ماذا قال السيسى لرئيس المخابرات الأمريكية؟

20/01/2016 - 12:37:11

  لقاء الرئيس السيسى مع رئيس المخابرات الأمريكية جون برينان بحضور «خالد فوزى» رئيس المخابرات العامة لقاء الرئيس السيسى مع رئيس المخابرات الأمريكية جون برينان بحضور «خالد فوزى» رئيس المخابرات العامة

بقلم - عبدالقادر شهيب

زيارة جون بريتان للقاهرة فى هذا التوقيت لها أكثر من مغزى تكتيكى واستراتيجى أيضاً، حتى ولو كان الرئيس الأمريكى أوباما يعتمد أكثر على مشورة مستشارته للأمن القومى وعدد من مساعديه فى البيت الأبيض.


تكتيكيا، تأتى هذه الزيارة قبل أيام من أكثر من حدث تشهده بلادنا بدءا من تأسيس برلماننا الجديد وبالتالى استكمال خارطة المستقبل وعزم مصر استئناف نشاطها البرلمانى إقليمياً وعالمياً مع الدور الذى تقوم به الآن من خلال عضويتها لمدة عامين فى مجلس الأمن، ومرورا بزيارة الرئيس الصينى للبلاد التى ترى الولايات المتحدة أن المنافسة الأكبر والأهم التى ستخوضها مستقبلا ستكون مع الصين الدائن الأول لأمريكا الآن والمصدر الأول لها أيضاً، وليس انتهاء ببدء تنفيذ الاتفاقات الخاصة بتسوية الأزمة السورية، والتى سيكون لمصر دور فيها حتى ولو كانت هناك محاولات من بعض الأطراف العربية أن يكون هذا الدور رمزياً.


واستراتيجياً .. فإن هذه الزيارة التى قام بها رئيس المخابرات المركزية والتى من المؤكد أنها تمت بالتنسيق مع البيت الأبيض وبموافقته خاصة وفى هذا التوقيت وقبل أيام من حلول ذكرى، ٢٥ يناير التى خططت بعض القوى والجماعات لاستثمارها فى ممارسة مزيد من العنف والأوهام، تؤكد عدم دقة تلك التقديرات التى يتم تداولها سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها وتتحدث عن انخفاض الاهتمام الأمريكى بمنطقتنا (المنطقة العربية أو منطقة الشرق الأوسط)، فى ظل تزايد الاهتمام الأمريكى بآسيا، وخاصة ما تعتبره خطرا أو تهديدا حقيقيا استراتيجيا لها فى ظل بدء الصين انتهاج سياسة خارجية تعتبر أن آسيا للآسيويين،وبالتالى يتعين أن تكون محظورة أمام التدخل الأمريكى.. قد تكون أمريكا تعطى أولوية الآن، لاسيما فى ظل عدم اعتمادها على البترول القادم من منطقتنا، وبعد أن تم تأمين تدفقه خارجها لأوربا وفى ظل كثرة مشاكل منطقتنا وأيضاً فى ظل سعى أمريكا لأن تظل مهيمنة على أمور العالم لفترة أطول .. لكن هذا ليس معناه أن الأمريكان قد نفضوا أيديهم من شئون منطقتنا وقرروا الانسحاب منها أو إعطاءهم ظهورها لأهلها، وهذا يوضحه المشاركة الأمريكية النشطة فى مواجهة كثير من مشاكل المنطقة .. كان الأمريكان قد ركزوا جل جهودهم للتوصل لاتفاق حول الملف النووى الإيرانى، وها هم ينخرطون فى جهود التوصل لحل المشكلة السورية، ويتحدثون عن ضرورة إنهاء للأزمة الليبية، ويهتمون أيضاً بما يجرى على أرض اليمن.


إذا الاهتمام الأمريكى بمنطقتنا لم ينته حتى وإن كان قد سبقه الاهتمام بما يجرى فى آسيا، خاصة فى ظل التطورات الاقتصادية التى تشهدها الصين حاليا، والتى من دون شك سوف تترك بصماتها وسيكون لها تأثيرها غير القليل على أمريكا ذاتها وعلى اقتصادها الذى تربطه علاقات وثيقة الآن بالاقتصاد الصينى استيرادا للسلع واستثمارا للأموال، فضلا عن احتفاظ الصين بأكبر قدر من السندات الدولارية التى تصدرها الخزانة الأمريكية.


هذا عن منطقتنا بصفة عامة.. أما عن مصر تحديدا فإن واشنطن لا تملك ترف حدوث أزمة حادة فى العلاقات معنا ليس فقط لمكانة مصر فى منطقتها ولموقعها الإستراتيجى المهم، وإنما أيضاً لحرص مصر الآن فى ظل قيادتها الجديدة على أن تنتهج سياسة خارجية أولا مستقلة، وثانيا تراعى المصالح المصرية المباشرة، وثالثا تعزز الأمن القومى المصرى والعربى أيضاً.


البرجماتية الأمريكية تفرض على إدارتها الحالية (إدارة أوباما) أو إدارتها المقبلة (إدارة كلينتون أو ترامب) أن تحتفظ بحد أدنى من العلاقات الطبيعية مع مصر.. وهذا ما دفعها لاستئناف علاقاتها العسكرية وإلغاء الخطر الذى فرضته على بعض المساعدات العسكرية التى تقدمها لمصر بعد عزل مرسى فى يوليو ٢٠١٣، واستئناف المشاورات الأمنية الأمريكية لمصر، والقبول بالاقتراح الروسى لأن يكون لمصر دور فى صياغة حل للأزمة السورية.


ولا شك.. أن الرئيس عبدالفتاح السيسى فى ظل الوعى بكل ذلك، ولأن مصر تسعى لتطبيع علاقاتها مع الجميع سواء إقليميا وعالمياً قد طرح على رئيس المخابرات المركزية الأمريكية عددا من الأمور المهمة التى يتعين أن تضعها واشنطن فى اعتبارها وهى تصوغ سياستها ومواقفها تجاه مصر وتجاه ما يخصها .


أولاً: رغم ترحيب مصر بتصريحات رئيس المخابرات المركزية وتأكيداته خلال اللقاء الذى جمعه مع الرئيس السيسى بأن مصر تعد شريكاً مهما لبلاده ليس فقط على الصعيد الثنائى وإنما أيضاً على مستوى المنطقة والعالم كله، وأن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة هى علاقات إستراتيجية إلا أن الأمر يقتضى ترجمه ذلك عملياً وعلى أرض الواقع فى مواقف وتصرفات أمريكية.. ولعل هذا ما أشار إليه ضمنا السفير علاء يوسف المتحدث الرسمى باسم رئاسه الجمهورية حينما قال: «إنه تم التأكيد خلال اللقاء على أهمية متابعة نتائج الحوار الاستراتيجى الذى عقد بين مصر وأمريكا فى القاهرة خلال شهر أغسطس الماضى).


ثانياً : التأكد على أن سيناء ليست تحت سيطرة الإرهاب وجماعاته، كما تدعى بعض الكتابات التى تدعى أنها تستند إلى تقارير وتقديرات أمنية أمريكية، وإنما مصر تكافح الإرهاب فى مساحه لا تزيد عن ١٪ من أراضى سيناء.. ولعل الرئيس السيسى بذلك أراد أن يغلق الباب مبكرا أمام أى تفكير أمريكى لدفع قوات دولية إلى مصر بحجة محاربة الإرهاب استنادا إلى تلك المعلومات. المغلوطة حول الإرهاب فى مصر بصفة عامة وسيناء بصفة خاصة .. الرئيس السيسى أراد تنبيه الأمريكان أن ذلك أمر ليس فقط لا داعى له وأن الذرائع التى تروج الآن للتفكير فيه واهيه، وإنما هو أمر غير مقبول مصريا.. فإن سيناء معظمها تحت سيطرة قواتنا المسلحة التى نجحت أيضاً فى تأمين حدودنا الغربية.. وهذا كلام من المؤكد يفهمه رجل يتولى إدارة المخابرات المركزية الأمريكية التى من المؤكد لديها معلومات حول الإرهاب فى منطقتنا، وهذا يمكن أن نستنتجه فيما نسب إليه من تصريحات خلال لقائه مع الرئيس السيسى، خاصة تلك التصريحات التى قال فيها: «إن مصر شريك مهم لأمريكا على المستوى الإقليمى والدولى فى مكافحة الإرهابى وتسوية الأزمات» .. وهناك فارق واسع وكبير بين الشريك الذى يخوض حربا ضد الإرهاب والضحية الذى يحتاج لمساعده.


ثالثاً: أما مكافحة ومواجهة الإرهاب فقد كرر الرئيس السيسى عرض الرؤية المصرية الخاصة بهذه المواجهة حينما أكد لمضيفه - كما أكد المتحدث باسم الرئاسة .. أن هذه المواجهة يجب أن تكون شامله.. عسكرية .. وأمنية.. واقتصادية .. واجتماعية.. وفكرية وثقافية .. وفى ذات الوقت يتعين أن يتعاون الجميع فى هذه المواجهة .. وبهذا المعنى أراد الرئيس السيسى القول لمدير المخابرات المركزية أنه إذا كانت بلاده جاده بالفعل فى مواجهة الإرهاب وراغبة فى تصفية تنظيماته والقضاء عليه فإنه يتعين عليها ألا تكتفى بما تقوم به من غارات جوبة تقوم بها فى كل من العراق وسوريا الآن، وإنما يتعين أن تسهم وتساعد فى دعم الدول التى تخوض حربا للإرهاب اقتصاديا واجتماعيا . وأن تسعى لأن تحظى هذه الدول بالاستقرار السياسى الذى يخلصها من حاله الفوضى التى تعيشها منذ سنوات.


رابعاً : وفى ذات الوقت تؤمن مصر بأن الحل السياسى وحده للأزمات التى تمسك بخناق عدد من دول منطقتنا حاليا.. لكن هذه الحلول السياسية لكى تكون ناجعة وناجحة ومثمرة يتعين أن يراعى فيها المحافظة على وحده أراضى هذه الدول وسلامتها، ويصون كياناتها ومؤسساتها ومقدرات شعوبها.. وكأن الرئيس السيسى أراد أن يقول لمدير المخابرات المركزية الأمريكية : كفوا عن إثارة الفوض وعدم الاستقرار فى بلادنا .. وتوقفوا عن استخدام عدد من رجالكم وعملائكم بعد إعدادهم وتوفير التمويل اللازم لهم فى استهداف وحدة أراضى عدد من دولنا أو مؤسسات عدد من دولنا خاصة المؤسسات العسكرية على غرار ما فعلتم فى العراق وليبيا وكما حاولتم فى بلدنا من قبل ولم تنجحوا نتيجة ليقظة قواتنا المسلحة ورفض شعبنا للنيل من كيان دولته الوطنية وإلحاق الأذى بقواته المسلحة.


خامساً: أما بالنسبة للعلاقات المصرية الأمريكية .. فقد كان الرئيس السيسى واضحا ومباشرا فيما قاله لبريتان خلال اللقاء.. فالعلاقات بين مصر وأمريكا إذا أرادتها واشنطن طيبة وطبيعية، أو كما يقول مدير المخابرات المركزية استراتيجية - يتعين ألا تكون متحسنة فى مجال وتكون غير ذلك فى بقية المجالات .. وهذا ما أشار إليه المتحدث الرسمى لرئاسة الجمهورية فى مصر حينما أشار إلى أن الرئيس السيسى أكد على ضرورة تعميم ما اعتبره تميزا فى العلاقات الأمنية والعسكرية على كل جوانب ومجالات العلاقات الأخرى، كالمجال الاقتصادى، وأيضاً المجال السياسى.


وهكذا ..


كان ما سمعه مدير المخابرات المركزية الأمريكية من الرئيس السيسى خلال زيارته للقاهرة واضحا وحاسماً أيضاً ومنبها كذلك.


واضحا فيما يخص أمور منطقتنا والعلاقات المصرية الأمريكية .. وحاسما فى رفض أى تفكير أمريكى للتدخل فى شئوننا تحت أيه ذرائع سواء تتعلق بأمن سيناء أو أمن ليبيا.


ومنبها الأمريكان وغيرهم إلى أن مصر لم تعد تشترى من الأصدقاء مجرد الكلام المعسول وإنما تريد ترجمة هذا الكلام إلى مواقف وإجراءات عملية.. وإلى أن العلاقات الطيبة والمتميزة بين بلدين لا تقتصر على مجال واحد فقط وإنما يتعين أن تشمل كل مجالات العلاقات المتبادلة.


والآن .. بقى القول هل سيعمل الأمريكان - بما سمعوه من القاهرة .. أم سوف يستمرون فى ذات المنهج الساعى للتدخل فى شئوننا .. أيا كان ما سوف يختاره الأمريكان.. فنحن لن نقبل أى تدخل أجنبى فى شئوننا.