خفايا الاستراتيجية التركية فى المنطقة العربية

20/01/2016 - 11:39:27

عميد طارق الحريرى

على مدار تاريخ نشأة الدولة التركية الحديثة التى قامت على ما تبقى من أنقاض إمبراطورية الخلافة العثمانية لم تحفل علاقاتها مع أغلب دول الشرق العربى بالاستقرار وفى المدى الأقدم طوال الحقبة العثمانية التى امتدت عدة قرون عانت دول إقليم الشرق الأوسط الخاضعة لها قبل تقسيم «سايكس بيكو» من الاستغلال والنهب والقمع واتصفت العلاقات المعاصرة منذ قرابة سبعين عاما مع مد حركة ومفاهيم التحرر الوطنى عقب استقلال الدول بالصدام مع أنقرة المنضوية تحت جناح حلف شمال الأطلسى والموالية للغرب سياسيا نظرا للتوجه الوطنى الذى استجد وتبنى رفض التبعية للقوى الاستعمارية، كما أن علاقتها المتميزة كأول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل رغم وشائج الدين والتاريخ مع العرب كانت مثار استنكار وغضب، وكانت تركيا رأس حربة عند إنشاء حلف بغداد ذي النزوع الاستعمارى، مما أثار حفيظة الدول العربية وبصفة عامة يمكن القول أن علاقتها بالدول العربية اتصفت بالبلبلة والتزعزع ووصلت حدا من التوتر فى بعض الأحيان إلى درجة الاقتراب من مزالق النزاع المسلح وأخيرا ها هى الأدوار غير المقبولة تجاه دول الأقليم فى الإضرار بمصالح الشعوب والحكومات.


اتسمت السياسة التركية المعاصرة لفترة عقود بعدم الاكتراث بالعلاقات مع الدول العربية والإسلامية طوال محاولاتها الحثيثة بسبب انشغالهامن أجل الانضمام للاتحاد الأوربى الذى يممت وجهها شطره بكل ما تملك من طاقات سياسية واجتماعية واقتصادية ورغم رضوخ حكومات متعاقبة فى أنقرة للمطالب الأوربية الصعبة والتى وصلت إلى حد التعجيز أحيانا إلا أن الأوربيين لم يكن لديهم النية فى إلحاق تركيا بركبهم وفى أعقاب تبين الأتراك بعد كل محاولات الاسترضاء أنهم أمام حائط مسدود داروا على أعقابهم وعادوا إلى تنشيط علاقتهم فى الفضاء السياسى للعالمين العربى والإسلامى باعتبارهما الفناء الخلفى المتسق مع بقايا أوهام زمن الخلافة فى الدولة العثمانية وتحديدا بعد تولى حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية - الأقرب للإخوان المسلمين - وبدأ هذا التوجه تجاه الدول العربية يأخذ منحى أكثر عمقا وتدخلا فى الشأن الداخلى لاسيما بعد انتفاضات الربيع العربى التى أربكت الأوضاع السياسية والاقتصادية فى بلدانه فى محاولة من أنقرة لبسط نفوذها استغلالا لما استجد على الساحة وحتى تعمق تأثيرها تماهيا مع المحاولة الأمريكية لإعادة بناء الشرق الأوسط فى إطار الخطة المعلنة منذ عام ٢٠٠٦ والتى اصطلح على تسميتها بالشرق الأوسط الجديد وقد أغرى تركيا للاندفاع نحو تحقيق أهدافها ذات الطابع الاستعمارى ثلاثة جوانب هى:


١ – حالة السيولة السياسة والعسكرية والأمنية فى الدول المحيطة بها.


٢ – أنها الدولة الأقوى عسكريا بين دول الإقليم حيث يأتى جيشها فى المرتبة الأولى.


٣ – تمتعها باقتصاد هو الأول إقليميا ورقم ١٦ عالميا.


ومن المعروف أن السياسة التركية تتسم بالبراجماتية غير الخاضعة لأى معايير ضبط أخلاقية أو سياسية، لذلك لم يكن من الصعب عليها أن تعيث فسادا وإضرارا بمصالح واستقرار دول الأقليم وبالطبع دولها العربية المحيطة بها.


الاصطدام بحائط مصر المنيع


اتسمت العلاقات المصرية طوال الفترة الناصرية بالفتور والنفور بين البلدين بسبب توجهات جمال عبدالناصر الرافضة لسياسة الأحلاف والتبعية، بينما كانت تركيا منخرطة فى هذه السياسة وتعمل على توطيدها ووصلت العلاقات فى أحيان كثيرة إلى حد العداء الصريح لكن هذه العلاقة تحسنت طوال فترة الرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك وتوطدت بعمق فى السنة التى حكم فيها الإخوان المسلمين؛ نظرا للتقارب الفكرى بين حكومتى البلدين والعمى الأيديولجى لحكومة الإخوان المسلمين المنساقة وراء الوهم الأممى بالخلافة الأسلامية وهو مالاقى هوى لمآرب حكومة تركيا انطلاقا من نوستالجيا زمن الخلافة العثمانية لكن انتفاضة الشعب المصرى السريعة فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ أطاحت بكل هذه الأوهام ومنذ هذا التوقت تحديدا بعد استعادة المصريين لشرعية السلطة بدأت مرحلة من العداء السافر للشعب المصرى وحكومته وقد انعكس هذا العداء فى المواقف السياسية الذى اتخذ مسارا مسموما ضد مصالح الدولة المصرية بدءا من اعتبار انتفاضة الشعب المصرى ضد الإخوان المسلمين انقلابا عسكريا رغم أن موقف القوات المسلحة كان امتدادا يلبى الإرادة الشرعية ولا يخالفها أو يعارضها وحتى هذه اللحظة تدعى الحكومة فى أنقرة بعد اعتراف دول العالم بشرعية النظام فى مصر أن السلطة فى مصر انقلابية وكأن الشعب الذى يمنح الشرعية لا يستطيع أن يسحبها ويحجبها لكن موقف الشعب المصرى اصطدم بمصالح ونوايا تركيا، ولذلك شن الأتراك حملة مسعورة ضد مصر وشجعوا الإخوان المسلمين داخل مصر وخارجها وحرضوهم على محاربة المصريين شعبا وحكومة من أجل الانتقام بعد فشل مخططهم فى التمدد فى الإقليم عبر مصر الإخوانية كما وفرت الحكومة التركية ملاذا آمنا لفلول وقيادات الإخوان المسلمين الذين هربوا من مصر وأخيرا من خلال مطلبها الخبيث فى مباحثات استعادة العلاقات التاريخية إلى سابق عهدها مع إسرائيل وهو مطلب إقامة خط ملاحى بحرى مع قطاع غزة مباشر وحر بهدف خفى هوالإشراف والسيطرة على القطاع فى محاولة لأن توجد لنفسها موطأ قدم على الحدود المباشرة مع مصر وليس مستبعدا على الإطلاق أن تسعى إلى تحويل غزة إلى مركز ضخم لتدريب عناصر الإسلام السياسى المسلحة وإمدادها بالسلاح وجعلها بؤرة تهديد مزمنة لأمن واستقرار مصر، وهذا فى الأغلب ما ترمى إليه مع فصل القطاع عن السلطة الفلسطينية وتقليص الدور المصرى المحورى فى مجريات القضية الفلسطينية والنزاع العربى الإسرائيلى وصنع دور جديد لتركيا فى هذا الملف على حساب مصر ولقد فطنت مصر لهذا المخطط ونبهت حكومة تل أبيب إلى مخاطره وعدم القبول به.


أطماع تركيا الهستيرية فى سوريا


منذ بواكير اندلاع العنف فى سوريا لعبت تركيا دورا استعماريا وسمحت لنفسها من خلال الحدود المشتركة بين البلدين والتى يبلغ طولها ٧٠٠ بدخول جميع أنواع المرتزقة من تنظيمات الإسلام السياسى من كافة أنحاء العالم وجعلت الحدودالسورية التركية ممرا آمنا للإرهابيين والمتطرفين لقتل الشعب السوري وتدميرالبنية التحتية فى البلاد وبلغت من جبروت سلوكها الاستعمارى كما هى سنة الأسلاف العثمانيين أن فككت المصانع وسرقتها وقام أردوغان بدور المقاول لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد لدى القوى الاستعمارية التى تعمل على تفتيت سوريا واستغل هذه الأوضاع لتحقيق مكاسب رخيصة سياسيا ثمينة ماليا بشراء البترول الذى تسرقه داعش من سوريا والعراق بربع قيمته فى السوق العالمى.


لقد ارتكبت تركيا خطأ مأساويا عندما رفعت سقف العنف عاليا تجاه الأزمة السورية ومع مراحل هذه الأزمة أحرقت تركيا جميع سفنها لاسيما بعد أن انتفى الخيار العسكرى الدولى لإسقاط النظام السوري كما جرى لنظام القذافي في ليبيا من قبل ومن ناحية أخرى لم ولن توجد فرصة أو إمكانية لتركيا على القيام بمثل هذا الخيار الكارثى حتى لو كان هناك تمويل خليجي لمثل هذه المغامرة وبالأخص بعد التدخل الروسى العسكرى على مسار الأزمة مع عدم التغافل عن وقع الأزمة الكردية القابلة للتحول إلى برميل


بارود قابل للانفجار فى أى لحظة لقد ظنت تركيا نفسها قوة إمبراطورية ضاربة قادرة على رسم المصائرفى الفضاء الإقليمى للشرق الأوسط انطلاقاً من البوابة السورية فانتهجت على حساب الشعب السورى التصعيد مع النظام وكان يمكنها القيام بوساطة بينه وبين المعارضة لاسيما أنها تحتضن جماعة الإخوان المسلمين وهكذا أضاعت الأطماع على أنقرة دور القوة الناعمة التى كان يمكن أن ترسخ لها مكانة إقليمية كبرى لكنها التطلعات الجامحة التي تدمج بين الإرث التاريخي والتطلع الأعمى إلى الدور والنفوذ في الشرق الأوسط اعتماداعلى علاقة التبعية مع الولايات المتحدة وإستراتيجيتها تجاه المنطقة العربية فى هذا الإقليم لقد ظنت تركيا أنها قادرة من خلال مؤامرتها الكبرى على قضم جزء جديد من سوريا مثلما فعلت من قبل فى زمن ولى وأوضاع استراتيجية مختلفة.


أطماع قديمة فى العراق


لم يسلم العراق من الأطماع التركية ولم تكن مساعدات أنقرة لتنظيم داعش سوى محاولة لتقسيم الدولة العراقية واستغلال الوضع المستجد فى حال نجاح التقسيم فى الاستيلاء على الموصل وينكشف هذا المخطط من تصريحات ملفتة لرئيس معهد الدراسات التاريخية التابع للحكومة التركية «يوسف هالاج أوغلو» التى يدعو فيها صراحة إلى إعادة النظر في اتفاقيةعام ١٩٢٦ التي تخلت بموجبها أنقرة عن الموصل وكركوك للعراق وقال بدون مواربة: «من حق تركيا أن تسترجع الموصل وكركوك إذا قررت واشنطن تقسيم العراق لأن الأتراك تركوا الموصل وكركوك لدولة عراقية موحدة «وليس من قبيل المصادفة أن الحكومة التركية سربت قوات لها داخل الموصل من خلف ظهر بغداد فى اعتداء صارخ على السيادة العراقية بادعاءات مكذوبة عن مقاومة داعش وتدريب عراقيين للتصدى لهذا التنظيم الإرهابى كما أنه ليس من قبيل المصادفة أيضا تحالف حكومة أنقرة مع «أثيل النجيفى» محافظ الموصل وقت استيلاء داعش الملغز عليها ولجوئه بعدها إلى تركيا وتصريحاته المثيرة للريبة والجدل من هناك حيث عقب على الموقف الحالى قائلا: «الأطراف الرئيسة التي ستشارك في عملية تحرير الموصل هى الولايات المتحدة الأمريكية والبيشمركة والحشد الوطني وسيكون هناك دور كبير لتركيا وما أراه في إسناد المعركة هو أن أقرب إسناد يمكن أن يؤمن سيكون من خلال انطلاق الطائرات من قاعدة إنجرليك التركية أو من خلال وجود إسناد بري تحدده أنقرة مع التحالف الدولي سواء كان مدفعيا أوإسناد دبابات كما سيكون هناك دورللجيش العراقي «وهنا يجب التنبه إلى أن النجيفى قام بفتح مكتب للسنة العراقيين فى واشنطن وأنه لا يحمل الدور التركى نحو العراق سوى الأطماع غير المشروعة وغير المحدودة».


التآمر على ليبيا


لم تسلم ليبيا باعتبارها إحدى دول الربيع العربى من مؤامرات وشرور تركيا التى لعبت دورا خطيرا فى إقحام داعش على المشهد السياسى والعسكرى المضطرب، فقد وصلت الكتلة الرئيسية من التنظيم إلى ليبيا عن طريق دعم لوجيستى ساهمت به تركيا التى تربطها بداعش مصالح وأهداف واستخدمت فى هذا الدعم وسائل نقل نفذت جسرا جويا وبحريا من رحلات متعددة تم من خلاله نقل الأفراد بأسلحتهم الخفيفة ورحلات أخرى لنقل الأدوات المادية من سلاح واحتياجات إدارية وساعد على هذا التشرذم الداخلى وغياب سلطة الدولة ويؤكد هذا التدخل لصالح داعش أن اليونان أوقفت سفينة كانت متجهة إلى ليبيا محملة من تركيا بالأسلحة لصالح داعش كما قامت طائرات بقصف سفن فى المياه الإقليمية الليبية محملة بالأسلحة ومعدات القتال ورصدت طائرات مجهولة تحط فى مطارات تحت سيطرة جماعات مسلحة غير شرعية وسبب قيام تركيا بهذا الدور أنها كانت تنوب عن الولايات المتحدة فى تجهيز مسرح العمليات الليبى فى حالة فشل المبعوث الأممى فى إقامة حكومة وفاق وطنى وكما هى العادة ساهمت تركيا بالنصيب الأوفر فى زرع داعش فى ليبيا أملا فى أن يتمكن هذا التنظيم من الاستيلاء على مناطق البترول وتدفقه بعد ذلك إليها بأسعار بخسة ولا شك فإن أنقرة كانت تواصل بهذا الدور البحث عن أى تنغيص على مصر بخلق بؤرة تهديد فى عمقها الاستراتيجى.