الإسكندرية بين ماض عريق وحاضر كئيب: ماذا يفعل فيها المحافظون؟

20/01/2016 - 11:24:17

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

ارتبط بالإسكندرية ارتباطا قويا لا يقل عن ارتباطى بالقاهرة التى ولدت فيها وتعلمت بها وعملت بها، وارتبط بهواء الإسكندرية وبحرها كما ارتبط بجو القاهرة ونيلها، ورغم عملى لسنوات طوال فى بعض دول منابع النيل وزيارة باقى الدول الأخرى، إلا أن النيل بالقاهرة يختلف اختلافا كليا عن النيل خارجها فنيل القاهرة ساحر، يرتبط فى وجدانى بالشعر والموسيقى والغناء ويوم رأيت السين فى باريس ونهر الدانوب فى بودابست ونهر الفولجا فى موسكو لم أجد أيا منها يرقى لنهر النيل فى القاهرة.


وكذلك البحر فى الإسكندرية ارتبطت به منذ أولى زياراتى للإسكندرية فى صيف ١٩٦١ فقد تعودت وأنا صغير أن أقضى وأشقائى الصيف فى بلد والدىّ محلة زياد وكان منزل جدى للأم يقع على الترعة مباشرة – النيل مرة أخرى – ودوار جدى للأب فى الجهة المقابلة، حيث كانت الترعة تقسم البلد إلى محلة زياد ومجول إلا أنه بوفاة الأجداد قل ارتباطنا بالبلد وعام ١٩٦١ ذهبت لأول مرة للإسكندرية وبهرنى البحر وبهرنى أكثر كثرة الشواطئ فيها وتنوعها ووجدت أن البحر عند الإسكندرية يختلف تماما عنه فى أى دولة أخرى متوسطية زرتها فيما بعد خلال حياتى.


وفى عام ١٩٧٢ تخرجت فى الجامعة وقررت أنا وأصدقائى الذهاب للإسكندرية لقضاء ثلاثة أيام معا نودع فيها الدراسة ويستعد كل منا إلى مستقبله الذى ينتظره، وكان هذا المستقبل لى هو الذهاب للتجنيد وقضاء الخدمة العسكرية، ونظرا لجمال الإسكندرية وجمال البحر بها امتدت إقامتنا بها لشهر كامل.


الإسكندرية لدى هى عروس البحر المتوسط وعاصمة مصر قبل الفتح الإسلامى، إنها ليست مدينة عادية أو محافظة من محافظات مصر، بل هى منارة للفكر والحب والجمال، وقد كونت سمعتها من سلوك أهلها ومحافظتهم على هذا الجمال من خلال تنوع سكانها لتضم جاليات من جميع دول البحر المتوسط من اليونان وإيطاليا وفرنسا وتركيا وقبرص، وقد عاشوا فيها فى وئام وسلام شاهدته بنفسى يوم أن نقلت إلى سفارتنا فى قبرص، فوالدة سكرتيرة السفارة التى بلغت سن التقاعد قبل وصولى بعدة أشهر كانت من بنات الإسكندرية وأصرت أن تدعونى وزوجتى على الشاى فى منزلها ولا أنسى كلماتها عن الإسكندرية وجمال الإسكندرية وحياة الإسكندرية.


لذلك فرحت جدا حينما افتتحت مكتبة الإسكندرية لأننى كنت واثقا أنها ستعيد الحياة الثقافية إلى الإسكندرية مرة أخرى فتعيد مناخا افتقدته الإسكندرية طويلا وبعدا من أبعاد شخصيتها، كما تكونت لدى وكما تدل عليه أسماء أرقى وأقدم محلات هذه المدينة العريقة.


لكننى مؤخرا دعيت إلى مؤتمر بها لمكافحة الإرهاب وقررت أن ألتقى على هامش المؤتمر بأصدقاء لى قدامى تعودت أن التقيهم من آن لآخر وبعض الشباب النابه السكندرى الذين عرفتهم من خلال تدريس بعض الدورات عن الدراسات المستقبلية بالمكتبة، ومنيت نفسى بزيارة تصلح بعضا مما أفسده الزمان فى صحتى، إلا أن هذه الزيارة صدمتنى فى الإسكندرية التى كانت إلى عهد قريب عروس البحر الأبيض المتوسط.


فقد حجزت لى المكتبة فى أحد الفنادق الحديثة وإذا بهذا الفندق مبنى على الشاطئ، نعم على الشاطئ نفسه وليس على الكورنيش، يالله !!!! منذ متى وتلك العروس الجميلة أصبحت بهذا القدر من الكآبة والقبح؟ منذ متى وقد وصل الفساد إلى هذه الدرجة من الفجر والتبجح؟ وما الذى يدفعنا لحرمان أهل إسكندرية من متنفسهم الرئيسى؟ من المسئول عن هذا؟


ولكننى فوجئت أن هناك عدة مبان تم بناؤها بصورة بشعة على شواطئ تلك العروس لا تنم إلا عن أكبر قدر من البشاعة والقبح، فأى مبنى مهما كان مظهره جميلا إذا ما قورن بمنظر البحر مؤكد لا يعكس إلا قبحا وفسادا فى الذوق لا يمكن مقارنته بجمال الإسكندرية ولا يستحقه أهلها.


منذ قرابة الثلاث سنوات ناقشتنى السيدة ريم صيام وهى واحدة من بنات أعرق العائلات السكندرية وواحدة من أنشط السيدات المصريات فى مجال تنمية المجتمعات المحلية واختارتها الأمم المتحدة أكثر من مرة كواحدة من أقوى وأكثر المائة شخصية عربية تأثيرا فى المجتمع العربى، وقد عرفتها من إحدى هذه الفعاليات حينما كنت سفيرا بالبحرين ونظمت معرضا مصريا لاقى كل النجاح هناك وقد تشرفت وحرمى بافتتاح المعرض لها، ومنذ ذلك الحين والصداقة مستمرة وفقا لمقتضيات الظروف. هذه السيدة ناقشتنى فى ضيق مساحة محافظة الإسكندرية وطرحت فكرة البناء داخل البحر كما يفعل أهل الخليج فى الجميرة مثلا فى دبى ورغم اعتراضى فى البداية على الفكرة إلا اننى بعد الاستماع إلى فكرتها وافقتها على مشروعها بان يكون داخل البحر بعدة كيلومترات (١٠ كيلومترات مثلا) عن طريق جسر من اطراف الإسكندرية وان يكون مشروعا سياحيا فقط لا علاقة له بالتصنيع أو التعليم أو أى مجالات أخرى وان يمنح حق استغلال هذه المناطق لعدة سنوات يتفق عليها مع الشركات المستثمرة تؤول بعدها الملكية لمصر كما يراعى أن تكون المبانى منخفضة لا تتعدى دورا أو اثنين على الاكثر والمشروع رسومه أهديها لمحافظ الإسكندرية فى هذا المقال.


وقتها كنت معترضا على المشروع حتى لا يحجب المشروع رؤية البحر أما اليوم فى ظل هذا القبح الذى نال من شواطئ الإسكندرية فاننا مجبرون على تنفيذ مثل هذا المشروع خاصة مع افكار صاحبة المشروع السيدة ريم صيام لربط المشروع بآثار الإسكندرية.


إن المبانى العديدة التى اقيمت على شواطئ الإسكندرية تحتاج لدعم الرئيس السيسى لمحافظ الإسكندرية لأن أول من أنشأ هذه المبانى على شواطئ المدينة الجميلة كانت جهات سيادية فى الدولة مثل القوات المسلحة والداخلية ثم امتدت يد القطاع الخاص لانشاء فنادق وكافيتريات ومبان لا أدرى طبيعتها ولكنها جميعا وبدون استثناء واحد تشترك فى جريمة حجب رؤية البحر ليس فقط عن اهل إسكندرية بل عن نزلاء وزوار المكان نفسه لان هذه المنشآت اقامت على بعد عدة امتار حاجزا من الاحجار الضخمة المرتفعة لمنع الامواج من التدفق إلى الفندق، فدمرت مرة أخرى البحر والمنظر البديع له.


لقد اخطرنى أحد الاصدقاء أن الفندق المبنى على الشاطئ بنى فوق مخارج الصرف الصحى ومخرات السيول وانه كان سببا مباشرا للمأساة التى عانت منها الإسكندرية من امطار هذا العام فى عهد المحافظ السابق السيد المسيرى الذى لا تربطنى به أى صلة على الاطلاق ولم اسمع عنه إلا كل خير.


إن ما يحدث على شواطئ الإسكندرية جريمة فساد بكل ما تحمل الكلمة من معان تحتاج إلى تدخلا قويا من الدولة تثبت فيه انها قادرة على فرض كلمتها وانها قادرة على حماية ابسط حقوق مواطنيها والا فلنصمت جميعا على الفساد وليكن شعارا للدولة فى المستقبل يجسده شعار البقاء للافسد والفاسدين، فعلى محافظ الإسكندرية طرح الامر على السيد رئيس الجمهورية بكل شجاعة إذا لم يكن فى مقدورة إزالة هذه العشوائيات من على شواطئ الإسكندرية، خاصة أن الدكتور أحمد زكى بدر قد اعلن من قبل أن زمن التصالح فى المبانى المخالفة قد انتهى وأن أى مبنى مخالف سيتم تفجيره، وها هى الفرصة قد واتتك لتؤكد قدرة الدولة المصرية فالمخالفة ليست فى عدد الادوار فقط ولكن فيها وفى موقع العقار ايضا وتأثيره على البيئة، وهذه المبانى سبق أن أشرت إلى تأثيراتها على تصريف مياه الامطار هذا الشتاء إضافة إلى منظرها القمىء.


ورغم مطالبتى السيد رئيس الجمهورية والسيد وزير التنمية المحلية بالتدخل لدعم محافظ الإسكندرية فى تحركه، إلا أننى أشدد مرة أخرى على دور المحافظ لأن بداية الحل لديه أى أن إثارة الموضوع هى مسئوليته أساسا ونهايته أيضا لديه بمعنى متابعة تنفيذ قرارات رئيس الجمهورية ووزير التنمية المحلية هى من صميم عمله، وإن كان غير قادر على القيام بأبسط مسئولياته فعلية الرحيل.