بأمر الدّولة.. ممنوع الكلام!

20/01/2016 - 12:25:00

تحقيق: هانى موسى - أحمد جمعة

وزراء حكومة المهندس شريف إسماعيل شأنهم شأن أغلب المسئولين فى مصر


لا يحبون الحديث إلى الإعلام، ولا يريدون لموظفيهم كذلك، ووصل الأمر لدرجة أن وزير الصحة الدكتور أحمد عماد قال إنه لن يتعامل إلا مع رؤساء تحرير الصحف، بينما قرر الدكتور ماجد القمرى، رئيس جامعة كفر الشيخ، منع الظهور الإعلامى لأعضاء هيئة التدريس إلا بعد موافقته، ونشر د. محمد نور فرحات تفاصيل قرار رئيس جامعة الزقازيق بمنعه من التحدث للإعلام والصحافة إلا بإذن كتابى والعقاب فى انتظار من يخالف.. بل إن البرلمان نفسه منع الصحفيين من تغطية الجلسات بجانب منع البث المباشر لوقائع الجلسات.. كل ذلك يستدعى بالضرورة حالة «تكميم الأفواه» التى اتبعتها الأنظمة السابقة فى تعاملها مع وسائل الإعلام، وكانت سببًا فى الإطاحة بجماعة الإخوان من الحكم، ومن قبلها الرئيس المخلوع مبارك.


الكاتب الصحفى صلاح عيسى، الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، قال إن إصرار الوزراء على التحدث مع مستوى معين من الصحفيين يحتاج إلى مناقشة جدية مع وزراء الحكومة، لتوصيل معلومة أن رئيس التحرير لن يستطيع القيام بكل حوارات الحكومة، ومن المفترض أن يُكلف كل محرر بتغطية الوزارات والهيئات ويتابع أنباءها ومحيط بالقضايا التى تخصها والمشاكل التى تتعلق بالقطاع الذى يعمل فيه.


وحول فرض «وصاية» على التحدث مع وسائل الإعلام، يؤكد «عيسى» أن القانون المصرى لا زال حتى الآن يحتوى على نصوص تمنع الموظف العمومى من الإدلاء بأحاديث للصحف وتسريب معلومات إليها وتؤاخذه تأديبيا على ذلك، مضيفا: رأيى أن مثل هذه الأمور ينبغى أن يعاد النظر إليها، لأنها تعتبر سدا أمام حرية الصحافة.


ويرفض صلاح عيسى تشبيه الوضع الحالى بمصطلح «تكميم الأفواه»، معتبرًا أن أن هناك وزراء يدلون بهذه الآراء لوسائط أخرى سواء فى الفضائيات ويجيبون على تليفونات المواطنين التى تأتى عن طريق البرامج، مشددًا على أن «الأمر يحتاج إلى مجهود تسعى من خلاله نقابة الصحفيين لضبط العلاقة بين الصحافة الورقية ووزراء الدولة».


ويطالب الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة بضرورة أن يلتزم رئيس الوزراء، والوزراء أنفسهم بتوفير المعلومات للصحفيين كى يتم عرضها على الرأى العام، كما عليهم أن يسمحوا بمناقشة المسئولين فى مختلف القضايا، مسترسلا «وفى ذات الوقت لابد أن يراعى الصحفيين أن هناك شكاوى من بعض الوزراء والجهات الحكومية بشأن تحريف ما يدلون به من أخبار وتصريحات، وهو أمر يحتاج إلى جهد من نقابة الصحفيين لتحسين العلاقة بين المسئولين والإعلام بشكل عام».


وتعانى مصر من غياب قانون حرية تداول المعلومات، والذى يأمل «عيسى» أن يتم عرضه على مجلس النواب الحالى لإقراره، قائلا: «لا يوجد أى قانون يُلزم الوزراء والمسئولين بالحديث إلى الصحافة، ويكون بمقتضى القانون الجديد التقدم بالمعلومات التى يحتاجها الإعلامى عن موضوع بعينه بشرط ألا يكون سريًا بطبيعته أو يمس الأمن القومي، أما الحصول على تصريح من وزير يتعلق ذلك بالعلاقات التى يمكن أن تربط بين الصحافة والمسئولين، ولا يوجد مسئول يستطيع أن يستغنى عن الصحافة أو العكس، ولكن المهم أن تنشر الصحف ما يدلى به المسئولين بشكل دقيق وتهتم بصياغتها قبل نشرها».


وينبه «عيسى» على المسئولين ضرورة الفصل بين حق الصحافة فى الحصول على معلومات وحريتها فى أن تنقد المسئول، «فهناك مسئولون يعاقبون بعض الصحف بمنع الإعلانات الحكومية عنها، ويمنعوا مراسلها لدى الوزراة من الحصول على تصريحات ومعلومات، وهذه أمور ينبغى أن تتوقف»، حسب كلامه.


أما الدكتور فاروق أبو زيد، عميد كلية الإعلام بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، فيرى أن هناك فرقا فى التعامل مع الإعلام بين الحكومة السابقة برئاسة إبراهيم محلب وحكومة المهندس شريف إسماعيل، موضحًا «محلب كان صديقا للإعلام وله علاقات قوية بالإعلاميين ولا يمنع أحد من الوزراء فى التحدث مع الصحف، بخلاف رئيس الوزراء الجديد محدود العلاقات مع الإعلاميين وقليل التحدث كذلك، وهو أمر يعود إلى أن محلب كان فى الخدمة العامة قبل توليه رئاسة الوزراء، سواء كرئيس لشركة المقاولون العرب أو وزيرا للإسكان، على عكس إسماعيل الذى عاش حياته فى الظل حتى خلال تواجده وزيرا للبترول».


ويعتبر «أبو زيد» أن «محلب كان كثير الحديث مع الإعلام، وهو ما دفع الوزراء إلى تقليده، كما قلدوا شريف إسماعيل بقلة التحدث إلى الإعلام». وتابع: سياسة الحكومة السابقة كانت ترتبط بالكفاءة والاتصال المباشر بالمواطن فى الشارع، وهذا مادة شيقة للصحافة والإعلام، لكن الوضع مع تولى إسماعيل والوزراء تمسكوا بمكاتبهم ومن ثم انحصرت علاقتهم بالإعلام».


ويرى «عميد الإعلام» أن سبب بعد الحكومة الحالية برئيسها شريف إسماعيل، أو وزرائها عن الإعلام يعود إلى تخوفها من الوقوع فى «فخ الأحاديث والتصريحات»، خاصة أن أمرها سيطرح على البرلمان بداية من فبراير المقبل، سواء لتجديد الثقة أو طرحها، مشيرا إلى اعتقاده أن هناك تعليمات وتوجيهات لتقليل الظهور فى الإعلام بالنسبة للوزاء، خاصة مع انعقاد جلسات البرلمان الذى منع هو الآخر بث الجلسات حتى لا تهتز صورته أمام الرأى العام.


المعلومة حق


بدورها، تقول الدكتورة ليلى عبدالمجيد، العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، إنه من الضرورى التأكيد على أن تواصل الحكومة مع الإعلام بمختلف أنواعها، و»فرض واجب»، مشددة على ضرورة توفير كل سبل الحصول على المعلومات للإعلاميين، الذين يمثلون الوسيط بين الحكومة والجمهور.


وتابعت: عدم التواصل يعد انتهاكًا لمبدأ أساسى من مبادئ الدستور الخاصة بحق المواطن فى المعرفة والإعلام، فالإعلامى لابد أن تُتاح له كل السبل فى الحصول على المعلومات إلا فيما يتعلق بالمعلومات الشخصية أو الأمن القومي، وفيما عدا ذلك ينبغى أن تتاح كل السبل للإعلاميين للحصول على المعلومات ومنها إجراء حوارات مع المسئولين والسماح لهم بالاطلاع على المستندات التى تُكمل مهمتهم الصحفية.


وأشارت «عبد المجيد» إلى ضرورة أن يولى البرلمان الجديد الأولوية للقوانين الخاصة بالإعلام والمعلومات، ومن أهمها قانون حرية تداول المعلومات الذى يضع عقوبات على أى مسئول يمتنع عن توصيل المعلومات للإعلامى وللمواطن كذلك، مشيرة إلى هناك مطالبات قبل ثورة ٢٥ يناير بضرورة إصدار قانون حرية تداول المعلومات، «لأن قانون الصحافة ٩٦ لسنة ١٩٩٦ الذى معمولا به الآن، به نص يتضمن الحق فى الحصول على المعلومات، لكن هذا النص ضعيف لأنه لا يمثل أى شكل من أشكال المساءلة لمن يرفض إعطاء المعلومات للصحفي، وغير ملزم قانونًا ومجرد نص فقط، ومنذ صدور القانون نطالب بضرورة وجود نص مُلزم لأنه حق من حقوق المواطن أن تصل إليه المعلومات متى يطلبها طالما لم تكن سرية أو تتعلق بالخصوصية وصدور القانون سيكون ملزما لن يدع مجالا أمام أى مسئول يرفض الحديث للإعلام».


وتطالب «عبدالمجيد» حكومة المهندس شريف إسماعيل بأن تُعيد النظر فى أسلوب التعامل مع الوزراء، وأن تعلم أنه بدون حرية للإعلام لن تكون هناك ديمقراطية، «فلا توجد دولة مدنية حديثة تقوم على غياب للمعلومات، فهذا يدفع بعض الصحفيين للحصول على معلومات من مصادر غير رسمية ما يتسبب فى أزمات داخلية فى ظل ظروف الحرب ضد الإرهاب التى تعيشها مصر».


مراقبة الموظفين!


وبخلاف التكتم الإعلامى أو التحصن الإعلامى الذى الحكومة على نفسها، تسعى بعض الوزارات إلى تكميم أفواه موظفيها، وجعلهم فى حالة حذر دائم بأن كل ما يقولونه مراقب ومرصود، وهو ما تجلى فى قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضى عصام فايد، الذى حصلت «المصور» على نصه، ويتعلق بـ»ضرورة متابعة موظفى الوزارة لمعرفة عناصر الجماعة الإرهابية الموجودين بالوزارة بمختلف قطاعتها وإدارتها على مستوى الجمهورية، وكذلك متابعة صفحات مواقع التواصل الاجتماعى («فيس بوك»، و«تويتر» لخاصة بهم).


وشدد القرار الذى دون عليه عبارة «سري.. سرى جدا» على ضرورة متابعة العناصر الإخوانية الموجودة داخل قطاعات الوزارة، والإدارات التابعة لها، بالإضافة إلى العناصر التى تحمل أفكارا تهدم مصالح الدولة. كما أوصى الوزير بتكليف مختص بمتابعة الصفحات وحفظ البوستات (المنشورات) الخاصة بهم فى ملفات، بجانب كتابة تقارير بكل قطاع منفصلة مدون عليها جميع البيانات الخاصة بالعاملين، وعدم كتابة البيانات على جهاز كمبيوتر القطاع أو الإدارة، وإرسال الملف كاملا للوزير وأن يسلم باليد، وعدم إرساله عن طريق وسائل الاتصال سواء بالبريد أو الفاكس، وأن يعمم المنشور على مستوى قطاعات الوزارة المختلفة.


وبعيدًا عن عمل الوزارات، جاء قرار رئيس جامعة كفر الشيخ بمنع أساتذة الجامعة من التعامل مع الإعلام ليؤكد التوجه الحكومى نحو إيجاد حاجز بين المسئولين والعاملين بالدولة والإعلام، وهو ما يعنى منع المعلومات عن الرأى العام بخلاف ما ينص عليه الدستور من أن المعلومات حق للمواطنين.


ويعلق الدكتور فاروق أبو زيد على قرار رئيس جامعة كفر الشيخ بقوله: هذا قرار بلا قيمة، وخاطئ وغير ملزم لأنه غير قانوني، كما أنه لن يمنع أساتذة الجامعات من التعامل مع وسائل الإعلام، فلا يوجد قانون يمنعهم، وما قرره رئيس الجامعة (تصرف أحمق من مسئول غير مثقف ولا يدرى شيئا عن الإعلام والصحافة).