٣٤ مذكرة تفاهم بـ٣٣ مليار دولار فى الزيارة التاريخية للرئيس الصينى: القاهرة - بكين.. «تأسيس ثالث»!

20/01/2016 - 12:47:00

هذاهو «التأسيس الثالث» للعلاقات المصرية - الصينية!


التأسيس الأول كان قبل قرون طويلة، حين عرفت «مصر المملوكية» التجارة على (طريق الحرير) الذى ربطها بالصين، وراجت فيه تجارة (الحرير) بالأساس.. وأنواع كثيرة من التجارة، وعليه أيضا أتى «المغول» غزاة، من سهول وشمال ووسط آسيا، ودحرتهم مصر بقيادة السلطان العظيم «قطز»، وزالت العداوة وحلت محلها التجارة، تلك التى ازدهرت لعقود من الزمن.


التأسيس الثانى كان فى مصر بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ المجيدة حين كانت مصر فى طليعة دول العالم المطالبة باسترداد الصين لمقعدها فى الأمم المتحدة وبعدها انسابت المياه فى نهر العلاقات بين مصر - جمال عبدالناصر، والصين - شو ان لى.. بعد اللقاء الذى جمع ناصر به فى «باندونج» عام ١٩٥٥ تحديدا.


هذا هو التأسيس الثالث، يقوم به الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى بادر إلى زيارة الصين مرتين فى أقل من عام، والقاهرة تستقبل اليوم الرئيس الصينى «شى جين بينج» الذى جاء إلى مصر فى زيارة تاريخية تشهد تعاونا غير مسبوق بين البلدين الصديقين، هذا التعاون الذى أجمع الخبراء على أنه الأكبر فى مسيرة العلاقات، سواء اقتصادياً أو سياسياً أو ثقافياً.. لتتأسس العلاقة المصرية - الصينية به للمرة الثالثة، والأكثر ضخامة وقوة واستراتيجية .


بعد أكثر من ١٢ ساعة طيران.. حطت طائرة الرئيس الصينى «شى جين بينج»، فى مطار القاهرة الدولى . جاء «بينج» للقاهرة حاملاً معه المودة الراسخة والميراث الهائل من العلاقات المتبادلة مع مصر، وحاملاً معه فى اليد الأخرى اتفاقات ومذكرات التفاهم مع القاهرة. هناك ٣٤ مذكرة تفاهم بين مصر والصين يتم توقيعها فى هذه الزيارة التاريخية، قيمتها ٣٣ مليار دولار.. فى شتى المجالات والقطاعات، فى مجالات النقل والكهرباء والإسكان والصناعة والزراعة والتعليم العالى والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.


قبل أن يأتى الرئيس الصينى إلى مصر، لفت اهتمام المصريين.. ذلك الاهتمام الواضح من الرئيس السيسى بالزيارة.. اجتمع الرئيس السيى بشريف إسماعيل والوزراء المعنيين بالزيارة، ليبحث الاستعدادات النهائية لزيارة «شى جين بينج» والمشروعات ومذكرات التفاهم التى سيتم توقيعها بين القاهرة وبكين فى هذه الزيارة، وجميع خطوات الوفد الصينى رفيع المستوى فى مصر خلال الزيارة.


الرئيس السيسى خلال لقائه بشريف إسماعيل والوزراء ، كان حريصاً كل الحرص على تحديد الأولويات من هذه الزيارة، مشدداً على أن تحقق مذكرات التفاهم التى يتم التفاوض بشأنها مع الجانب الصينى المصلحة الوطنية العليا، وأن تكون (متوازنة) من حيث الشروط الخاصة بالتعاقد والخاصة بالتنفيذ أيضاً .


ذلك - تحديداً - هو معيار العلاقة الناجحة بين أية دولة فى العالم وبين «التنين الأصفر» الصينى، ذلك الذى سيحل فى العام ٢٠٣٠ فى المرتبة الأولى لاقتصادات العالم وفق إجماع الدراسات والقياسات العالمية.. التاريخ والثقافة المشتركة والإرث الهائل من العلاقات جنباً إلى جنب الفرص الاستثمارية، التاريخ ككلمة محفورة فى أذهان البشر، والأرقام التى تحفرها المصالح فى نفس الأذهان.. هذه هى «التركيبة الصينية» التى يصل بها الصينيون إلى صدارة الاقتصاد العالمى قريباً، وهى التركيبة التى يفهمها - جيدا للغاية - الرئيس عبدالفتاح السيسى ويراهن عليها فى (التأسيس الجديد) أو (التأسيس الثالث) للعلاقات بين القاهرة وبكين، ذلك التأسيس الذى يجمع الخبراء على أنه سيكون الأقوى على مر التاريخ فى علاقات البلدين .


تسعى مصر إلى الاستفادة من تجربة الصين فى تحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين أحوال المعيشة لدى مواطنيها، ونجاحات الصين فى تكنولوجيا المعلومات والفضاء والطاقة النووية والتعليم والتنمية البشرية والتدريب والبترول والطاقة والغاز ومجالات حيوية متعددة.. هذا السعى المصرى الدءوب يفسر اهتمام الرئيس السيسى بزياراته إلى الصين.. زار الرئيس السيسى الصين مرتين إلى الآن: الأولى فى ديسمبر ٢٠١٤، وهى الزيارة التى شهدت التوقيع على وثيقة إقامة علاقات شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين واتفاقية إطارية للتعاون فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة واتفاقية تعاون فى إطار “الفضاء والاستشعار عن بعد”.


الزيارة الثانية كانت فى سبتمبر الماضى.. حين شارك الرئيس عبدالفتاح السيسى فى إحياء الذكرى السبعين للانتصار فى الحرب العالمية الثانية، وفى هذه الزيارة تم توقيع اتفاقية إطارية بين بنك التنمية الصينى والبنك الأهلى المصرى، يتم بموجبها تقديم قرض قيمته ١٠٠ مليون دولار لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة فى مصر.


ومن هنا - وعلى هذه الخلفية - تأتى زيارة الرئيس الصينى لمصر تتويجاً لكل هذه الخطوات من جانب مصر، لوصل ما انقطع من جسور التعاون بين البلدين الصديقين في السنوات الماضية ولوصل ما انقطع أيضاً، ثمة جانب ثقافى فى التعاون المصرى - الصينى الذى تتوجه زيارة الرئيس بينج لمصر حالياً.. إذ إن العام الحالى ٢٠١٦ هو “العام الثقافى المصرى الصينى” وتمتد فعالياته ١٢ شهراً حاملة عنوان « ٣٦٥ يوما للمصريين فى الصين» وفى كل شهر.. تنطلق فعالية جديدة سواء داخل مصر أو فى الصين، وتتعاون فى هذه الفعاليات وزارات الثقافة والشباب والسياحة واتحاد الإذاعة والتليفزيون فى مصر، وتفتتح الفعاليات غداً الخميس فى الأقصر بزيارة الرئيس السيسى والرئيس بينج لعاصمة مصر الأثرية فى الجنوب، وتمتد لعام كامل.. ليعرض ٢٥ فيلماً تسجيلياً عن مصر و ١٠ أفلام ومسلسلات مصرية فى التليفزيون الصينى، ويعرض أيضاً مسلسل الأطفال الكارتونى الشهير “بكار” لأطفال الصين، كما توفد مصر أكثر من مائة طبيب وخبير وأستاذ جامعى ووفوداً شبابية ورجال دين إلى الصين لتبادل الخبرات.


وراء هذه القفزة الشاملة - أو التأسيس الثالث للعلاقات بين القاهرة وبكين - تقف مجموعة من العوامل الداعمة للعلاقات: الموقع الاستراتيجى فائق الأهمية لكل من مصر والصين، وحجم السكان الكبير لدى كل منهما.. فإذا كانت الصين بها مليار و ٤٠٠ مليار نسمة - بما يمثل أكبر تعداد سكانى فى العالم - فإن فى مصر ٩٠ مليوناً من المواطنين، وبهذا تعد مصر أعلى تعداد سكانى فى الشرق الأوسط.. أما العنصر الداعم الثالث للعلاقة فهو العنصر الاقتصادى، إذ يدرك الطرفان - مصر والصين - الأهمية الاستراتيجية للتعاون الاقتصادى فيما بينهما، بخاصة أن مصر فى عصر الرئيس السيسى أولت عناية خاصة للاتجاه شرقاً بعلاقاتها.. وظهر ذلك جلياً فى التعاون الاستراتيجى الذى لا تخطئه عين مع روسيا، ثم الآن مع الصين.. هذا فضلاً عن عنصر رابع يدعم العلاقة بين القاهرة وبكين هو التاريخ المشترك.. إذ تشترك العاصمتان العريقتان فى ذات الأهداف التاريخية، وتعمل كل منهما على ترسيخها: الاستقلال عن النفوذ الأجنبى، والاتحاد تحت هدف قومى يحكمه سلطة مركزية، والتغيير الجذرى للظروف الاقتصادية الاجتماعية.. هذه الأهداف الثلاثة هى التى تحدد مسارات الدولة الصينية منذ قيام ثورتها الخالدة قبل ما يقرب من ٧٠ عاماً، وهى الأهداف التى تسعى وراءها الدولة المصرية منذ قيام ثورتها الخالدة فى ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ثم فى يناير ٢٠١١ ثم يونيو ٢٠١٣ لم تتغير ونعتقد أنها لن تتغير..! يبقى عنصر خامس هو “التحديات الخارجية” فكل من العاصمتين - القاهرة وبكين - تواجه نفس التحديات على خريطة الشرق الأوسط، تحديداً منذ غزو الولايات المتحدة للعراق الشقيق فى ٢٠٠٣، إنها تحديات تفرض توحيد إرادة القاهرة وبكين تجاهها.


هذه هي خلاصة “النظرة المدققة” للزيارة التاريخية الحالية للرئيس الصينى “شين جين بينج” لمصر.. وهى خلاصة تقود إلى النتيجة التى بدأنا بها هذه السطور: القاهرة وبكين تؤسسان لمرحلة ثالثة من العلاقات، مرحلة تتخطى فكرة التعاون إلى فكرة “توحيد الخطوط الاستراتيجية” بين العاصمتين الكبيرتين..!


الرئيس السيسى يضع كل هذه الخارطة الجغرافية - التاريخية نصب عينيه وهو يستقبل اليوم نظيره الصينى، وهو واثق بأن المرحلة الحالية ستشهد - بالضرورة - انطلاقة عظمى فى العلاقات، سوف تستفيد منها القاهرة وبكين سواء بسواء.. استفادة عظمى ومتنوعة الجوانب..! سياسياً أيضاً، لا ننسى القول بأن كلاً من القاهرة وبكين لديهما نفس الأفكار - تماماً حول سيادة مفاهيم نزع السلاح وبخاصة أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن الإدانة الحاسمة والتاريخية للإرهاب بكافة أشكاله، والتعاون الجاد فى مجال مكافحة الأعمال الإرهابية الدولية.


وقد سجل التاريخ مواقف عظيمة جمعت بين “مصر والصين”، بدأت عقب ثورة يوليو عام ١٩٥٢، حيث كانت مصر من أوائل الدول التى أيدت حق الصين فى استعادة مقعدها الشرعى فى الأمم المتحدة.


وأدانت الصين العدوان الثلاثى على مصر، وأكدت موقفها الثابت الداعم للنضال العادل الذى يخوضه الشعب المصرى من أجل حماية سيادة الدولة والاستقلال الوطنى.


بدأت العلاقات المصرية الصينية منذ عام ١٩٥٦، بعد عام من اللقاء التاريخى الذى جمع بين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ورئيس الوزراء الصينى شو آن لى فى باندونج.


ومرت علاقات البلدين بثلاث مراحل مهمة من التطور، الأولى عقب ثورة يوليو العام ١٩٥٢، حيث كانت مصر من أوائل الدول التى أيدت بحماس حق الصين فى استعادة مقعدها الشرعى فى منظمة الأمم المتحدة، حيث عبرت قيادة الثورة المصرية عن دهشتها لموقف الولايات المتحدة المتجاهل لجمهورية الصين الشعبية.


وشهد٣٠ مايو العام ١٩٥٦، إصدار الحكومات المصرية الصينية، بيانًا مشتركًا حول إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء ما يمثل منعطفًا مهمًا فى خريطة العلاقات الدولية، ورفع مكانة مصر عربيا وأفريقيا.


وتبنت الصين موقفا مشرفا بعد قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بتأميم شركة قناة السويس، وجعلها شركة مساهمة مصرية، حيث بادرت بكين بتأييد هذا القرار فى ٤ أغسطس العام ١٩٥٦، وأصدرت الحكومة الصينية بيانا أكدت فيه دعم الصين حكومة وشعبا، للخطوة التى اتخذتها الحكومة المصرية من أجل حماية سيادة الدولة واستقلالها.


وأصدرت الصين بيانا فى نوفمبر العام ١٩٥٦ أدانت فيه العدوان الثلاثى على مصر من قبل “بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل”، ووصفته بأنه “وحشى وهمجي”، وأكدت على موقفها الثابت الداعم للنضال العادل الذى يخوضه الشعب المصرى من أجل حماية سيادة الدولة والاستقلال الوطنى.


دخلت العلاقات بين القاهرة وبكين مرحلتها الثانية فى النصف الأول من عقد السبعينات من القرن الماضي، حيث سحبت الصين فى هذه الفترة كل سفرائها فى المنطقة للمشاركة فى حركة الثورة الثقافية باستثناء سفيرها لدى مصر، وكان ذلك إشارة بالغة الوضوح للمكانة التى تحتلها مصر فى السياسة الخارجية الصينية.


وتجسدت هذه المكانة المتميزة لمصر من خلال الموقف الصينى من حرب أكتوبر ١٩٧٣، التى سارعت فيه بإعلان تأييدها التام للجهود المصرية لاستعادة أراضيها المحتلة.


وشهدت المرحلة الثالثة من العلاقات الثنائية انطلاقة فى شهر أبريل العام ١٩٩٩ حيث تم وضع الأساس للعلاقات المصرية الصينية فى القرن الجديد من خلال التوقيع من قبل رئيسى الدولتين- آنذاك- على البيان المشترك حول إقامة علاقات تعاون استراتيجية.


تم التوقيع على اتفاق نوايا حول التعاون فى مجالات مختلفة، ركزت على ضرورة بناء نظام سياسى واقتصادى دولى جديد على نحو عادل ومنطقى وتعزيز التضامن، والتعاون بين الدول النامية، وتضييق الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، وضرورة إصلاح مجلس الأمن لتحقيق التوازن الإقليمي، مع مراعاة التمثيل العادل للدول النامية.


ونص اتفاق النوايا على أهمية تحقيق السلام الشامل العادل والدائم فى منطقة الشرق الأوسط بما يتفق مع المصلحة الأساسية لشعوبها ويخدم أيضًا السلام والتنمية فى العالم، والالتزام الكامل والتنفيذ للاتفاقيات الموقعة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل.


بهذا الميراث التاريخى الضخم من العلاقات بين مصر والصين، وبالروح الجديدة أيضاً للعلاقات، تلك الروح التى تستهدف بناء تعاون شامل وثيق بينهما، تنطلق العلاقات بين البلدين بدءاً من اليوم انطلاقتها الكبرى، من أجل الشعبين- المصرى والصينى- لتضرب المثل للتعاون النبيل الخلاق بين الدول، ذلك التعاون الذى يستهدف البناء للحاضر والمستقبل، فى النور.. لا فى الظلام، الذى يهواه آخرون حولنا فى الشرق الأوسط.. وهذا موضوع آخر..!