د. أبو الفضل بدران رئيس هيئة قصور الثقافة: كثيراً ما نقع أسرى لغواية الشهرة على حساب الجودة

20/01/2016 - 10:49:43

 الزميلة شيرين صبحى فى حوارها مع الدكتور بدران   عدسة: محمد فتحى الزميلة شيرين صبحى فى حوارها مع الدكتور بدران عدسة: محمد فتحى

حوار: شيرين صبحى

يرغب دكتور أبو الفضل بدران رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة فى تحريك المياه الراكدة، يحاول أن ينقل تلك القصور من الأبنية إلى الميادين والجامعة والمدارس. لا ينتظر أن يذهب إليه الجمهور، يتساءل: لماذا لا نخرج نحن إلى الناس؟! نستطيع العمل فى أى مكان وبأقل إمكانات، إذا كان لدينا إيمان حقيقى بالعمل الثقافي. لابد من الخروج من هذا الحيز الضيق إلى البراح والميادين الفسيحة.


قلت لدكتور بدران: كنت أمينا للمجلس الأعلى للثقافة وهو عقل الوزارة وأنت الآن رئيس لقصور الثقافة وهى اليد الطولى التى تصل كل محافظة.. ما هى الاستراتيجية التى كنت تريد تحقيقها وتملك تنفيذها الآن؟


قال: الآن كل الاستراتيجيات متجهة لهدف واحد ووحيد وهو توصل التنوير إلى الجميع، هذه هى الرؤية أن تصل بالثقافة إلى الناس. بعض الثقافات كانت تقام داخل أروقة المبانى الثقافية وغالبا لا يحضرها أحد. لذلك نسعى أن نصل لجموع الطلاب فى الجامعات والمدارس والشباب فى الأندية، مرورا بالتجمعات العمالية فى المصانع والشركات، وصولا لتجمعات الفلاحين والمزارعين فى القرى والنجوع. هذا هو الدور الذى يجب علينا القيام به.


ما هو التنوير الذى تريد إيصاله إلى الفلاحين والعمال؟


لا معنى له سوى كلمتين؛ إعمال العقل، بمعنى أن يعمل عقل المواطن بمعزل عن أى تأثير خارجى يجره إلى التطرف والارهاب والتشتت والعصبية والفتنة الطائفية، إذا ما استطاع أن يحرر عقله من الغير فإنه يكون قد أعمل التنوير فى عقله وأصبح قادرا على اتخاذ القرار الصحيح، وهذا جوهر العقل.


ما الذى تقدمه إليه لكى يصل إلى هذا التنوير؟


أول شيء هنالك خطة نتمنى تحقيقها بدأناها بقوافل التنوير، ذهبنا إلى أكثر من جامعة، بدأنا من المنيا ثم أسيوط وسوهاج وأسوان وهناك فى الفصل الدراسى الثانى سنجوب الزقازيق وعين شمس والقاهرة والإسكندرية، القوافل تعتمد على فتح محاورة مع الشباب، لأن شبابنا كما رأيناهم، هم لا يحبون المحاضرات وإنما يودون المحاورات، فنحن نسعى إلى إقامة محاورة لا محاضرة، نسمع شبابنا يتكلمون بمنتهى الحرية، ولا توجد أوراق أسئلة معدة وموزعة عليهم قبلها بيومين حتى يحفظوها. هذه الأشياء قد اختفت وانتهت من الوزارة.


قافلة التنوير تكون عبارة عن مجموعة من المبدعين سواء كتابا أو شعراء أو نقادا، مجموعة من الفنانين والإعلاميين. وأظن من تابع هذه القوافل يدرك كم أن شبابنا يحتاج إليها، لأنه غالبا لا يجد من يكلمه، وهذه كارثة، الشباب يحتاج أن ينقل رؤاه ويقول رأيه ويجب أن نستمع إلى آرائهم، لأنهم ينقلون نبض الشارع، هم لا يأتون من قرية واحدة ولا مدينة واحدة بل يمثلون كل الشرائح، هذه مرآة المجتمع، هؤلاء الشباب إذا لم نذهب إليهم سيذهب غيرنا، وإذا ما ذهب غيرنا ربما يعطونهم أشياء ضد هذا البلد والانتماء إليه.


هناك دائما قسمة غير عادلة تتحدث عن أدباء الأقاليم وأدباء القاهرة؟


اختفت هذه التسمية، ومؤتمر أدباء مصر الذى عقد فى أسوان كان يحمل اسم أدباء مصر، ومعظم الحاصلين على جوائز نوبل لا يسكنون عواصم بلدانهم وإنما خارجها، بل إن معظم أدباء العاصمة هم النازحون من أماكنهم، ولا أود أن نقوم بعمل تصنيف جغرافى لأدبائنا وإنما يكون المعيار هو القيمة وليس المكان.


لكنهم لا يحصلون على نفس الثقافة التى يحصل عليها المبدعون فى العاصمة؟


نعم، أولا المكتبات فقيرة جدا، بعيدون عن الإعلام، الندوات والمسارح والأوبرا، لذلك نحاول أن ننقل لهم هذه التجارب، سنأخذ مثلا بعض المسرحيات التى تعرض على المسارح الكبرى فى القاهرة، سنذهب إلى الجامعات والمحافظات، ومسرحية «غيبوبة» الآن ذهبت وستعرض فى بنها وغيرها على مسارح قصور الثقافة، نحن نتعاون ونتحمل أيضا بعض الأعباء من أجل أن يصل المسرح إلى الأماكن المحرومة. نحاول نأخذ مكتبات وهناك آلاف من الكتب توزع على المدارس والمعاهد الدينية. اتفقت مع بعض رؤساء الجامعات على فتح منافذ بيع لمطبوعات الهيئة، وفى معظم الجامعات هناك تخفيض ٥٠ ٪ على مطبوعاتنا. وفى الأساس ثمن الكتب فى الهيئة رمزي، فعندما يحصل الطالب على الخصم فمعنى هذا أنه شبه مجاني.


لا يكفى الذهاب بمسرحية أو فتح مكتبات مقارنة بما يحصل عليه قاطن القاهرة؟


هناك بروتوكولات مع بعض الوزارات، نحاول الاتفاق مع وزارة الشباب والرياضة فى استقدام بعض الأدباء كل أسبوع للإقامة فى نزل الشباب ثم نضع لهم برنامجا تثقيفيا. هذا سيكون رائعا، يذهب إلى الأوبرا والمكتبات والمسرح ويحضر بعض الندوات، وسنحاول أن يكون ذلك مصاحبا لمعرض الكتاب.


قصور الثقافة منوط بها اكتشاف المواهب وتقديمها لكن هذا الدور غير موجود؟


٩٩ ٪ من الذين يظهرون الآن على الساحة الأدبية والفنية هم أبناء قصور الثقافة.


لكن الكثير من إصدارات الهيئة ضعيفة ولا تقدم وجوها حقيقية؟


هناك فرق بين مستويين، النشر لأول مرة، والمستوى الآخر، نحن نصدر الأعمال الكاملة الكبرى، لا استطيع وضع محمد الشهاوى الشاعر الكبير مع شاعر مبتدئ، لو قارنت بين المستويين سيكون الفارق كبيرا. يجب أن نحكم على كل عمل على حدة، ولا نضعهم فى بوتقة واحدة. هناك إصدارات ضعيفة لكنها فى معظمها اكتشاف مواهب وغالبا يكونون طلابا فى المدارس أو الجامعات فى بداية الطريق فلا أطلب منه أن يكون عفيفى مطر أو حجازى بل أشجعه.


تم تشكيل لجنة لتنسيق تضارب النشر بين هيئات الوزارة إلى أين وصلت وهل سيتم إلغاء بعض السلاسل؟


نحن لا نتنافس داخل وزارة واحدة وإنما نتكامل، إذا كانت هناك بعض السلاسل فاعتقد أنه يجب أن نطورها لا أن نغلقها. الأعمال الكاملة لا يجوز أن أنشرها لشاعر وتقوم هيئة أخرى بنشرها، سوف نحاول أن نحول هذا الأمر إلى نشر إلكتروني، أحيانا يترجم الكتاب وينشر هنا ويقوم المركز القومى للترجمة بنشره أيضا. هذا لا يجب أن يحدث إلا فى حالة واحدة هى نفاد الكتاب فى أى هيئة. لذلك هذا لن يكون أكثر تحديدا إلا من خلال موقع داخل الوزارة لجميع الكتب المجازة قبل الطبع، لأن أحيانا المؤلف يذهب إلى أكثر من هيئة ويترك نسخة والأسبق هو أولى به، لكن هذا لا ينبغي.


ما هى السلاسل التى تريد تطويرها؟


أرغب فى تطوير شكلى وجوهري، لا تعجبنى الأغلفة الآن، تحتاج إلى التجديد، نوعية الأوراق، لابد أن تقوم لجان الفحص بدورها الحقيقى بفصل الجيد عن الردئ، وألا يخضع لأى مجاملة على الإطلاق، لأننا أحيانا نقع تحت بريق الشهرة على حساب الجودة.


كم عدد السلاسل التى تصدرها الهيئة؟


نسعى أن تكون ٢٥ سلسلة، مثلا هناك الرسائل الجامعية التى تلقى على أرفف المكتبات، شابا يُصرف عليه أو يصرف هو ويدفع خمسة أو ستة أعوام لكتابة الرسالة، إذا لم تخرج إلى الناس فمعناه أن الدولة خسرت وهذا الشخص والمجتمع خسروا هذا الجهد الكبير. نحن بصدد سلسلة «الرسائل الجامعية» فى جميع الفروع. أيضا سلسلة الندوات، لأن الندوة يدعى لها كبار المؤلفين ويقولون ما عندهم ولا يستفيد منها إلا الحاضرون، فلماذا لا نجمعها فى كتاب. هناك أفكار كثيرة. حتى الآن لا توجد كتابات الأطفال التى يكتبونها بتلقائية. مثلا نقيم مسابقة ونقيمها نحن بعيون الكبار وهذا خطأ. نحاول أن نحّكم الأطفال فيما يكتبه زملاؤهم، هذا جدير بعمل سلسلة جديدة من الأطفال بعيون الأطفال للأطفال.


ماذا عن سلسلة النقد سبق أن قلت أن لدينا نقادا وليس لدينا نقد؟


هناك مشكلة كبرى أن أساتذة النقد يقومون بعمل أبحاث ويتقدمون بها للترقية وتطبع فى دوريات متخصصة ويطبع منها فقط ٤٠٠ نسخة، ولا تخرج خارج أسوار الجامعة. فلماذا لا يصل هذا النقد إلى الجمهور. لذلك الشباب دائما يشكون عدم وجود نقد، بل هم منقودون ولكن فى مجلات تشبه المجلات السرية. الأبحاث الجادة لابد أن تخرج للناس وهذه ستكون تتمة لسلسلة رسائل الجامعات. لأنهم يكتبونها للترقي، وبعد أن يترقى تضيع.


قضية الفساد التى اتهم فيها دكتور سيد خطاب؟


كل القضايا طالما منظورة أمام القضاء فلا يجب التعليق عليها. الدولة كلها تحارب الفساد، هناك نتائج طيبة، لأن أحيانا عندما يتوقف المفسد عن فساده فهذا نتيجة، لأنه يعرف أن الزمان اختلف، فمن أمن العقاب أساء الأدب. مشهد إلقاء القبض على وزير الزراعة كان رسالة إلى جميع المسئولين دون استثناء. الموظف الذى يغلق المكتبة فى وجه الطلاب هو نوع من الإفساد، ومن يغلق المسرح هو فاسد ومن يعبس فى وجه تلميذ يذهب إلى قصر الثقافة ليتعلم القراءة والرسم، بالتأكيد نوع من الفساد. لذلك قلت سوف أحارب الفساد المالى والإدارى الذى يكون أحيانا أخطر من المالي. لأنه من الصعب أن نجد طفلا سيشكو مديرا.


لكن الترهل الإدارى يسبب صعوبة محاربة هذا النوع من الفساد؟


نحن بدأنا، وهناك من مديرى القصور قد أقيلوا، وأنا قلت من يستطع أن يمضى معى فى محاربة الفساد وسرعة الأداء أهلا به، ومن لا يستطيع فليتنح من تلقاء نفسه قبل أن يقال.


ماذا عن قصور الثقافة فى المناطق الحدودية التى يعول عليها وزير الثقافة؟


هذا الشهر سنفتتح قصر ثقافة حلايب وشلاتين وأبو رماد وهى مناطق رائعة جدا. مسرح الغردقة الآن يعمل بكل طاقته، وسنذهب إلى الوادى الجديد. كنت فى سيناء مرتين، الأمور تسير ونحرك المياه شبه الراكدة.


هل تكفى قصور الثقافة فى هذه المناطق وتقوم بالدور الذى ترغبون به؟


المفروض أنها تكفى لو عملت، فلدينا أكثر من ٦٠٠ موقع.


لكن أكثرها على الورق فقط؟


إذا كان من يعمل فى هذا البيت الصغير لديه إيمان بقضيته فيستطيع أن يخرج من هذا الحيز الضيق، طلبت منهم آلا ينتظروا أن يأتى الناس إليهم، لماذا لا نخرج نحن إلى الناس؟ يمكنه أن يذهب إلى مسرح المدرسة ويعرض مسرحية أو يقيم ندوة. نستطيع العمل فى أى مكان وبأقل إمكانات، لابد من الإيمان بالعمل الثقافي. والمدير الذى لن يستطيع القيام بهذا الدور إما أن يستريح فى بيته أو يقال رغم أنفه.


ما أجندتك التى ترغب فى تحقيقها هذا العام؟


لو استطعنا إقامة حوار ثقافى مع شبابنا فهذه غاية كبرى بالنسبة لي، لو استطعنا أن ننقل قصور الثقافة من الأبنية إلى الميادين والجامعة والمدارس سنكون حققنا الهدف، إذا استطاع الناس أن يرتادوا هذه الأمكنة سوف نحقق كل ما نصبو إليه. أتمنى لفرقة المسرح المستقل أن تتخذ من قصور الثقافة أمكنة لإجراء البروفات وتقديم عروضهم. أن نفتح جميع المسارح المغلقة لعدم وجود حماية مدنية ضد الحرائق وما شابه ذلك، وأن يصل النشر إلى كل الناس، وأن أرى هذه البيوت وهى مراكز إشعاع وجذب للجمهور.


هل تكفى الميزانية للقيام بما ترغبون به؟


نعم تكفي، ومعظم من ذهبوا معنا فى قوافل التنمية وأماكن بعيدة فى سيارات غير مريحة، رفضوا أن يتقاضوا أى مبالغ وقالوا إن هذا هدف نحاول تحقيقه معا.



آخر الأخبار