنة قبلية فى أسوان.


الذين يقومون بكل ما سبق هم جماعات يجمع التضامن أفرادها. لكنه تضامن مظلم على الخراب، وليس تضامناً مستنيراً يرمى إلى البناء.


(2)

التضامن الحقيقي



التضامن الحقيقى الذى يقوى بنية المجتمعات هو المنير والمستنير والمضىء. محاربة التضامن المظلم يكون بالتوسع فى التضامن المنير، وحماية الأفراد من الانزلاق فى دوامته إما بدعوى الحصول على الحق المهدوم، أو الدفاع عن الذات ضد التهديد، أو اعتبار العنف وسيلة لنيل الحقوق.


المجتمعات تتقدم بما تمتلكه من تضامن منير. الأمثلة كثيرة.


حركات اجتماعية ترمى لتحقيق المساواة والعدالة، ومشروعات إنتاجية يساهم فيها المواطنون، مبادرات تنموية ترفع من كفاءة ونوعية الحياة فى المجتمع، وأخرى طبية لرفع مستوى الصحة العامة، وثالثة تعليمية لرفع مستوى التنمية البشرية، ورابعة إنسانية ترعى الفئات المهمشة.


فى كل هذه المبادرات يلتقى الناس معا حتى يصنعون "الخير العام" لهم جميعا.


هناك فى المجتمع المصرى بعض من هذه المبادرات بلا شك. وكثير منها ناصع منير، لكن المجتمع يحتاج إلى المزيد، لأن فى تجمع الناس على تحقيق الخير العام أمان فى المجتمع، وشبكات ثقة تربط المواطنين تمكنهم من مواجهة المشكلات، والأزمات المشتركة.


التماسك يُقاس بقدرة المجتمع على تأدية وظائفه، وإمكانية أفراده على تحسين نوعية الحياة التى يعيشونها.


فى قصة "إليفيا بوتستا" درس مهم مفاده أن كل تضامن ليس جيداً. شقيقها، وغيره من الشباب، راحوا ضحية التضامن المعتم، وهى تريد بفعلها البسيط "وردة على كل قبر" أن تدشن لصورة جديدة من التضامن عله يجمعها بأفراد آخرين يؤمنون مثلها بحق الموتى - الأعداء سابقا- فى أن يكون لهم قبور تكسوها الورود، وتبعد عنها وحشة العزلة، تماما مثل حق الأحياء فى أن يعيشوا متجاورين، متحابين، لا يعرف العنف طريقا إلى عقولهم وأفئدتهم.


 


(3)

إنتاج التضامن المنير


 



التضامن المنير، المشع، يحتاج إلى هندسة تهدف إلى جمع الأفراد معا لتحقيق الخير العام، لكنه يحتاج إلى اشتراطات منها:


التأكيد على دولة القانون، يحقق ليس فقط المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الاختلاف فى النوع أو اللون أو الدين أو الجنس أو العرق، ولكن أيضا تيسير وصول المواطنين لمؤسسات العدالة، والتطبيق الصارم للقانون فى حالات على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، دون إيلاء أى اعتبار للعلاقات الشخصية أو العائلية أو النفوذ السياسى للأفراد.


حرية المواطنين فى تكوين منظمات المجتمع المدنى من أحزاب ونقابات وجمعيات أهلية، وأندية وروابط، بحيث تصبح هذه المؤسسات تعبيراً عن رأس مال اجتماعى حقيقى وليس مجرد "واجهات" اجتماعية بلا فعالية أو حضور مجتمعي.


تعميق مشاركة المواطنين فى الحياة العامة، ليس فقط فى الانتخابات، وهو استدعاء موسمى لهم، ولكن من خلال المشاركة فى الأنشطة العامة. مشاركة المواطن الحقيقية هى القدرة على التغيير: هناك تجارب دول عديدة استطاعت أن تٌخرج مواطنيها من دائرة التهميش، والفقر، والشعور القاسى بالعزلة الاجتماعية إلى آفاق المشاركة الفعلية، الارتباط بالواقع، وتغيير نوعية الحياة.


إصلاح الجهاز البيروقراطى على نحو يرفع ثقة الناس فى الحكومة، وفيما تقدمه من خدمات عامة. المواطن يثق أو لا يثق فى حكومته بناء على الطريقة التى تمارس بها البيروقراطية الحكومية وظيفتها. ويُلاحظ أن ثقة المواطن ترتفع فى الحكومة فى الدول التى تتمتع فيها البيروقراطية بالإنجاز مثلما يحدث فى الدول الاسكندنافية على سبيل المثال.


اعتبار "الكفاءة" العنصر الأساسى والوحيد فى أهلية تولى المناصب العامة، دون تمييز ضد الأفراد بسبب الدين أو النوع أو المعتقد أو الوضع الاجتماعي، وما شابه. وإقرار القوانين التى تعاقب الموظف العام على ممارسة التمييز فى حق أى مواطن أو جماعة من المواطنين لأى سبب من الأسباب.