قلة أدب

20/01/2016 - 9:54:49

  طه فرغلى طه فرغلى

بقلم - طه فرغلى

هل مطلوب أن تصبح قليل الأدب حتى يهابك الناس ويحسبون لك ألف حساب؟


الإجابة المنطقية والطبيعية هى بالطبع «لا» ..


علمونا قديما أن الأدب فضلوه عن العلم، وحفظنا عن ظهر قلب قول الشاعر:


«لكل شىء زينة فى الورى وزينة المرء تمام الأدب».


«سيبك من الكلام اللى فوق ده مالوش لازمة، ولو أنت مؤدب يبقى سنتك سودة»، لأن الحقيقة والإجابة الثابتة فى هذا العصر والأوان هى بالتأكيد « نعم « لابد أن تصبح قليل الأدب حتى يحترمك الناس ويهابك الخلق.. هكذا بكل بساطة انقلبت الآية.


دعك ممن يكذب عليك ويقول لك كانى ومانى.. الأدب هذه الأيام لم يعد سلعة رائجة.. قلة الأدب سوقها رائج.


انظر حولك، فى كل مجال ستجد قليل الأدب هو السيد،


بمقدار سوء خلقك سيرتفع قدرك.. بمقدار سبك وشتمك ستحظى بالاحترام حتى ولو كان زائفا؟


السؤال الأخطر هل تحولنا إلى مجتمع قليل الأدب؟.. هل انهارت أخلاقنا؟.. لماذا أصبح أسهل شىء الآن السب والشتم علنا؟..


كيف فقدنا أدبنا؟.. لماذا تحولت أفلامنا وبرامجنا إلى نهر متدفق من الألفاظ البذيئة والأفعال المشينة؟


لماذا أصبح المؤدب بين القوم مثل الأجرب؟


هل تشعر بالصدمة عندما أقول لك أننا أصبحنا مجتمعا قليل أدب؟.. بالتأكيد لن تشعر بأى صدمة لأن قلة الأدب تحيط بنا وتقفز فى وجوهنا أينما ولينا.


الكارثة أن قلة الأدب تحولت إلى أمر عادى أصبحت هى العادة وتحولنا إلى مجتمع لا يحترم إلا قليل الأدب..


أصبحنا نعتبر الردح بطولة، والسب شجاعة، والصوت العالى قوة


هكذا اختلت المعايير، وانقلب هرم الأخلاق، وتحول الباطل إلى حق.


المتخصصون من علماء الاجتماع يؤكدون أن أزمة الأخلاق وسوء الأدب تستفحل فى المجتمع بصورة غير مسبوقة ويرجعون الأمر إلى عدة عوامل من بينها المشكلات الاقتصادية، والفقر، والبطالة، وارتفاع الأسعار، وانخفاض الدخول، وقلة الخدمات، وعجز الأفراد عن تدبير أمور حياتهم المعيشية.


كل ذلك يؤدى –وفقا لعلماء الاجتماع – إلى انحدار الأخلاق، وانتشار الفساد، والتسيب، واللامبالاة، وعدم الانضباط، والفوضى الأخلاقية، وزيادة العنف والتطرف بأشكاله المختلفة.


ولكن من وجهة نظرى المتواضعة أن هذا الكلام ليس دقيقا، فى الماضى كانت الأحوال الاقتصادية أشد وطأة وكان المصريون يعانون أزمات طاحنة، ورغم هذا كان الأدب سائدا، والأخلاق فى أعلى مراتبها، وكلمة «عيب» يقولها الكبير للصغير إذا ارتكب أى هفوة.


إذا الأمر ليست له علاقة بالأحوال الاقتصادية والمادية، وإلا لماذا نرى نجوما فى المجتمع صفتهم «قلة الأدب».


القضية خطيرة ومعقدة وتحتاج إلى دراسة متأنية،خاصة أن الأمر لم يعد فى إطار ضيق بل أصبح سمة سائدة، ينتشر مثل كرة اللهب، وله مشجعون ومريدون، نراه على الهواء مباشرة، ومن شخصيات توصف بالعامة.


هل من قبيل المستحيل أن نحلم بعودة الأخلاق والأدب؟، أم هل بات صعبا أن يعود الاحترام والرقى؟


كيف تحول المصريون من شعب راق وحساس ولديه ذوق عال فى التعامل، يعرف الأصول ويحترم القيم إلى شعب - بعضه – « قليل الأدب»؟


كيف أصبحنا نفتخر بقلة الأدب، ونعتبر قليلو الأدب هم القدوة والمثل؟


لماذا تعودنا على القبح والغلظة؟


ولكن رغم كل شىء أقول لك ولنفسى «خليك مؤدب».