سكة السلامة.. حرير

20/01/2016 - 12:42:24

بقلم - حمدى الكنيسى

رحبت بفرصتين لزيارتها، فقد فرضت نفسها بانطلاقتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية على اهتمامنا واحترامنا ذلك كله على مختلف الدول التى عانت من سياسة وتجبر أمريكا والغرب: استعمارا واستنزافا وتمزيقا، فهل كان من الممكن أن تحين فرصة السفر إلى الصين كرئيس لوفد برلمانى ونائب لرئيس المؤتمر الدولى لحماية ثقافة الشعوب دون أن أشد الرحال إليها فورا؟!


وهل كان من الممكن أن تحين فرصة أخرى لزيارة الصين كعضو فى وفد اتحاد الكتاب المصريين دون أن أغتنمها وأرحب بها؟!


هكذا بدأت علاقتى المباشرة بالدولة التى احتلت المكانة اللائقة بها وبتطورها وتقدمها فى الصفوف الأولى للدول الكبرى، بل صارت - مع روسيا - من أسباب زحزحة وإبعاد نسبى للولايات المتحدة عن موقع القوة العظمى الوحيدة التى تجلس على قمة العالم وتهز قدميها غرورا واستهانة بالآخرين «يا أرض اتهدى .. ما عليكى أدى!!».


وأذكر أننى لم أكد أبدأ زيارتى الأولى للعاصمة بكين حتى استوقفنى خبر نشرته صحفهم «بالبنط العريض» وهو: القبض على أحد الوزراء بتهمة قبول رشوة قيمتها عشرة آلاف دولار، ومحاكمته العاجلة، وتنفيذ الإعدام فيه، ومصادرة أمواله وممتلكاته لصالح صندوق بنك الفقراء!!، فى البداية هزنى الخبر وربما صدمنى لكننى عدت إلى تأمل ما يعنيه، فقبول وزير لرشوة حتى لو كانت لاتتجاوز عشرة آلاف دولار هو خيانة للأمانة، وضياع الثقة فى قراراته ومواقفه، كما أن المحاكمة العاجلة التى قالت التفاصيل إنها استغرقت أسبوعا واحدا فإنها تعنى وتجسد مفهوم «العدالة الناجزة»، ثم تنفيذ الإعدام «فى معاليه!!» بنفس السرعة معناه غلق الأبواب فى أى ضغوط أو توسلات أو مناورات! «طبعا قفز ذهنى إلى ما نراه عندنا .. ولا تعليق!!».


وأذكر أننى أثناء تلك الزيارة الأولى التقيت بعدد من المسئولين والشخصيات العامة ربما كان أكثرهم تلخيصا لمواقف وسياسات الصين وزير الثقافة، والسيدة نائب البرلمان، فقد دفعنى ما تتعرض له غزة والشعب الفلسطينى من اعتداءات إسرائيلية وحشية إلى أن أسأل كلا منهما : لماذا لانرى موقفا صارما حادا من الصين دعما لقضايانا؟ .. فكانت الإجابة الوحيدة هى أنهم فى الصين لديهم أولويات رئيسية وهى التنمية الاقتصادية، وعدم التورط فى المشاكل السياسية.. وما يتعلق بشئون الآخرين. وعندما ألمحت إلى موقف مصر معهم خاصة عندما رفضت فى عهد الرئيس عبدالناصر الاعتراف بجمهورية تايوان التى استقلت عن الصين بتخطيط ودعم أمريكى قالوا لى : «إننا لن ننسى ذلك الموقف المحترم، ومازلنا من أيام عبدالناصر نحمل كل الاعزاز والتقدير لمصر والمؤكد أننا عندما نحقق الأهداف التى جعلناها أهم أولوياتنا، ستكون العلاقة مع مصر أكثر عمقا وتطورا وكان من الطبيعى أن أسأل كيف جمعت الصين بين الاشتراكية والرأسمالية فى الوقت الذى تخلت فيه معظم الدول عن السياسة الاشتراكية بعد سقوط وانهيار الاتحاد السوفيتى ؟! فقالوا لى: نحن لا نتبع فكرا أو سياسة معينة إرضاء لأحد أو «ركوبا لموجة» ولنا فكرنا ومنهجنا الخاص، مازال سكرتير عام الحزب الشيوعى هو رئيس الدولة، ومازالت لدينا المناطق التى تستثمر الاقتصاد الحر بغض النظر عن المسمى الرأسمالى! هذا وقد تجلى تقديرهم لمصر فى الإصرار على أن أكون أنا نائب رئيس المؤتمر الدولى لثقافة الشعوب، بالرغم من منافسة آخرين!


وأتذكر - يا حضرات - ما استوقفنى فى زيارتى الثانية التى دارت فى نطاق الأدب والأدباء حيث كنت ممثلا لاتحاد كتاب مصر مع زميلين عزيزين من الأدباء، وقد أدهشنى أساتذة وطلاب جامعة بكين ممن يدرسون العربية ويعرفون الكثير عن أدبائنا وفنانينا، ويحمل من زار منهم مصر ذكريات جميلة لايتوقف عن الحديث عنها وعن الأحياء الشعبية ومقهى الحسين، بل إن منهم من حدثنى عن مقهى ريش الذى كان يجتمع فيه المثقفون فى ندوات أو لقاءات نجيب محفوظ!!.. وعندما لاحظت أن من صاحبنا منهم فى جولاتنا يحيطوننا بكل مشاعر الود والدفء وهى نفس الطباع التى نتحلى بها نحن المصريين، قالوا لنا نحن مثلكم فى أمور كثيرة، نحن أبناء أعظم وأعرق حضارتين فى التاريخ، وقال لى أحدهم: إننا لانختلف عنكم فى الروابط الأسرية التى مازلنا نحتفظ بها ولاينفصل الأبناء عن أسرهم كما يحدث فى الغرب، وللعلم احتفالاتنا العائلية بالأعياد والمناسبات هى نفسها تقريبا التى لاحظناها عندكم.


قد يقول قائل : لماذا أستعيد الآن ذكرياتى عما شاهدته ولمسته بنفسى فى الصين؟


ولعل الإجابة واضحة تماما فنحن إذ نستقبل غدا الرئيس الصينى «زى جينج بينج» .


ونؤكد ونجدد علاقتنا الوطيدة مع الصين، ونؤكد ونجدد عزمنا الذى أعلناه بإعادة التوازن إلى علاقاتنا الخارجية وإغلاق ملف الارتماء فى أحضان دولة واحدة والتوجه الدائم نحو الغرب الذى لم نشهد منه ما يسر القلب، ومن ثم نتجه أيضا إلى «الشرق» الذى لم يتردد لحظة فى احترام ثورتينا، وتقدير ودعم ثورة يونيو كما ظهر من مواقف موسكو وبكين !


من جهة أخرى فإننا نثق فى الدور الذى يمكن أن تلعبه الصين فى التنمية الاقتصادية القائمة على البراجماتية مع الاحترام الكامل للسيادة الإقليمية، وقد قطعت الصين شوطا هائلا فى التقدم الاقتصادى والتكنولوجى حتى صارت أقرب المنافسين لانتزاع القمة الاقتصادية من أمريكا، وبهذه المناسبة يتعين على أن أوضح لكل ذى عينين أن ما يشيعه البعض عن سوء مستوى ما نستورده من الصين من أجهزة ومنتجات مختلفة.. سببه الوحيد هو أن بعض تجارنا ورجال الأعمال هم من يستوردون أضعف وأسوأ المنتجات لأنها أرخص ولتكون مكاسبهم بالغة، أما المستوى الحقيقى لما تنتجه وتصنعه الصين فإنه يحظى بإعجاب وإقبال أكثر الدول تقدما فى تلك المجالات!


المتوقع أن يشهد الرئيس السيسى والرئيس الصينى التوقيع على اتفاقيات تبلغ ٨ مليارات دولار، والمؤكد أن الاستثمارات الصينية التى حققت حتى الآن نتائج جيدة مثل المشاركة فى المنطقة الصناعية الخاصة فى شمال غرب خليج السويس سوف تحقق نتائج أكبر فى مشروعات أخرى أبرزها إنشاء القطار الكهربائى لنقل الركاب بين مدينتى السلام والعاشر من رمضان إلى جانب إنتاج ١٢٠ عربة قطار بتكلفة مليار ونصف المليار جنيه.. وإلى جانب إنشاء المرحلة الأولى من مشروع العاصمة الجديدة - والمنطقة الصناعية الصينية على محور قناة السويس، ثم بدء «طريق الحرير» الذى يربط إفريقيا بآسيا، بما يحققه من نتائج رائعة.


.. هذا قليل من كثير أراه واردا ومتاحا بقوة من خلال علاقتنا بالصين التى تؤكد انطلاقتها زيارة الرئيس الصينى الذى يضيف إلى التوقيع على اتفاقيات التعاون المشترك بحث القضايا الإقليمية والدولية وفى مقدمتها الأوضاع فى فلسطين وسوريا والعراق وليبيا واليمن، مع التعاون المؤكد فى مجال مكافحة الإرهاب!!


هكذا تتأكد سياستنا التى أعادت التوازن لعلاقاتنا الخارجية السياسية والاقتصادية والثقافية بما يؤكد أننا عرفنا أن «سكة السلامة حرير!!».