ناهضت الإصلاح الدينى وحرقت اليهود وتتلبسها روح الفراعنة: «ميونخ».. مدينة «البايرن» والبيرة البافارية

20/01/2016 - 10:56:46

رسالة ميونخ: أمانى عبدالحميد

فرق التوقيت بين القاهرة ومدينة ميونخ لا يزيد عن الساعة وتستغرق الرحلة بالطائرة حوالى الأربع ساعات، إلا أن فروق الحياة بين المدينيتن شاسعة جدا، فأهل البايرن يفتقدون حالة الفوضى وليالى القاهرة الساهرة، فى حين نندهش نحن أهل مدينة الزحام حالة الهدوء والسكينة التى تعيشها المدينة البافارية، خاصة مع بدايات فصل الشتاء وهى الراقدة فى أحضان جبال الألب ويقطعها نهر «إيسار» الهادئ، سكانها لا يتعدون المليون وأربعمائة نسمة فقط، إلا أنها أكثر المدن الألمانية قوة وهى قلبها الاقتصادى النابض، تحوى بين جوانبها أكبر شركات صناعة السيارات وأهم رموز الصناعات الألمانية الثقيلة، لذا يعتبرونها العاصمة الخفية لبلاد الألمان، وهى من أهم مراكز الموضة والثقافة والأدب، تحوى مقرعدد من محطات التلفزة والإذاعة وحوالى ٣٠٠ دار نشر. يزورها سنويا حوالى ثلاثة ملايين سائح. حسب الإحصاءات الألمانية، لذا فإن ميونخ تعد المدينة المفضلة الأولى للعيش فى هدوء.


الرحلة بدأت قبل بداية العام الجديد بأيام قليلة، مما منحنى فرصة التعرف على الحياة الثقافية والتاريخية لتلك المدينة الهادئة. شوارعها تكاد تكون خاوية من البشر، لكن دوما هناك ما يثير الخيال خلف تلك المبانى التى تتشابه إلى حد كبير والبيوت الريفية الأوربية، الحياة الرغدة أثرت على أهلها والذين يعانون من الخواء العاطفى والاجتماعي، يرغبون فى الإثارة الممزوجة بالتشويق، ونتيجة لذلك أصبحوا مولعين بالثقافات القادمة من الجنوب والحضارات القديمة الدافئة، وهو ما تقدمه متاحف الآثار والفنون هناك والتى يزيد عددها على ٤٦ متحفا، حيث تفتح أبوابها أيام الآحاد بتذكرة دخول ثمنها يورو واحد فقط ، فتمتلئ قاعاتها بالزوار خاصة العائلات.


وفى الأحد الأول من العام الجديد كان لى زيارة خاصة لبعض المتاحف هناك، منها متاحف متخصصة فى الفنون الكلاسيكية وأخرى فى الفنون المعاصرة، مثل مجموعة متاحف «بيناكوتيك» وهى عبارة عن ستة متاحف تقدم الفنون، سواء القديمة أوالجديدة أوالخاصة، علاوة على المتاحف التاريخية التى تسرد تاريخ ميونخ وترصد أهم الأحداث التى مرت بها، ومنها المتحف اليهودى والذى يحوى معبدا يهوديا والجمعية الثقافية الإسرائيلية الواقع بميدان سانت «ياكوببلاتس»، ويقابله عند أطراف المدينة محارق اليهود التى أقامها هتلر لهم خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن ميونخ تفتخر بامتلاكها مجموعات نادرة من القطع الأثرية المصرية القديمة، والتى يفوق عددها ال٨٠٠٠ قطعة والتى تعرض بعضها داخل متحف المصريات المطل على أشهر ميادينها «أوديون بلاتز» فى قلب المدينة القديمة بجوار متاحف الفنون.


لذا اصطحبتنى صديقتى الألمانية فى زيارة لمتحف المصريات الذى يحوى مجموعة «الفن المصرى القديم»، وهى زيارة كانت واجبه، خاصة مع انتشار الهوس الفرعونى بين أهالى ميونخ، ومنهم صديقتى التى تلبستها روح فرعونية قديمة، كما تعتقد والتى تؤكد أنها روح الملك توت عنخ آمون، وبالفعل لدى وصولنا إلى المتحف ونزول السلالم الأسمنتية ذات اللون الرمادى المشابه للون سماء تلك المدينة البافارية الباردة، تخطينا الزمن الراهن، وقفت أمام تمثالها الأحمر البالغ الجمال فى هدوء شعرت بأننى بلغت غايتى الخفية من الرحال حول بلاد البايرن الباردة، منذ أن وقعت عينى عليه حتى باتت روحها الفرعونية تتلبسنى، فلم يكن تمثال الملكة حتشبسوت الصغير يبدو وأنه يحمل تعويذة سحرية أو لعنة ما بل كانت كل الأجواء المحيطة هى ما شجعت روحها الباحثة عن المغامرة، يبدو أن العدوى انتقلت إلى من رفيقة رحلتى التى تحمل نفس المشاعر الملتبسة، فهى ألمانية بافارية الأصل والتى تعتقد أن روح الملك توت تمنحها كثيرا من القدرات غير العادية، فهى تخاطب الطيور والحيوانات وتتواصل مع الأشجار والصخور، فالروح الملكية داخلها تجعل منها إنسانة غير عادية تقدر على التحليق نحو سموات براح، هى أيضا لم تتمالك نفسها عندما وقفت أمام جزء من تمثال لوالدها الروحي، تمثال لشفاة إخناتون العظيم، تلك الشفاتان المكتظتان جعلتها تهذى بكلمات أشبه بالهمهمات طول سيرنا وسط المدينة بعدما فارقنا متحف المصريات، تلك الحالة التى تقترب من حالة التصوف والتى يصفها البعض بمس من الجنون تسيطر على عدد كبير من نساء بافاريا الوحيدات، فالرجال داخل ذلك المجتمع المولع بشرب البيرة والجلوس داخل غرف السونا الساخنة كل ليلة لا يملكون روح المرح لإثارة شغف النساء هناك، ملامحهم غليظة وأجسادهم ضخمة، وبالرغم من بشرته الوردية إلا أن مشاعره بليدة فاترة غير قادرة على بث روح الدفء فى قلوب تلك النساء الحالمات الباحثات عن عوالم أخرى أكثر إثارة.


والمتحف المصرى فى ميونخ يحوى قطعا أثرية نادرة يصل عددها إلى ٨٠٠٠ قطعة أثرية، قامت بإنشائه حكومة ولاية بافاريا فى عام ١٩٧٠ التى تضم مدينة ميونخ بعد توصية من عدد من خبراء الآثار الألمان بعد أن ظلت المجموعة الأثرية محفوظة فى أقبية خاصة فى مكتبة بلدية ميونخ، منذ أن قام بشرائها الملك لودفيج الأول (١٧٨٦ - ١٨٦٨) نتيجة ولعه وشغفه الشديد بالآثار الفرعونية واليونانية، حيث بدأ رحلته مع الاقتناء فى عام ١٨٣٠ واستمر فيها حتى وفاته، ومنذ حوالى عامين تقريبا تم افتتاح المبنى الجديد للمتحف المقام تحت سطح الأرض على هيئة مقبرة فرعونية على مساحة ١٨٠٠ متر مربع أمام كلية الإعلام والسينما والفنون البصرية ليتمكن من تقديم أكبر قدر من القطع الأثرية المميزة من فنون النحت المصرى بشكل موجز ومكثف، عند الدخول من الباب الرئيسى تستقبلنا صالة كبيرة بها عدد من التوابيت الحجرية المنحوتة من صخورالجرانيت وصخور البازلت، ويعرض مجموعة من التماثيل الفرعونية المختلفة الأحجام، كما نرى مجموعة من التوابيت الخشبية دقيقة الصنع، والتى نقشت عليها رسوما وكتابات باللغة الهيروغليفية عن الحياة اليومية للمومياء، وقد تم العثورعلى هذه المجموعة فى منطقة الدير البحرى على الضفة الغربية لنهرالنيل فى جنوب مصر، وهذه المجموعة ترجع لعهد الأسرة الحادية والعشرين، وهى تكشف عن التطورالذى حدث فى الفن المصرى القديم بعد عصر «الرعامسة» الذين كانوا يصورون الحياة اليومية للموتى على جدران مقابرهم قبل أن ينتقل التصوير والنقش على التابوت نفسه، ويفتخر المتحف بانفراده بين متاحف العالم بعرض قطعة أثرية فريدة، وهى أول مزهرية (فازة) مطعمة بالزجاج صنعت فى التاريخ القديم وقد نقش عليها اسم الملك «تحتمس الثالث» من الأسرة الثامنةعشرة (١٤٥٠ ق.م)، ومن أهم ما يقدمه تمثال الإله آمون المصنوع من البرونز الخالص ويرجع لعهد الأسرة ال ٢٦ (٦٠٠ ق.م)، وتمثال الإله حورس من الأسرة ال ٢٧(٥٠٠ ق.م).


وبالرغم من حالة هدوء شوارعها وجمال مبانيها، إلا أن حالة من الصخب والتعصب قد تكنها نفوس أهالى ميونخ والذين يفضلون تسمية أنفسهم بـ”بايرن”، فهى موطن النازية الجديدة التى أعلاها أودلف هتلر ومن قبل كانت موطن مناهضة البروتستانتية وحركة الإصلاح الدينى التى قادها مارتن لوثر، لذا فهى منذ أن بناها ملكها لودفيج الأول وهى تسير على نفس الخطى، ترقد فى هدوء وسط جناتها الخضراء، تواصل حياتها بشكلها التقليدى بلا أية محاولات لتغييرها، يملكون النسبة الكبيرة من قلاع الصناعة الألمانية ويتحكمون فى اقتصادها الجبار وفى نفس الوقت يمضون أوقاتهم الليلية فى شرب البيرة وتناول العشاء على الطريقة البافارية، وفى الأعياد والمناسبات يرتدون أزياءهم الموروثة بافتخار شديد. وبالنظر إلى التاريخ نجد أن الحياة فى ميونخ قد بدأت بالقرب من مستوطنة الكاهن «مونيشن» على يد «ويلف هنري» الملقب بالأسد، دوق ساكسونيا وبافاريا، ونمت القرية إلى جانب كنيسة القديس بطرس الحالية بجانب الجسر الذى بناه هنرى على نهر «إيسار» وبعد حوالى عقدين من الزمن حصلت ميونخ على صفة المدينة، وبالرغم من ذلك هم شعب كاثوليكى، إلا أنه غير متدين، لكنه متعصب جدا لفريق البايرن الكروى، ومن لايملك أعلام الفريق أو التى شيرت الخاص به، فهو لا ينتمى إلى تلك المدينة، وعلى مر السنين لم تتنازل عن حالة الشيفونية، فهى مركز قوى لمناهضة الإصلاح الدينى فى ألمانيا الذى بدأه مارتن لوثر، بل تعرضت للاحتلال السويدى «اللوثري» فى خضم الحرب ضد الانشقاق فى الكنيسة عام ١٦٣٢، ومعها انتشر وباء الطاعون فخسرت ثلث سكانها، لكنها تعافت بعد نهاية حرب الثلاثين سريعا، وبدأ طابع البناء الباروك الإيطالى بالانتشار فيها، خاصة مع تحالف القيصر ماكسيميليان الثانى مع فرنسا، ومنذ نهاية القرن الثامن عشر، خاصة مع تولى الملك «لودفيج» الثانى الذى يقرون بأنه من بنى ميونخ الجديدة تحولت إلى مركز تجارى وثقافى مهم فى أوربا، لكن استمرت حالة التعصب بين أهلها خاصة مع نهاية الحرب العالمية الأولى عندما بزغ نجم الفكر اليمينى المتشدد الذى عرف فيما بعد بالفكر النازي، تسلم الزعيم اليمينى أدولف هتلر المستشارية فى ألمانيا عام ١٩٣٣م ونصب تلك المدينةعام ١٩٣٥ «كعاصمة الحركة»، وخلال الحرب تدمرت أجزاء كبيرة من المدينة، ولكنها تعافت سريعا خلال فترة الخمسينيات والستينيات لتصبح مدينة يفوق عدد سكانها المليون نسمة.


علاقة المجتمع بحكومته تقوم على الثقة المتبادلة واحترام القوانين، على سبيل المثال فى محطة القطار لا توجد أية بوابات للتفتيش عن التذاكر، الكل يسير وفق المنظومة المقرر من قبل الحكومة والتى هى تثق فى أن المواطن سيقوم دفع ثمن استخدامه للقطار، لكن فى حالة التفتيش المفاجئ من لا يملك تذكرة يتم تغريمة ٦٠ يورو وتحمل صحيفته الجنائية وصمة عار، لأنه شخص غير أمين، وتلك تهمة لا تنمحى مع الوقت، لذا فإن كثيرا من القوانين يتم انتهاكها من قبل الزائرين فقط، أما أهالى البايرن فلا يجرؤ أحدهم على مثل تلك الانتهاكات، لذا فهم من حافظوا على معالم مدينتهم فهى تحكى تاريخهم ومنها على سبيل المثال ميدان «مارينبلاتس» الذى يعد القلب النابض لمدينة ميونيخ، حيث يقف الجميع عند مبنى مجلس المدينة وبرج الأجراس الذى يبلغ ارتفاعه ٨٥ متراً، ليشاهدوا التماثيل التى تدور وتقرع الأجراس، علاوة على كنيسة «فراونكيرشه» الأشهر فى مدينة ميونيخ، والتى يبلغ ارتفاع أبراجها ٩٩ متراً، وهى كاتدرائية باسم «السيدة العذراء» مبنية على الطراز القوطى المتأخر وتحوى قاعة ضخمة تستوعب ما يزيد ٢٠ ألف زائر، وإن كانت معظم كنائسها تتميز بطابع معمارى بالغ الجمال ينتمى إلى عصر الروكوكو والباروك الأوربي، حيث تضم المدينة ما يقرب٣٠٠ كنيسة قديمة منها كنيسة القديس بطرس أوسانت بيتر «بيترالكبير» وهى الأقدم، حيث تم تشييدها فى القرن الحادى عشرالميلادي، لكن الوصول إليها يحتاج إلى صعود درجات السلالم المرتفعة، حتى يمكن الوصول إلى قمة البرج لينعم بإطلالة بانورامية على وسط المدينة، وربما يمتد بها البصر ليصل إلى جبال الألب، وكنيسة «الثالوث» تقع بالقرب من ميدان «لينباخبلاتس» التى وضع تصميمها جيوفانى أنطونيوفيسكاردى فى ميونخ ١٧١٦، وقد نجت من الدمارالذى لحق بالمدينة خلال الحرب العالمية الثانية.


كما تفتخر بقصورها الملكية الفخيمة التى تتميز طرزها المعمارية المبنية على النمط الريفي، الأشهر هى القصور الرئاسية منها «قصرريزيدنس» والذى يقع وسط مدينة ميونيخ بالقرب من دارالأوبرا.