نادية الجندي سبقت الزعيم في تناول الظاهرة .. قراءة في سينما الإرهاب

21/01/2016 - 9:40:54

طيور الظلام طيور الظلام

كتب - طاهــر البهــي

وسط موجات العنف التى تمر بها المجتمعات يصبح التساؤل المطروح: أين دور الفن في التعبير عن أزماته ؟ للحقيقة أن الفن لم يتوانَ عن مواجهة الإرهاب وبشجاعة منقطعة النظير، وأفلام نجمنا الكبير عادل إمام خير شاهد على ذلك على الرغم من أنه من الإنصاف أن ننوه أن الفنانة الكبيرة نادية الجندي كانت هي الأسبق في تناول هذا الخطر الداهم.. واجتهد صناع الفن في عرض وجهات نظرهم التي تدين الإرهاب بكل صوره.. وتوضح الفارق بين التدين والإرهاب والتعبير عن موقف وطني يجسده صناع السينما الجميلة بجرأة.. وإن كان يذكر للنجم الكبير عادل إمام إلحاحه في دق ناقوس الخطر والدخول إلى المناطق الشائكة..


وتعد هذه الأفلام وثائق فنية مهمة لمواجهة قوى الظلام.. ويبقى أن تأخذ الدولة رسائل الفن مأخذ الجدية باعتبارها جرس إنذار مبكر.


الإرهــــــــاب


تلعب نادية الجندي في هذا الفيلم شخصية الصحفية صاحبة المواقف التي تعشق عملها وتواجه متاعبه في صبر وإصرار، فهي "عصمت" التي تكلف بمتابعة حادث هجوم الإرهابيين على أحد الوزراء، ولكن عصمت تكتب ما معناه أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، فيتقدم إليها الشاب المطلوب القبض عليه –  فاروق الفيشاوي – وتتعرض هي لمواقف معارضة لموقفها من الشاب في حين يحذرها زميلها في الجريدة أحمد بدير، ويبذل اللواء/ رشدي "صلاح قابيل" جهوده لكشف الحقيقة ويحذرها من النشاط الإرهابي ويعمل على كشفه أمامها، وبالفعل تكتشف عصمت الطبيعة الإجرامية لهذا الشاب وأنه أحد أفراد خلية إرهابية شديدة الخطورة، ويقدم لها الشاب هدية عبارة عن رسالة من البطارخ التى ماهي إلا أصابع ديناميت شديدة الإنفجار ويعلو نداء الوطن بداخل عصمت فتواعده على اللقاء وتستقل معه السيارة وعند أقرب نقطة شرطة تطلق عليه النار من مسدسها.


طيـــــور الظـــــلام


افتتح عادل إمام ثلاثيته عن الإرهاب بفيلم الإرهاب والكباب، ثم الإرهابي ومن بعده طيور الظلام، ويتعرض فيلم طيور الظلام للفساد والإرهاب بوصفهما وجهين لعملة واحدة.


ويلعب عادل شخصية "فتحي نوفل" المحامي الصغير الذي يتعجل صعود السلم الاجتماعي ولا يعبأ بالقيم ولا بالأخلاق.. يتيح له دهاؤه السيطرة على أحد الوزراء "جميل راتب" واستغلال عشيقته الغانية "يسرا" لإيقاع الوزير في شباكها حتى تنجح في الزواج منه عرفياً، ولأن الصعود هو المراد الوحيد الذي يشغل عقل وبال فتحي نوفل فإنه يتحول للدفاع عن الإرهابيين المتطرفين ويدافع عنهم وهو يعلم أنهم على باطل طامعاً في المال الذي يتدفق عليهم من الخارج بغير حساب، ويتحالف مع علي الزناتي – رياض الخولي –  المحامي الذي يتخفى وراء عباءة الدين ويتآمر الاثنان ضد الوطن حتى أن نوفل يستعين بالزناتي في الدفاع عن الغانية استغلالاً لمظهره المتدين.. ويتحالف معه لنصرة الوزير للفوز بمقعد في مجلس النواب.


الإرهابــــــــي


يبدأ فيلم الإرهابي بعمليتين سطو إحداهما على محل للذهب والأخرى على نادي فيديو والذي يتم إشعال النار فيه على يد فرقة من المتطرفين الملتحين تكسو وجوههم الجهامة والحقد، من بينهم الشاب على عبد الظاهر – عادل إمام  – الذي يفتتح الملف بعرض مانشيتات الصحف التي تتناول الحادثين بعبارات إنشائية محفوظة.


إلى هنا تبدو الأمور وكأنها مشهد حقيقي من تلك الأحداث المؤسفة التي وقعت في وقت من الأوقات، علي عبد الظاهر شاب من أسرة فقيرة يعاني من الحرمان والكبت وفقد الأمل في الحياة فراح يبحث عن الانتحار أوالقتل.. يتلقفه أمير الجماعة ويعد بتزويجه من شقيقة زوجته المطلقة إذا ما نجح في تنفيذ عملية اغتيال لأحد المفكرين "فؤاد مسعود"  في مشاهد تشبه اغتيال المفكر فرج فودة.


وقبل ذلك تظهر عملية هجوم إرهابي على أوتوبيس سياحي - كأنه مشهد واقعي لما حدث في منطقة السيدة عائشة فيما بعد ..وهو أمر يحسب للسينما في تنبؤاتها - وفي أثناء الحادث يسقط طفل صغير - وكأنه يعبر عن الطفلة شيماء التي قتلها الإرهابيون في منطقة منشية البكري بمصر الجديدة لتوجع قلوب المصريين والعالم - وبدا "علي عبد الظاهر" كشاب مضلل منقاد تماماً تحركه أصابع خفية..


وتفشل عملية اغتيال الكاتب المشهور، وفي رحلة هروب عبد الظاهر يضطر إلى التخفي لدى أسرة مصرية في حي المعادي الهادئ.. هى أسرة الطبيب/ صلاح ذو الفقار وزوجته مديحة يسري،  وأبناؤهم شيرين وإبراهيم يسري وحنان شوقي، وفي هذا البيت تبدأ رحلة إعادة تشكيل فكر ووجدان على عبد الظاهر.. هنا يعرف قيم التسامح وحب الحياة والاعتدال والفكر العاقل المعتدل والتدين السمح.


الإرهــــاب والكبـــــاب


ماذا يحدث عندما يجد شخص عادي نفسه فجأة متهماً بالإرهاب ومتورطاً فيه بسبب ما يعانيه من بيروقراطية وفساد.. هل يعاند ويكمل الخطأ بسلسلة أخطاء؟ هذا ما يناقشه فيلم الإرهاب والكباب الذي يعد تحفة فنية اكتملت فيه عناصر الجودة الفنية.


"عادل" هو مهندس في شركة المياه يقف في طابور أحد مصاعد مجمع التحرير الضخم في وسط القاهرة وينحشر داخل المصعد المكدس، في طريقه إلى مديرية التربية والتعليم لينقل ابنه وابنته من مدرسة بعيدة عن البيت إلى مدرسة أقرب.. وهو مطلب بسيط ومشروع، وفي المكتب يفاجأ بالموظفة أنعام سالوسة لا تترك سماعة التليفون، وزميلها الملتحي يصلي على الدوام في أرض الحجرة، وتتكلم الموظفة مع صديقة لها غير عابئة بمصالح الناس"أيوه ياحبيبتي.. خليه يطق ويروح في ستين داهية، واحنا نجوزك سيد سيده.. يسيب الشقة ويدفع لك المؤخر علشان تلاقي حاجة تنفعك في الجوازة الجديدة"، لا يجد عادل رداً على سؤاله "عايز أنقل أولادي من مدرسة بعيدة لمدرسة أقرب."


        وبعد عذاب طويل مع الموظفين المتكاسلين بالإضافة إلى معاناته مع زوجته ماجدة زكي التي ترغمه على تقشير البطاطس وتقطيع الطماطم، كل هذه الضغوط الحياتية تتحول بعادل إمام لأن يصبح إرهابياً دون مطالب محددة، حتى أنه يطلب من المسئول الأمني كباب وكفتة وسلاطات!


السفارة في العمارة


وتضمن فيلم السفارة في العمارة للثنائي عادل إمام والمؤلف لينين الرملي واحدا من أجمل وأقوى المشاهد عندما تلقفت الجماعات الإرهابية "عادل" عندما أقام دعوى ضد السفارة الإسرائيلية بالقاهرة فاعتقدوا أنه واحد من المتشددين فطوقوه بحزام ناسف للتفجير وقال له من ظن أنه جنده "اذهب فالجنة بانتظارك"، وبطريقته المتهكمة رد عادل "طب ماتروح إنت" في إشارة لعمليات غسيل المخ التي يتبعونها لتفخيخ الشباب المغيب!


السينما مقصرة


ويعترف السيناريست المبدع عاطف بشاي بأن السينما لم تنجح في مواجهة الإرهاب بشكل عام وإن كانت جسدته بحسب تعبيره، وإن كانت لم تتعمق في فهم ظروفه وملابساته وأهميته وأسبابه.


ويشدد بشاي على أنه تعود ذلك من السينما عندما تتعرض للظواهر الوافدة على المجتمع دون التطرق للأسباب السياسية التي قد تكون مصاحبة للأحداث الكبرى في تاريخ المجتمعات.


ويستمر عاطف بشاي في تحليله بقوله: هناك فارق بين الإرهاب والحوادث المتفرقة؛ ويجب لفت الأنظار إلى أننا لدينا العديد من روافد الإرهاب بمعنى أننا لدينا أنواع من الإرهاب، فلدينا الإرهاب الفكري ضد الرأي المختلف وهو نوع من الإرهاب يطلب وجهه القبيح من حين لآخر، وهناك إرهاب ضد المرأة بمحاولة قمعها وحصارها داخل الجدران .. وكلها أشكال من الإرهاب لم تتعرض لها السينما بشكل شجاع وواضح.


و علينا أن نعترف بأن المستوى الرسمي لم يعد له علاقة بالسينما؛ ولم يعد هناك أدنى تدخل في تحديد بوصلتها واتجاهاتها، ولكننا أيضا نعيش في ظل حكومات لا تعر السينما اهتماما كافيا، فالسينما مهملة من جانب الحكومات المتعاقبة وبصفة خاصة خلال الفترة الكئيبة التى حكم فيها الإخوان.


الناقد محمود قاسم اختار أن يتحدث من زاوية أخرى وبشجاعة لا تعرف المواربة حيث قال: صراحة السينما تعاملت بـ "جبن" مع هذا الملف الملح، فالسينما في رأيه وكما يدلل على صدق رؤيته تعاملت مع الإرهاب من زاوية أنه عمل خارجي، مثال ذلك فيلم الإرهاب للنجمة نادية الجندي التي كانت تعمل صحفية وتصدت لإرهاب تسلل من الخارج إلى أرض الوطن، ومن بعده فيلم الانفجار بطولة عزت العلايلي وأحمد حلاوة وهو بالمناسبة يتشابه في فكرته الرئيسية مع الفيلم الأمريكي: (tow warning minet) وكان من إخراج سعيد محمد وإنتاج 1990 وكانت العملية الإرهابية المطروحة هي تفجير الستاد، كما في فيلم "الإرهاب والكباب" الذي تشابهت نهايته مع فيلم آخرلـ "بلموندو"، وعن فكرة مشابهة جاء فيلم "حلق حوش" بطولة الراحل علاء ولي الدين ومحمد هنيدي.


ويفاجئنا محمود قاسم بتأكيده على أن هناك أفلاما أخرى تناقش القضية ولم تعرض جماهيريا، مثل فيلم "الملائكة لا تسكن الأرض" للمخرج الكبيرسعد عرفة إنتاج 1994،ويدور حول شخص متطرف يمارس ألوان تطرفه وقهره مع ابنه، وعندما طرح فيديو كاسيت كانت نوادي الفيديو المعروض بها تحرق، وكانت الرقابة على المصنفات شجاعة عندما صرحت بعرض فيلم "الإرهابي" ومن وقتها تشجع السينمائيون لمناقشة الظاهرة، وجاء فيلم بعنوان "الناجون من النار" ولكن منتجه آثر السلامة ولم يعرضه سينمائيا (بطولة طارق لطفي وعبير صبري) على الرغم من أن جميع هذه الأفلام كانت تعرض في ظل حراسة مشددة على دور العرض.


ويحسب للمؤلف القدير وحيد حامد العمل بدأب مؤمنا بقدسية الرسالة بمجموعته التي بدأت بالإرهابي وحتى "دما لغزال" مرورا بالإرهاب والكباب ومسلسل العائلة، وكذلك الكاتب القدير لينين الرملي الذي ناقش الإرهاب الفكري لأول مرة على الشاشة.