من كاتب صحفى سودانى.. إلى وزير الخارجية السودانى لا يا غندور

20/01/2016 - 12:29:23

  وزير الخارجية السودانى ابراهيم الغندور وزير الخارجية السودانى ابراهيم الغندور

بقلم: محمد محمد خير

الأخ البروف غندور تربطنى به صداقة منذ أكثر من ثلاثة عقود أى قبل الإنقاذ بكثير ونتبادل الاحترام بيننا وما زلنا ولكن هذا لا يمنعنى من نقده فيما أدلى به من تصريحات حول سد النهضة فقد كانت خطيرة ولا ترقى لمستوى عالم فى مقام البروف غندور.


إن أخطر أنواع الأمن لأى دولة هو أمنها المائى وخاصة فى الدول التى تعتمد على مصادر المياه العابرة، فهذه الدول تجعل من أمنها المائى قمة اهتماماتها ووزارة خارجيتها تضم خبراء فى مجال المياه كما أن جهاز أمنها يدعم بخبراء فى مجال المياه لحماية أمن البلاد المائى لا أمن النظام الحاكم فالذى يبقى هو الوطن المؤمن مائيا والذى يزول هو نظام الحكم..!


قبل عدة سنوات سمعت أن وزارة الخارجية بصدد تكوين وحدة متخصصة فى المياه واستبشرت خيرا،ولكنى أصبت بخيبة أمل كبرى بعد تصريحات البروف،ماذا قدمت هذه الوحدة من دراسات للدولة حتى تستطيع رسم سياسة مائية تسير عليها البلاد،لتتفادى خطرا مهددا لأمن البلاد!؟ الإجابة لا شيء وللأسف؟!!!


وأذكر أيضا أن طلب منى جهاز الأمن وضع هيكل لوحدة مياه متخصصة وكنت قد أعددت العدة للسفر فى عمل خاص،وألغيت عملى واتصلت بعدد كبير من خبراء المياه الذين تم تشريدهم،وأقنعتهم بأن ما نقوم به هو للوطن وليس للنظام،وحصلت على موافقتهم ووضعت هيكلا علميا لهذه الوحدة التى لم تر النور حتى اليوم،وكان ذلك قبل أكثر من خمس سنوات،أى قبل التفكير فى سد النهضة،والذى كان وقتها سد الحدود،بحجم بحيرة ١١مليار متر مكعب أى بأقل من سد النهضة سبع مرات.!!!


أى وزارة خارجية بل وأى جهاز لأمن الدولة لا يضع لأمن البلاد المائى أى اعتبار غير جديرين بالبقاء؟!!


عندما كنا صغارا كنا نصف الامتحان بأنه «ساهل مويه»،وما كنا ندرى مدى التعقيد الذى يحيط بذلك «الساهل مويه»،يبدو أن هذا الشعور رافق البعض ممن تولوا أمر البلاد ولا حول ولا قوة إلا بالله.!!!


إن وجود القصر الجمهورى وكل الوزارات على شارع النيل أحدث شعورا كاذبا لدى من يقررون فى أمن البلاد المائي،حيث يستمتع المسئول بمنظر النيل الأزرق والأبيض وملتقاهما فيتقمصه إحساس كاذب بأن(المويه راقدة)،ولكن الصورة المأساوية تقول إن المواطن الذى يرى ثلاثة أنهار ورغم ذلك يعجز عن الشرب من أى منها؟؟؟!!!


دعنى أذكرك بأمر أخى البروف بما لم تقرأه أو لم تسمع به،وهو تصريح لهيلاسلاسى إمبراطور إثيوبيا فى ستينات القرن الماضى فقد قال بالحرف،حين تم وضع حجر الأساس للسد العالي،(سنبنى لكم سدا يجفف كل سدودكم).. وكرره حين الافتتاح.!!!


أخى البروف هل راجعت الاتفاقيات الدولية فى الشأن المائى والتى كان السودان طرفا فيها.؟وأخص بالذكر اتفاقية ١٩٠٢التى أبرمتها بريطانيا التى كانت تستعمر السودان مع إثيوبيا التى كانت دولة مستقلة يحكمها الإمبراطور منليك؟هذه الاتفاقية تنص على عدم بناء أى سد يمنع تدفق المياه إلى السودان،وفى المقابل يمنح السودان ارضا زراعية وكانت هذه الأرض أراضى بنى شنقول،وقبلت إثيوبيا بالصفقة،وقد أراد وزير الرى الإثيوبى التنصل من هذه الاتفاقية متذرعا بأن الاتفاقية أبرمت فى عهد الاستعمار وإثيوبيا غير ملزمة بها،ولكن جاء الرد حاسما من العالم بشأن مياه النيل الوزير يومها كمال علي(أسأل له شفاء عاجلا)بأن إثيوبيا فى ذلك الزمن كانت دولة مستقلة ولم يوقع مستعمر نيابة عنها.!!وهنا صمت الوزير الأثيوبى ولم ينبس ببنت شفة.!!!


على ماذا استندت فى قولك أن السد مبنى على أرض أثيوبية؟! إثيوبيا أخلت بالشرط وللسودان الحق فى المطالبة بأراضيه،هكذا يقول المنطق والقانون الذى يحكم الاتفاقيات والأرض السودانية التى منحها السودان لإثيوبيا هى ذات الأرض التى ستغمرها بحيرة السد؟؟؟!!!


دعنى أخى أذكرك بالتاريخ لتربط أحداثه مع بعضها البعض،ففى العام ١٨٦٢اكتشف(كما يدعون) الكابتن ريتشارد بيرتون والكابتن مارك سبيك منابع النيل،وهما بالمناسبة أعضاء فى المحفل الماسوني،وقالا كلمة سارت عليها إثيوبيا اليوم،وكانت الكلمة (أن من يسيطر على منابع النيل يستطيع السيطرة على الدول التى يعبرها)، وبعد نيف وثلاثين عاما انعقد مؤتمر حكماء صهيون وبالتحديد فى العام ١٨٩٧وأعلن دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل، وفى ذات العام ١٨٩٧غزا كتشنر السودان،تمهيدا لقيام تلك الدولة.أنظر يا أخى إلى نفوذ إسرائيل فى الهضبة الأثيوبية وفى منطقة البحيرات واربط الأحداث التاريخية بالحاضر واستخلص النتائج يستبين لك خطل ما تقول؟!!!


ودعنى أيضا أذكرك بما لم تعلم أن هناك نظرية تسمى نظرية كومبى وهو أستاذ فى جامعة كمبالا تقول إن العرب يبيعون لنا البترول فلماذا لا نبيع لهم المياه.!! وقد قال ذات الحديث مندوب إثيوبيا فى أحد اجتماعات دول حوض النيل وتصدى له رئيس الجلسة وكان د.أحمد ادم،ورد عليه ردا شافيا حيث قال(إن البترول استخرج نتيجة استثمارات بلغت عشرات المليارات من الدولارات،فهل يا ترى استثمرت إثيوبيا فى السحب والرياح حتى تبيع المياه للاخرين) وهنا صمت مندوب إثيوبيا فى غمرة ضحك الحضور؟!!!


السد الذى تدافع عنه أخى البروف،ليس لإنتاج الكهرباء كما يدعون.وأن إنتاجه للكهرباء بكفاءة متدنية(٣٣٪)وبهذه الكفاءة المتدنية سينتج أقل من نصف الكهرباء المتوقعة فى حين أن سد كردوبى وسد الحدود اللذين وقعت إثيوبيا اتفاقا مع الصين بتكلفة ١،٩مليار دولار ينتجان ضعف ما سينتجه سد النهضة من كهرباء.!


ما السبب الذى دعا إثيوبيا لدمج هذين السدين فى سد النهضة وبتكلفة خمسة مليارات دولار، هنا تقفز إلى الذهن وصية سبيك وبيرتون فى التحكم فى منابع النيل ونظرية بيع المياه التى لطالما ارتفعت أصوات تنادى بها.


فى العام ٢٠٠٢ انعقد فى جنيف بسويسرا مؤتمر منعت منظمات المجتمع المدنى من المشاركة فيه وقد تظاهرت هذه المنظمات ضد المؤتمرالذى كان يهدف إلى بيع المياه وحتى تكون أخى على علم وبصيرة أقدم لك معلومة هامة وهى أن تجارة المياه بلغت اليوم ٨٠٠ مليار دولار ودخول مياه النيل فى هذه التجارة يرفعها إلى اثنين تريليون دولار،وهذا يفسر اهتمام إسرائيل وأمريكا بتحويل مياه نهر الكونغو الذى يصب فى المحيط بما يعادل أكثر من ألف مليار متر مكعب سنويا.هل اتضح لك يا بروف الغرض من بناء سد النهضة؟؟؟!!!


لا خوف على السودان من انهيار السد؟؟؟!!! أخى البروف عندما تسجل محطة الديم تدفق ٨٠٠ مليون متر مكعب أثناء الفيضان تعلن حالة الطوارئ فى كل أنحاء السودان ولا تسمع حينها إلا نغمة (عجبونى الليلة جو ترسو البحر صددو) فكيف بطوفان حجمه ٧٤ مليار متر مكعب؟! هل يا ترى ستأوى إلى جبل يعصمك من الماء حيث لا عاصم؟!!!


إن البعض فى السودان يجرونه إلى أتون حرب لا قدرة له لمواجهتها، حرب مياه سيكون مسرحها السودان الذى أصبح بين لافتة السد العالى ولافتة سد النهضة وهو يقرأ ممنوع الوقوف بين اللافتتين...!!!