هاتفه لا يرد.. وإذا رد لايدلى بمعلومة المُتحدّث الإعلامى يحتاج الى مُتحدث إعلامى!

20/01/2016 - 12:17:23

تحقيق: إيمان النجار - رانيا سالم محمود أيوب - أشرف التعلبى - سلوى عبدالرحمن

وظيفته الأولى التى تولى منصبه من أجلها التواصل مع وسائل الإعلام سواء قنوات فضائية أو صحف؛ لكن تحول منصب «المتحدث الإعلامي» فى الوزارات الحكومية لمجرد اسم بدون أى دور أو موقف.. وغالبا هاتفه المحمول لا يرد أو مغلق، وحال رده لا يجب على أى استفسار؛ خوفا من المساءلة من وزيره المباشر.. وإذا كان المتحدث «حبيب» الصحفى أو الإعلامى يسرب له معلومة وتكون صحيحة وينسبها لـ»مصدر مسئول».


وظيفة المتحدث الإعلامى من المفترض أن تكون هى لسان حال وزارته أو مؤسسته التى يعمل بها، وآلا يكون حاجزا بين الوزير المختص والصحافة أو الإعلام؛ لكن تحول الأمر ووصل إلى أن «المتحدث الإعلامي» أصبح يحتاج لمتحدث!.


"يمانى الكهرباء"


ففى وزارة الكهرباء، نجد الدكتور محمد اليمانى المتحدث الرسمى للوزارة، لا أحد ينكر الدور الذى لعبه شارحا ومفسرا طوال الثلاث السنوات التى تولى فيها مهام عمله، والتى كانت من أهم المراحل التى تمر على قطاع الكهربائى فى ظل أزمته المتتالية؛ لكنه نجح أن يؤدى دوره المنوط به، لدرجة يهيأ لك أنه بالفعل دارس لفنون الإعلام. "عباءة اليمانى" تسع الجميع بالوزارة وحتى فى أبسط الاستفسارات تكون الإجابة محددة مسبقا "اتصل بالدكتور اليمانى"، وهنا الأمر مقبول؛ لكن أن يتحول الأمر لاستسهال أو اختباء وراء المتحدث الإعلامى لعدم التواصل مع الإعلام، فهنا تكمن المشكلة.


رفض التواصل مع الإعلام أصاب وزارة الكهرباء بهيئتها وشركاتها، ليقتصر الأمر على المتحدث الإعلامى، يبدو أن له استثناء متمثل فى العاملين بمقر الوزارة، فرغم التشدد فى التواصل مع الإعلام؛ لكن كافة المعلومات متاحة عند العاملين وهى بالطبع الباب السرى لأخبار الوزارة، لتصبح أخبار الوزارة كلها منسوبة لـ"مصدر مسئول بقطاع الكهرباء"، أو مصدر رفض ذكر اسمه".. وهذه الأخبار غالبا ما تكون صحيحة١٠٠٪.. فى العلن رؤساء الهيئات يرفضون إجراء حوارات، وهناك من لا يخفى وجود توجيهات بعدم التواصل مع الإعلام، وآخرون ملتزمون بمبدأ "السكوت من دهب"، أما الوزير فممنوع الاقتراب أو التصوير سوى لوسائل إعلام محددة.


"الصحة.. تصريح مكتوب"


أما فى وزارة الصحة والسكان بدأ منصب المتحدث الرسمى منذ حكومة الدكتور أحمد نظيف، ومنذ ذلك الوقت تعاقب على الوزارة نحو خمسة متحدثين أولهم كان الدكتور عبدالرحمن شاهين، تلاه الدكتور عبدالحميد أباظة ثم الدكتور محمد فتح الله الذى خلفه الدكتور حسام عبدالغفار الذى ترك المنصب بدوره ليخلفه الدكتور خالد مجاهد، وارتبط المنصب طوال الوقت بتعليمات صارمة لمسئولى الإدارات والهيئات بعدم الحديث أو الإدلاء بتصريحات صحفية دون الحصول على تصريح مكتوب محدد فيه اسم الصحفى والمسئول المراد مقابلته والهدف من المقابلة، وكانت المرونة فى استخدام هذا التصريح تختلف من متحدث لآخر.


فخلال تولى "شاهين" كان الوضع يسير فى سلاسة، و"أباظة" كانت معظم الملفات فى ذهنه وبمجرد سؤاله يكون حاضرا، وجاء "عبدالغفار" من خارج وزارة الصحة إلا أنه سرعان ما اكتسب ثقة الإعلاميين واجتهد بشكل واضح للقيام بدور المتحدث الرسمى؛ لكن للأسف الوضع ازداد تعقيدا حاليا، حيث صدرت تعليمات صارمة لغالبية المسئولين داخل الوزارة بعدم التحدث لأى إعلامى لا يحمل تصريحا مكتوبا وفكرة التصريح المكتوب أمر مستفز يجعل من الإعلاميين "متسولون للتصاريح".


"التضامن.. الوزيرة متحدثة"


وفى وزارة التضامن، الوزيرة غادة والى وزيرة التضامن الاجتماعى قررت فى مارس ٢٠١٤ إلغاء منصب المتحدث الرسمى فى الوزارة والذى كان يتولاه وقتها الدكتور هانى مهنا، على أن تقوم الوزيرة بالرد على أسئلة الإعلاميين والصحفيين، وظل الموقع خاليًا إلى أن أعادته الوزيرة فى مارس ٢٠١٥ لكن المتحدث الجديد لم يستمر فى موقعه سوى ثلاثة أشهر وحتى وقتنا هذا الوزيرة هى المتحدثة باسم الوزارة!، التى تضم هيئات عديدة تخدم قطاعا كبيرا من المواطنين مثل هيئة التأمينات وقطاع الرعاية وملف الجمعيات الأهلية والتمويل الخارجي.


ولم يجد الإعلاميون والصحفيون سوى التواصل مع المسئول عن المركز الإعلامى المختص بإرسال أخبار الوزارة، والذى لا يمل من ترديد أنه مسئول فقط عن إرسال الأخبار للصحفيين المعتمدين، وفى حالة اللجوء إلى المسئولين المختصين، نجد منهم من يستجيب للرد على الأسئلة ومنهم من يرفض الرد، بحجة أنه ليس لديه تعليمات بالرد على أسئلة الصحفيين والإعلاميين. جانب آخر من الكارثة هو أن المسئولين يختصون بعض الصحفيين بالأخبار والمعلومات دون غيرهم، ومنهم من يرفض التعامل مع بعض الصحفيين بحجة أنه نشر عنه خبرا ولم يعجبه.


"محرر المصور" واجه عقبة "التواصل" مع الوزيرة ومسئولى الوزارة، فلا يمكن التواصل معهم تلفونيًا أو عبر وسائل التواصل الأخرى مثل "فيسبوك" أو "الواتس آب".. وأخرهم كانت رسالة على "الواتس آب" للوزيرة للاستفسار عن آخر ما توصلت إليه اللجنة المكلفة بعمل لائحة خاصة للعاملين بالتأمينات؟، ومتى تنتهى الوزارة من إعلان نتائج مسابقة التأمينات؟, لكنها لم تستجب رغم مشاهدتها الرسالة.


نعايم التخطيط


وفى وزارة التخطيط إذا كنت إعلاميا أو صحفيا وترغب فى الحصول على معلومة من أو عن وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، فلابد من الرجوع للوزير الدكتور أشرف العربي.!. ولا يوجد بالوزارة مسئول أو قيادى مصرح له بالحديث مع وسائل الإعلام، ولا يوجد متحدث رسمي، فالوزير يقوم بمهام المتحدث الإعلامي، أما مستشارة الإعلام بالوزارة الدكتورة نعايم سعد زغلول، فيقتصر دورها على تنظيم المؤاتمرات الصحفية وحوارات الوزير وصياغة البيانات وإرسالها للصحف والقنوات، وغير مصرح لها بالحديث مع وسائل الإعلام على حد قولها. وقد اتصلنا بــ"زغلول" عدة مرات لتوضيح ما أثير فى الفترة الأخيرة حول قانون الخدمة المدنية لكن دون جدوى. وهذا وضع يتكرر منذ عدّة أشهر.


"لا .. تعليق"


وتعليقا على عدم ضياع دور المتحدث الإعلامي، قال الكاتب صلاح عيسى، إن المتحدث الإعلامى ظاهرة صحية وهناك جهات غير حكومية تتبع هذا التقليد حتى تيسر على الإعلاميين والصحفيين الحصول على المعلومة، وتخفف العبء عن كبار المسئولين، أما موضوع عدم التعاون مع الصحفيين أو انتقاء البعض على حساب الآخر، فهذا يجب أن تتدخل فيه النقابة ومن حق النقيب أيضا أن يستمع إلى شكاوى بعض المسئولين من أخطاء يقع فيها بعض الصحفيين، فلابد أن تكون هناك لياقة ولباقة من الصحفى فى التعامل مع المسئول أو المتحدث إلى جانب الدقة من قبل الصحفى فى كتابة البيانات التى أدلى بها المسئول وعدم تحريفها.


وأضاف "عيسى": البعض يشكو من سوء معاملة الصحفى للمسئول وكأنه موظف لديه وخاصة فى بعض القنوات الفضائية وعلى الهواء تقال جملة "هاتلنا يابنى الوزير الفلانى" دون مراعاة أى لياقة أو بروتوكول، فلابد أن توضع قواعد تستند إلى التقاليد المهنية والعلاقة الطيبة بين الطرفين من قبل النقابة ويسير عليها الجميع.


وعن توارى المسئول خلف المتحدث الإعلامى، يشير "عيسى" إلى أنه من الناحية المهنية فإن المتحدث الإعلامى ليس ملزما بالإجابة عن كل الأسئلة وعلى الصحفى أن ينشر إجابته كما هى أو يشير إلى أنه رفض الإجابة عن أسئلة معينة، وإذا حصل على المعلومة من مصادر أخرى يذكر ذلك، ويجب أن يعلم الصحفى جيدا أن المسئول فى بعض الأوقات تكون لديه المعلومة؛ لكن لا يريد أن يدلى بها لأسباب متعددة.. وهذا متبع فى جميع دول العالم ونسمع دائما جملة "لا تعليق أو لا أستطيع الرد الآن أو ليس لدى معلومات وسوف أسأل عنها".


"صحفي.. أولا"


من جانبه، يقول الكاتب الصحفى نبيل عمر هناك ضرورة لوجود المتحدث برغم عدم تمكننا حتى الآن من المهنة، مطالبا بتطويرها وتدريب القائمين عليها وانتقائهم.. ويفضل "عمر" أن يكون المتحدث صحفيا، بشرط أن يقدم إجازة من مؤسسته الصحفية إلى جانب وضع حدود مهنية للوظيفة، حتى لا ينتقى من يعطى له المعلومة من صحفيين أو زملاء مؤسسته وتكون المعلومة متاحة للجميع.


"علاقات.. عامة"


أما الدكتورة نجوى كامل أستاذ الصحافة، عضو المجلس الأعلى للصحافة، قالت: فكرة المتحدث الإعلامى تحولت إلى علاقات عامة وغالبا يخفق المتحدث فى كثير من الأمور، وفى كثير من الأحيان يكون متحدثا ومستشارا إعلاميا، فيقوم بكتابة أى نشاط وإرساله إلى الصحف والإعلام وهذا عمل العلاقات العامة، مضيفا: المتحدث يجب أن يكون دارسا لسياسات الرأى العام، لأنه ليس مسئولا عن تحسين صورة المسئول والمنظمة؛ بل مسئوليته الأساسية أن ينقل احتياجات الجمهور وعدم تجاهل المشاكل، حتى لا تصبح قنابل موقوتة تنفجر فى أى وقت وخاصة الوزارات التى تتصل بحياة الناس كالصحة والتعليم والتموين.


وتابعت "كامل" بقولها: لابد أن يتحدث باسم الناس كما يتحدث باسم الوزارة، ولا يكون حاجزا بين الوزير والصحافة، فالمسئول والإعلام والجمهور مثلث يجب أن تتلاقى أضلاعه ليكتمل الهدف وهو المنفعة للجميع.


وتستطرد د. نجوى كامل قائلة، من الممكن أن نتغاضى عن وزارة الدفاع والتى ينبغى أن يكون المتحدث الإعلامى من داخلها ومتفهما لطبيعتها، أما باقى الوزارات فأنا ضد المتحدث الإعلامى جملة وتفصيلا، لكن أحيانا يكون وجوده مهما عندما يفتقد المسئول مهارات التواصل مع الجمهور والرأى العام، مضيفة: قبل اختيار المتحدث يجب تدريب المسئول على مواجهة الجمهور سواء كان له متحدث أم لا، وفى المقابل لابد أن يكون أيضا لدى الصحفى مهارات اتصال مع المسئول والمتحدث الإعلامى، وأن يعلم أنه مساعد له وليس بينهما تنافس وأسهل الطرق لاختيار متحدث إعلامى اللجوء لكلية وأقسام الإعلام ونقابة الصحفيين وطلب ترشيح هذه المؤسسات المتخصصة.


"صحفي.. مسنود"


فى ذات السياق، قال الدكتور على عجوة أستاذ العلاقات العامة بجامعة القاهرة، الوزير فى الظروف الحالية لا يستطيع أن يتحدث إلى هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام والصحف والمواقع، فكان ضروريا وجود متحدث إعلامى؛ لكن المشكلة التى يقابلها الصحفيون مع هذا المتحدث هى الانتقاء بين المراسلين والإعلاميين من الشخصيات الكبيرة والمشهورة والمعارف، وتجاهل الصحفيين الأقل شهرة فى حين أن الصحفى أيا كان سنه أو موقعه من حقه الحصول على المعلومة، سواء كانت لدى الوزير أو غيره من قيادات الوزارة.


وتابع "عجوة" يجب أن يكون المتحدث متمكنا من أكثر من لغة حتى يستطيع أن يتحدث للخارج والداخل، ويكون استخدام المترجم فى الضرورة القصوى وأيضا مراعاة البعد الدبلوماسى، حتى لا تكون هناك إساءة فى العلاقات بين الدول، وقد تابعنا مؤخرا قضية السودانيين والذين أشيع أنهم تم تعذيبهم بالسجون وترجمت هذه الإشاعة أنه انتقام من السودان لموقفها من سد النهضة.. فلو لم يكن هناك من يوضح هذا اللبس بدبلوماسية لحدثت مشكلة بين البلدين. مضيفا: يجب أن يكون المتحدث ملما بالمعلومات والأرقام، خاصة عندما يكون هناك ضحايا ومصابون، يجب أن يتسم المتحدث الإعلامى بالدقة والدبلوماسية واللباقة.


وأكد "عجوة" ضرورة أن يحسن المسئول اختيار متحدثه، ويجب أيضا أن يكون الصحفى على مستوى المسئولية، فهناك ما يسمى بالترتيب النفسى للأسئلة الذى يجب أن يتدرب عليه الصحفى ليراعى البعد النفسى ويعرف حدود اللياقة وذوقيات المهنة حتى يستقيم التعامل بين جميع الأطراف.


"شروط.. وتخصصات"


فى ذات السياق، قال الدكتور فاروق أبو زيد، نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وعميد كلية الإعلام الأسبق، إن الوزير أو المسئول هو المنوط به اختيار متحدث إعلامى قريب منه ومتفاهم معه ليتحدث باسمه ولا يمكن فرض شخص بعينه ليكون متحدثا إعلاميا، لافتا إلى أن المتحدث الإعلامى ينبغى أن يكون متخصصا لديه معلومات ومعرفة كافية عن مجال المؤسسة التى سيتحدث باسمها، ومتمرسا فى فنون التخاطب مع وسائل الإعلام المختلفة.


وأضاف د. "أبو زيد" يتوجب على الوزارة تعيين متحدث باسمها إذا كان الوزير لا يتمتع بالكفاءة اللازمة للتحدث إلى الميديا، أو لا يمتلك الوقت الكافى للتعامل معها، بينما لو توفر فى الوزير درجة من الكفاءة للتواصل مع الإعلام، فهو حر أن يلغى منصب المتحدث ويتولى بنفسه المهمة، ولكن من المستحيل أن يتمكن من التواصل مع الميديا فى كل وقت بسبب مهامه الأخرى، وعلى الوزير ألا يضع نفسه فى مجال الصدام مع الإعلاميين.


وحول قرار بعض الوزراء بالتوقف عن التعامل مع الصحافة، قال "أبو زيد" بدون الإعلام يصبح المسئول ليس له وجود أو قيمة وغير متواصل مع الرأى العام، وعندها يكون المسئول لا يعمل لمصلحته أو مصلحة وزارته نفسها.