ادعموا الصالونات..!

20/01/2016 - 10:04:50

  أحمد أيوب أحمد أيوب

بقلم - أحمد أيوب

واحدة من الظواهر القاهرية الراقية خلال السنوات الأخيرة هى تلك الصالونات الأدبية والثقافية الى انتشرت بشكل واسع لتعيد لساحرة الشرق عبقها التاريخى وتراثها الفكرى الذى كاد يندثر تحت ركام الهموم والأزمات التى تعانى منها مصر الآن، والجميل فى هذه الظاهرة تنوعها وثراؤها وإجماعها برغم اختلاف ألوانها على قضية واحدة وهى مصر كوطن.


من المؤكد أن قطاعا منا قد سمع عن صالون الأديبة والشاعرة مى زيادة باعتباره من أقدم الصالونات الأدبية الأقدم فى مصر، على اختلاف المؤرخين حول تاريخ بدايته، البعض يراه بدأ عام ١٩٠٧ وآخرون يرجحون أنه بدأعام ١٩١١.


لكن أيا كان موعد البداية لهذا الصالون الأشهر فى التاريخ الأدبى المصرى والذى كان يعقد فى الثلاثاء من كل أسبوع، فالمهم أنه كان مؤثرا وكان بريقه ليس فقط من صاحبته، وإنما من جملة حضوره أيضا أمثال خليل مطران والرافعى وأحمد شوقى ومنصور باشا لطفى وإسماعيل باشا صبرى وعباس محمود العقاد الذى أسس هو الآخر صالونا شهيرا باسمه كان يعقد يوم الجمعة من كل أسبوع، كتب عنه الراحل الكبيرأنيس منصور كتابه الضخم الشيق «فى صالون العقاد كانت لنا أيام»، وقد كان منصور واحدا من مريدى هذا الصالون الفكرى المهم.


لكن الأكيد أن مى زيادة لم تكن صاحبة الصالون الأول فى مصر، فقد سبقتها الأميرة نازلى فاضل بصالونها الذى كان يعقد فى قصرها، وتحضره نخبة من أعلام الفكر والسياسة مثل سعد باشا زغلول وقاسم أمين ومحمد عبده .


وإن كانت المرأة هى صاحبة الفضل فى دخول الصالونات الأدبية والثقافية مصر، فهى الآن من صنع الرجال على اختلاف انتماءاتهم، فأغلب الصالونات الآن مرتبط بأسماء رجال.


وبعضها أسسها رجال أعمال لهم هوايات وعشق ثقافى وإسهامات أدبية، ومن أبرزهم الدكتور «حسن راتب «، الذى يحرص على عقد هذا الصالون شهريا أشبه بالصالون الشامل الذى يناقش قضايا سياسية تخص الوطن، وفى الوقت نفسه لا يخلو من الجانب الثقافى والشعرى والفنى التراثى، بل وفى المناسبات الدينية يتحول الصالون إلى الجانب الدينى الأقرب إلى الصوفية، ورواده من رموز الفكر والسياسة من الدكتور مصطفى الفقى إلى اللواء مراد موافى والدكتور على جمعة ونخبة من المثقفين.


ومن صالونات رجال الأعمال أيضا صالون «محمد سعد الدين» رجل البترول الذى فضل أن يكون صالونه « المنار» غنائيا فقط، لا مجال فيه للسياسة ولا مناقشاتها، وإنما الفن المصرى الأصيل الذى يقود من يقدمونه فى ليلة نصف شهرية واحد من أبناء القوات المسلحة العاشقين للموسيقى والتراث الغنائى المصرى وهو اللواء «محمود معوض».


ومن أجل الفن المصرى الأصيل فقط أسس الدكتور «أحمد البدوى»، وهو واحد من أشهر أطباء التجميل فى مصر، صالون الذكريات ووضع له دستورا لا يخرج عنه وهو أن هدفه الوحيد الحفاظ على تراث مصر الفنى والحضارى والثقافى الذى بناه أبناؤها المخلصون من المبدعين، وأصبح لزاما علينا أن نقدم كل ما نستطيع من إسهامات لإحياء هذا الفن الجميل بثقافته وموسيقاه وأدبه وفكره .


فى هذا الصالون يحرص البدوى على اكتشاف المواهب الشبابية التى أبدعت فى تقديم التراث الغنائى حتى أصبح لصالونه أبناء كان ميلادهم على يديه .


وفى المقابل يطل علينا صالون المفكر «وسيم السيسى «بسمته التاريخى المتبحر فى كنوز مصر التاريخية، وكيف يمكن أن نستفيد منها فى هذه الظروف، ثم الصالون البحرى الذى أسسه اللواء بحرى محمود متولى ويركز فى جلساته على قضايا الأمن القومى، ويجمع عددا من أصحاب الفكر الاستراتيجى، وتطور حتى أصبح له عضوية معترف بها يمنحها لأشخاص تتوافر فيهم شروط الصالون .


ومن التاريخ إلى الشعر يأتى صالون طبيب الشعراء الدكتور» أحمد تيمور» أستاذ الباطنة بطب قصر العينى الذى تميز فى الطب وأبدع فى الشعر، وأسس صالونه الذى به كثير من الشعر وبعض من السياسة التى لا يمكن الاستغناء عنها من أجل إحياء الأمة .


ولا ينسى أحد الصالون الذى أسسه الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية للكتاب، واستكمل مسيرته مع المثقف السعودى غازى زين عوض الله الذى حرص على تكريم العديد من الرموز المصرية.


بالطبع كانت هناك تجارب مهمة لصالونات كان من الممكن أن تكون مؤثرة وفاعلة لكنها توقفت فجأة ومنها صالون مقهى ريش، كما توقفت صالونات عديدة، لكن فى المقابل ظهرت سلسلة أخرى من الصالونات البديلة حتى وإن لم يكن بعضها على نفس المستوى الفكرى أو حتى المشاركين، لكن بعضها الآخر أصبح متميزا وله رواده ومنها صالون الزميل فايز فرح نائب رئيس الإذاعة الأسبق.


لكن المهم أن تزايد هذه الظاهرة وانجذاب الناس إليها يؤكد أن الصالونات الأدبية لم يتجاوزها الزمن، كما يروج البعض، بل على العكس تثبت أهميتها مع الأيام، خاصة إن كانت من نوعية الصالونات التى تستهدف مناقشة القضايا الوطنية بعيدا عن منصات المزايدات السياسية، أو الصالونات التى تستهدف الحفاظ على تراثنا الفنى والثقافى المهدد بالنسيان.


يقينى أننا فى حاجة لتدعيم هذه الظاهرة لأن بعضها يتعثر لأسباب مادية وأحيانا لعدم توافر المكان الذى سيقام فيه الصالون، ولهذا لابد من مساندة الدولة ليس فقط للصالونات التى ينظمها كبار الأدباء والمثقفين، وإنما أيضا تدعيم ظهور صالونات الشباب الراغب فى إحياء تراث بلده، ففى عودة الصالونات الأدبية والثقافية فائدة لمصر ثقافيا وفنيا وتاريخيا.


أشرف الشاذلى