البرلمان المصرى بين الأمس واليوم

20/01/2016 - 11:58:00

بقلم - أحمد بان

يخطىء من يحاكم البرلمان المصرى ومسيرته وتاريخه، من خلال هذه المشاهد العبثية التى خرجت عن برلمان ٢٠١٦ أو مجلس النواب ، ذاك الاسم الجديد الذى عبرعن برلمان من غرفة واحدة ومثل انتخابه آخر محطة من محطات خارطة الطريق، بعد ٣٠ يونيه التى اكتسبت شرعيتها من خلال عنوان جامع هو استعادة صيغة الدولة الوطنية المصرية، التى تتوزع السلطة فيها بتكامل فى الأدوار ما بين مؤسسة تنفيذية وتشريعية وقضائية تلك الصيغة التى اعتبرها الإخوان تهديدا لهم، ومن ثم فقد تعاظمت آمال المصريين تجاه هذا البرلمان الذى يأتى بعد غياب مؤسسة التشريع والرقابة التى يمثلها المجلس لأكثر من ثلاث سنوات .


هذا البرلمان أو تلك المؤسسة التى جسدت بوجودها عبر ما يقرب من قرنين من الزمان فى مصر عبر عناوين ومضامين مختلفة، أكدت كلها عمق إيمان المصرين بذاتهم وأنهم قادرون على أن يحيوا فى دولة عصرية تملك مؤسسات حكم تشريعية وتنفيذية وقضائية.


هذا البلد يملك تاريخا عريقا يجب أن يعرفه أبناؤنا فى العمل البرلمانى، منذ أن بدأت بواكير نشأة برلمان فى العام ١٨٢٤، عندما أنشأ محمد على باشا مؤسس الدولة الوطنية الحديثة المجلس العالى، الذى كان يتكون من نظار الدواوين ورؤساء المصالح، واثنين من الأعيان من كل مديرية واثنين من علماء الأزهر، واثنين من التجار واثنين من ذوى المعرفة بالحسابات. واثنين من الأعيان تلك الصيغة التى تطورت بعدها بخمس سنوات، لتصبح مجلس المشورة الذى كان يتألف من كبار موظفى الحكومة والعلماء والأعيان، وكان عدد أعضائه ١٥٦ يضم بين أعضائه عددا من الأعيان والموظفين والعلماء ومأمورى الأقاليم يختارون بالتعيين، أما أول انتخابات فعلية لانتخاب البرلمان فقد كانت منذ قرن ونصف القرن، وبالتحديد فى ٢٥ نوفمبر ١٨٦٦ فى عهد الخديو إسماعيل، الذى كان مهموما بنقل تجربة أوربا فى العمران البشرى والمادى إلى مصر حيث أنشأ مجلس شورى النواب، الذى كان يتكون من ٧٥ عضوا منتخبين من قبل الأعيان ومع مرور الوقت اتسعت صلاحيات المجلس، وبدأت تظهر نواة الاتجاهات المعارضة وساعد ذلك انتشار أفكار التنوير وظهور الصحف، مما عزز المطالب الشعبية بإنشاء مجلس نيابى له صلاحيات واسعة، بالرغم من أن الخديو توفيق بعد توليه الحكم فى ٢٦ يونيه ١٦٧٩ رفض لائحة المجلس وأصدر أمرا بفض المجلس، الذى تعثرت مسيرته قبل أن تظهر صيغة مجلس شورى القوانين تلك الهيئة التشريعية التى تم العمل بها فى الفترة من ١٨٣٣ وحتى ١٩١٣، وقد كانت مكونة من ثلاثين عضوا يعين الخديو توفيق وقتها أربعة عشر عضوا منهم بصفة دائمة ويختار من بينهم رئيسا ووكيلا ، أما باقى الأعضاء الستة عشر يتم انتخابهم ويختارون الوكيل الثانى من بينهم .


ألغى المعتمد البريطانى كتشنر مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، وأصدر قانونا جديدا بإنشاء الجمعية التشريعية فى أول يوليو ١٩١٣ وتطورت التجربة البرلمانية يوما بعد يوم. رغم ازدهارها فى ظل الاحتلال البريطانى وصيغة الحكم الملكى الذى كان يتململ من تصاعد نفوذ البرلمان، ساعيا بكل طريق لتقليص سلطاته وتعطيل صلاحياته، لكن الشعب الذى كان متشوقا للحرية ولتقرير مصيره ظل مؤمنا بالدستور مدافعا عنه حريصا على التمتع بحقوقه وانتزاعها من خلال السياق الدستورى عبر نوابه، حتى أصبح البرلمان فى محطات كثيرة أقوى من الحكومة منحازا للشعب ومعبرا عنه، متسقا مع مهمته عارفا بها حريصا عليها بل وقادر على تحدى تلك الحكومة متى خرجت عن الدستور أو عطلت مواده، وهو ما حدث بالفعل فليتذكر المصريون أنه منذ ما يقرب من تسعة عقود فى مصر المحروسة، وبعد أن صدر قرار من الحكومة التى يرأسها محمد محمود بحل البرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ، وأغلقت مقرات النواب والشيوخ من قبل الشرطة والجيش ورفضت الوزراة مخاطبات رؤساء الشيوخ والنواب لفتح البرلمان، اتجهت إرادة الأعضاء إلى عقد جلسة البرلمان فى دار مراد بك الشريعى بشارع محمد على، وكان اجتماعا تاريخيا كما يصفه المؤرخ الرافعى فى كتابه « فى أعقاب الثورة المصرية – ثورة ١٩١٩ « أعاد للأذهان على حد تعبيره اجتماع البرلمان من تلقاء نفسه فى فندق الكونتننتال سنة ١٩٢٥، وقرروا فى اجتماعهم أن البرلمان قائم وأن الوزراة ثائرة على الدستور، وأعلن مجلس النواب عدم ثقتهم بها ووجوب تخليها عن الحكم كان ذلك فى العام ١٩٢٨، يوم كان نواب الشعب يدركون مهمتهم فى حماية حقوق الشعب والوقوف ضد استبداد السلطة التفيذية، يحافظون على مسافة كافية بينهم وبين السلطة التنفيذية بالقول والعمل، يبرز التباين بين مهمة كل منهما سلطة تعمل وفق الخطة العامة التى يصنعها البرلمان ممثلا للإرادة الشعبية حارسة لها، وحريصة على تحقيق طموحات الشعب وحماية مكتسباته التى كفلها وحددها الدستور، كان هذا هو الماضى فماذا عن الحاضر الذى حمل لنا العديد من المشاهد الهزلية، التى ليس آخرها هذا المشهد لعضو يتملق مذيعا فى إحدى الفضائيات بالقول « أنا بعشق تراب رجلين سيادتك أنا باحبك حاسبونى بقه « ولا أظن أنه سيحاسبه أحد ، وإلا لحاسبوا من أصر على أن يغير صيغة القسم مصرا على ألا يقسم على مواد الدستور كفرا بديباجته التى انتصرت لثورة يناير، التى يجاهر دون خجل بأنه لا يؤمن بها ثم يكمل القسم دون أن ينسى التأكيد أنه ما زال غير مؤمن بها .


لن أتحدث عن تلك الفوضى التى برزت فى جلسة افتتاح برلمان ٢٠١٦ ولا حرص الكثير من النواب على البقاء فى مربع التصوير، أو غيرها من الممارسات التى لاتليق بدولة تملك هذا التراث الذى قدمنا بالحديث عنه فى السطور السابقة، ولكن فقط سأقتصرعلى الحديث عن نقطتين كاشفتين لهما علاقة الأدوار والأقدار المرتبطة بهذا المجلس ونوابه .


الأولى تتعلق بإدراك مجلس النواب سواء عبر رئيسه أو وكيليه أو نوابه لدور المجلس كمراقب للسلطة التنفيذية وشريك لها فى السلطة بموجب الدستور، ومدى فهمه للمادة ١٤٦ و ١٤٧ وما تحدده من اختصاصات مع غيرها من المواد، هل ما خرج من مؤشرات حتى الآن يقول إننا بصدد برلمان يدرك تلك المهمة ؟ أشك لا أتحدث عن تأخير جلسة اليوم التالى لمدة ساعة فى انتظار مكالمة الرئيس الذى هو رأس السلطة التنفيذية، ولا الحديث المتكرر من قبل كتلة دعم مصر أوغيرها عن إقرار كل التشريعات التى صدرت فى غياب المجلس من قبل السلطة التنفيذية، بما يؤكد أن البرلمان يشارك الحكومة صفة الافتقار إلى برنامج عمل أو انحيازات واضحة حددت بعضها مواد الدستور، الذى لا أعلم من سينتصر لمواده إذا لم تكن الحكومة والبرلمان؟ هل مهمة البرلمان أن يبصم على ما تفعله حكومة من المفترض أنه شريك لها فى الحكم؟ إذن ما جدوى كل مفردات العمل البرلمانى من سؤال وبيان عاجل واستجواب أو سحب ثقة مثلا.


ثانيا فى مساحة الرقابة، هل مكافحة الفساد ومحاكمته ومناقشة كل ما يتعلق به من مهمة المجلس أم ماذا؟ فى هذا السياق لا أستطيع أن أفهم ما سر تلك الحملة الشرسة على رجل كالمستشار هشام جنينة تحدث عن فساد وصل إلى ٦٠٠ مليار جنيه فى قطاعات الدولة المختلفة، وعلى إثر لجنة لتقصى الحقائق شكلها الرئيس لا أفهم أيضا كيف يصدر قرار من السلطة التنفيذية بتشكيل لجنة تتقصى حقائق، للبحث فيما أعلنته هيئة أرقى وأعظم هى الجهاز المركزى للمحاسبات على لسان رئيسها، وهو المعنى الأول فى مصر بمكافحة الفساد، وإذا كنا بصدد تقريرين الأول صدرعن الجهاز المركزى والآخر صدر عن لجنة محسوبة على السلطة التنفيذية، فمن سيفصل فى تلك التقارير وأيهما المعبرعن الحقيقة، ومدى تجرد البرلمان خصوصا بعدما صدر عن أعضائه عن اتجاه البعض منهم لإبلاغ النائب العام عن جنينة واتهام وكيل المجلس له عبر مداخلة يشوه الحقائق بالتضليل وفقدان المصداقية والترتيب المفتعل للوقائع وإساءة استخدام الأرقام والسياسات وتعطيل الحكومة الحريصة على الحوكمة والإدارة الرشيدة ، وترديد مفرادات تقرير اللجنة دون تمحيص أو نظر.


هل ينكر عاقل فى هذا البلد أن الفساد مستشر فى كل القطاعات؟ هل ذكرت لجنة تقصى الحقائق رقما آخر لنناقشها فيه؟ أم أنه ليس ثمة فساد بالمرة وأن جنينة كما زعم البعض يلعب دورا لحساب جماعة الإخوان التى لم يستثنيها من الفساد فى تقاريره السابقة .


هذا المجلس مطالب ببحث ما تقدم به جنينة من وقائع فساد بتجرد وشفافية ونزاهة تليق بأدواره وعلى مرأى ومسمع من المواطنين، وليس فى جلسات سرية أو مغلقة ليناقش الرجل فيما أعلنه إما أن تثبت هذه الوقائع فيتم تشكيل سياق ملائم ولائق للتعامل معها، أو تكون مكذوبة وتنطوى على تضليل كما وصفها تقرير لجنة تقصى الحقائق وساعتها يرى المجلس ما ينبغى فعله .


السلطة التشريعية هى المعنية بالرقابة وليست الحكومة التى هى معنية فقط بالعمل والرقابة عليها، أما أن تشكل الحكومة لجنة لتقصى الحقائق بالافتئات على سلطة البرلمان، فهذه مقدمات قد تؤدى إلى نتائج مخيفة على مستقبل هذا البلد.


المصريون مدعون هم ونواب هذا البرلمان لقراءة تاريخ هذا البلد ولائحة المجلس والسوابق البرلمانية، من خلال مضبطة المجلس ليدركوا أنهم يجلسون على مقاعد أعلام وطنية جلس عليها أعلام كمكرم عبيد وممتاز نصار وعلوى حافظ وغيرهم كثر، نواب كانوا يدركون أدوارهم وأقدراهم وأقدار بلد ينتسبون إليه.


مصر ياسادة تستحق برلمانا حقيقيا مدركا لمهمته معتزا بها، شريكا فى السلطة وليس تابعا أومجاملا لها فى قول أو فعل. . وهوما لا تبدو إماراته حتى الآن بالطبع علينا ان ننتطر على الأقل لدورة تشريعية كاملة، يمكن معها أن نقدم تقويما موضوعيا لهذا البرلمان بما يستدعى دعمه وتأييده أو المطالبة بحله وتهيئة الأجواء لانتخاب برلمان جديد، أكثر تعبيرا عن سيادة الشعب لكن لا أظن فى هذه الحالة أنه سيسبق انتخاب مجالس شعبية محلية تستعيد للبرلمان القادم مهمته الأصيلة فى التشريع والرقابة دون عبء الخدمات ، التى يفترض أن تنهض بها تلك المجالس وحتى ذلك الحين سنراقب هذا البرلمان ونتجه إلى الله بالدعاء بأن يلهمهم الرشد فى القول والعمل، رفقا بهذا الوطن الذى لم يعد يحتمل مزيدا من العبث .