ليذهب جنينة ويحيا الفساد

20/01/2016 - 12:01:32

بقلم - نجوان عبد اللطيف

حكاية تقرير هشام جنينة والتقرير المضاد له حكاية كاشفة لكيفية إدارة الأمور على أرض المحروسة، المستشار جنينة أعلن فى تصريحات لوسائل الإعلام، أن الفساد كلف مصر ٦٠٠ مليار جنيه عام ٢٠١٥ ولكنه عاد ليصحح ويحدد الفترة الزمنية منذ توليه قيادة الجهاز المركزى للمحاسبات فى سبتمبر ٢٠١٢وحتى ٢٠١٥، طبقًا لتقرير تجميعى قامت به ١٤ إدارة فى الجهاز تضمن أراضى خصصت بأسعار زهيدة لرجال أعمال محددين، إلى حد أن أحدهم حقق أرباحًا حوالى ٧٠ مليار جنيه، كما ذكر فى وقت سابق، عن طريق السماح بتحويل أراضى الطريق الصحراوى مصر إسكندرية والإسماعيلية من أراضى استصلاح إلى أراضى منتجعات سياحية لبناء القصور والفيلات، حيث قال: «إنه من الصعب حصر حجم تكلفة الفساد داخل المؤسسات المصرية، ولكننا ومن خلال التقارير الرقابية، التى يشرف عليها أعضاء الجهاز،


يمكننا أن نقول: إن تلك التكلفة تجاوزت خلال عام ٢٠١٥، ٦٠٠ مليار جنيه»، إعلان هشام جنينة عن رقم ال٦٠٠مليار جنيه حجم الأموال المهدرة بسبب الفساد، أثار حفيظة كثيرين انقسموا إلى قسمين, قسم يمثل رموز الفساد الذى أسسته دولة مبارك، وهو أقوى مؤسسة ورثناها عنه، والتى استطاعت حماية نفسها بوسائل مختلفة فخرج معظم وزرائه ورجاله من السجون سالمين، بعضهم دفع الفتات مما نهبوه وبعضهم احتفظ بكل أمواله الحرام، والبعض الآخر الهارب فى انتظار اعتماد البرلمان لقانون التصالح الصادر منذ فترة وجيزة، ويقضى بالتصالح مع الفاسدين بتسديد الأموال التى نهبوها فقط طالما مازالوا فى مرحلة التقاضى وتسديد غرامة إذا صدرت ضدهم أحكام، وبعضهم تسلل لأروقة الحكم وكانوا وراء إصدار مثل هذه القوانين، بالتحفيز من خلالهم ومن خلال شبكتهم للإعلام، التى تمارس دورًا هائلًا فى تضليل الرأى العام وإقناع صناع القرار السياسى بأن هذا لمصلحة الوطن وضمان لعدم هروب رجال الأعمال، وعدم تخويف المستثمرين، وعلى حد المثل القائل (اللى ييجى منهم أحسن منهم)، وأعداد ليست بقليلة منهم وأتباعهم استطاعوا الوصول إلى عضوية البرلمان باستخدام الأموال المنهوبة فى انتخابات كان للمال السياسى فيها السيطرة الكاملة، فكانت لهم الحصانة والتدخل فى التشريع.. هذا القسم يرى ضرورة عودة الأجهزة الرقابية إلى سابق عهدها أيام مبارك أجهزة كرتونية يجلس على قمتها إما رجال ينتمون للسلطة (ويربطون الحمار مطرح ما صاحبه عايز) حفاظًا على مواقعهم، أو رجال فى أحسن الظروف يسيرون على طريقة (اللهم فاشهد اللهم بلغت)، ومن ثم وجدوا مافعله جنينة يضر بمصالحهم ومن ثم، لا بد من حملة للإطاحة به فى أسرع وقت.


القسم الثانى يرى أن مستقبل مصر مرهون بتنمية تهدف صالح الغالبية من فقراء هذا الوطن ودولة تحارب فساد الكبار بجدية، تستعيد أموالنا المنهوبة، وتضرب على أيدى الفاسدين وتعاقب من اغتنوا على حساب الغلابة، وترى أن اضطلاع الأجهزة بدورها فى مراقبة المال العام هى أهم الوسائل لكشف الفساد والمفسدين، وردع من تسول له نفسه اللعب بقوت الشعب، هؤلاء يرون فيما أعلنه جنينة هو بداية لمواجهة مؤسسة الفساد بكشف الوقائع ومن ثم تحريك الدعاوى والمواجهة.


استطاع رجال مؤسسة الفساد وإعلاميهم شن حملة على هشام جنينة، وتصوير ماقدمه جنينة من معلومات عن الفساد بأنه محاولة من رجل (يحسبه كثيرون على الإخوان لأن مرسى هو الذى عينه) لتشويه النظام الحالى وسمعة مصر، والإضرار بها اقتصاديًا، فكان تشكيل الرئاسة للجنة لتقصى الحقائق برئاسة رئيس هيئة الرقابة الإدارية، لبحث تقرير جنينة والتصريحات التى أدلى بها حول أرقام تكلفة الفساد، والتى عملت لـ١٥ يومًا فقط أصدرت بعدها تقريرًا، كان مفاجئة بكل المقاييس فهو عريضة اتهام موجهة ضد المستشار هشام جنينة، حيث اتهمته بالتضليل والتضخيم فى حجم وقيمة الفساد، وذلك بتكوين وتجميع بعض الأرقام أكثر من مرة وتحت مسميات عدة فى أكثر من موضع.


وفقدان المصداقية، وتجميع مفتعل لوقائع حدثت منذ عشرات السنوات وإثبات استمرارها دون تصويب.


والإغفال المتعمّد لما تم اتخاذُه من قرارات حيال ملاحظات سبق إثباتها فى تقارير الأعوام الماضية وتم الرد عليها وإحالة بعضها لجهات التحقيق.


وإساءة توظيف الأرقام والسياسات واتهمته بإثارة البلبلة وتعمد إصابة المناخ السياسى والاقتصادى لمصر بالضرر، خاصة أن هذه الدراسة تمت بالمشاركة مع جهة أجنبية فى الوقت الذى تسعى فيه البلاد لجذب الاستثمارات.


في الحقيقة أداء الطرفين جنينة ولجنة تقصى الحقائق مدهش، جنينة قدم رقمًا هائلًا لم يقدم معه شرح لوقائع بالتفصيل، وكان لزاما عليه أن يفعل طالما قرر الخروج بالرقم للإعلام، ثم تدارك خطأ وقع فيه، حيث ذكر أن هذا الرقم تكلفة الفساد عام ٢٠١٥ ثم عاد وقال: إنه منذ تعيينه فى سبتمبر ٢٠١٢


أما اللجنة التى تم تشكيلها من رئيس الرقابة الإدارية ونائب رئيس جهاز المحاسبات وممثلين عن وزارات العدل والتخطيط والمالية والداخلية، فتشكيلها فى الأساس لا يجوز، لأن جهاز المحاسبات هو الذى يراقب هذه الوزارات ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تقوم هى بمحاسبته، وبعض هذه الوزارات يتهمها الجهاز باتخاذها قرارات أو أعمال يشوبها فسادًا، كيف للمتهم أن يحاكم القاضي؟


الأمر الآخر كان المنتظر من هذه اللجنة أن تقدم لنا حقيقة أرقام الفساد، جنينة بالغ وليكن، إذن ماهى حجم المبالغة؟ هذا أهم سؤال كان يجب على اللجنة الإجابة عليه، بدلا من اتهامات لجنينة بالتضليل والتشكيك وإثارة البلبلة، والإضرار بالاقتصاد.. وكادت أن تتهمه بالتخابر للشراكة فى الدراسة مع جهة أجنبية رغم أن جهاز المحاسبات مطالب من قبل وزارة التخطيط مراجعة دراستها عن تكلفة الفساد، والتى تجريها مع التقرير الإنمائى للأمم المتحدة.


إذن غابت المضوعية والأسس العلمية والدقة.. ولم نعرف حقيقة الفساد فى المحروسة.


البعض أشار إلى الخلاف القديم الحديث بين المستشار الزند وزير العدل والمستشار جنينة والذى وصل إلى حد تبادل اتهامات وصولا للمحاكم، وأن الزند يسعى لإقالة جنينة قبل انقضاء مدته فى سبتمبر القادم، وهو الذى أعد القرار بقانون٨٩ لسنة ٢٠١٥ «يجوز لرئيس الجمهورية إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، إذا ثبت بشأنهم دلائل جدية على أمور تمس أمن البلاد وسلامتها، وإذا فقد الثقة والاعتبار، والإخلال بواجبات الوظيفة، والإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة، «والذى أطلق عليه الجميع» قانون جنينة».


وكان الصيد من جهات وأفراد عديدة لمبالغة أو خطأ جنينة فى الأرقام لاستغلالها للإطاحة به، ولكن الخاسر جهاز المحاسبات الذى تحول إلى متهم بدلا من دوره كمراقب ومحاسب، وهذا هو مربط الفرس إفقاد الجهاز مصداقيته، ومن ثم تحجيمه والقضاء على هيبته، لصالح الفساد والمفسدين، ولعل هذا ما جعل أبناء الجهاز يعتبرون التشكيك فى جنينة هو التشكيك فى جهد ١٤ إدارة قدمت الدراسة.. وربما لهذا كان تسريب الخطاب، الذى أرسله هشام جنينة للنائب العام السابق هشام بركات فى يناير ٢٠١٥ يحوى صورة لخطاب موجه للرئاسة يقول فيه إن تكلفة جرائم الفساد وإهدار المال العام فى المؤسسات الحكومية بلغ ٣٨٦ مليار جنيه عام ٢٠١٤، وأن هذا الرقم لا يتضمن الجهات السيادية (الرئاسة والدفاع والمخابرات والداخلية ) للمعوقات، التى تواجه موظفى الجهاز فى هذه الجهات، وكان جنينة أشار قبل ذلك لتجاوز بعض الجهات للحد الأقصى للمرتبات وللصناديق الخاصة أو السوداء، كما يسميها، وأنه لم يتلق ردا على الخطاب.


كما أن صحيفة الوطن نشرت فى سبتمبر الماضى أن رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء تسلما تقريرًا من هيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزى للمحاسبات، تضمّن حصرًا للتعديات على أراضٍ ملك الدولة ومخالفات تخصيص الأراضى فى كل المحافظات، بينها مخالفات طرق «القاهرة- الإسكندرية»، و»القاهرة- الإسماعيلية»، و»القاهرة- السويس»، والواحات، إضافة إلى أراضى الحزام الأخضر فى مدينة ٦ أكتوبر. وقدرت بـ٤٤٠ مليار جنيه هذ التقرير تم إعداده بناءً على طلب الرئاسة.


الفساد مؤكد وتقارير الشفافية الدولية تضع مصر فى مرتبة ضمن الدول المنتشر فيها الفساد، وسواء كان الفساد تكلفته ٤٠٠ مليار أو ٦٠٠ مليار فهو موجود وضخم ومؤكد، وهذا اللغط الدائر يعمل على ترسيخ فكرة أن الكشف عن الفساد سيضر مصر وسمعتها واقتصادها، لا يهم جنينة فليذهب جنينة، ولكن الهدف هو إخراس الأجهزة الرقابية، ومن يتحدث عن الفساد، وليحيا الفساد بدلا من أن تحيا مصر.