حكم الردة فى الحديث النبوى (١)

20/01/2016 - 9:39:04

د. صفوت حاتم د. صفوت حاتم

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

ذكرنا الأسبوع الماضى أن آيات القرآن الكريم قد خلت من أي  عقوبة صريحة بقتل المرتد عن الإسلام .


وقلنا إن ماجاء فى القرآن من آيات، جعل عقاب المرتدين عقابا أخرويا، فيلقون عقابهم فى الآخرة كما جاء مثلا فى سورة البقرة : « ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون « ( البقرة ٢١٧ )


ونفس الموقف نراه فى سورة المائدة (الآيات من ٥١ - ٥٤ ) ونراه أيضا فى سورة محمد (الآيتان ٢٥ و ٢٦ )  حيث ترك عقاب المرتدين لعذاب الأخرة .


من أين جاء إذا الحكم بقتل المرتد فى تراثنا الإسلامي،؟!!


الواقع أن معظم الفقهاء الذين قالوا أو يقولون بقتل المرتد بعد الاستتابة لا يعتمدون فى حكمهم هذا  على ما جاء في  القرآن الكريم بل يعتمدون فى ذلك على ما جاء فى الحديث النبوى بخصوص الردة .


ويذكرون فى هذا الصدد  الحديث الذى يقول : « عن عبد الله ابن عمر قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : والله الذى لا إله غيره لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزانى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة . ( رواه الإمام أحمد).


وقد لاحظ ذلك  المرحوم الشيخ محمد الغزالى حيث نراه يقول :» والقرآن الكريم لم يذكر حد الارتداد صراحة ولكن جاء فى السنة : من بدل دينه فاقتلوه وجاء أيضا « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنى بعد إحصان وقتل النفس التى حرم الله بغير حق والتارك لدينه المفارق للجماعة «  . ( محمد الغزالى، هذا ديننا، دار الشروق «)  .


فكيف يمكن أن نفهم هذا التعارض بين موقف الآيات القرآنية وبين الحكم الذى جاء بالأحاديث النبوية،


ضوابط فهم الحديث النبوي


ولفهم ومناقشة هذين الحديثين الشريفين  للقارئ غير المتخصص،  يجب أن نستعيد الضوابط التى وضعها الفقهاء وعلماء الحديث للقبول بالحديث النبوى .


ما شروط صحة الحديث النبوي،


يقول المرحوم الشيخ محمد الغزالى : « وضع علماء السنة خمسة شروط للقبول بالأحاديث النبوية : ثلاثة منها فى السند .. واثنان فى المتن .


والمقصود بالسند هو قائمة الرواة الذين قاموا برواية الحديث لبعضهم البعض وصولا للرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام .


ويشترط فيهم : ١- راو واع يضبط ما يسمعه ويحكيه بعدئذ طبق الأصل دون زيادة أو نقصان .


٢- أن يكون محققا واعيا ذكيا له خلق متين وضمير يتقى الله ويرفض أى تحريف .


٣-أن تكون هاتان السمتان متوافرتين فى كل سلسلة الرواة .


أما شروط صحة المتن فيقصد بها صحة ومعقولية الحديث فى مضمونه ويشترط لها شرطان :


١ -ألا يكون شاذا غريبا.         


٢- ألا يكون بالحديث علة قادحة والمقصود به ألا يكون به عيب يراه المحققون فلا يأخذون به . ( محمد الغزالى، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث).


عود على بدء


وهكذا سنرى بادئ ذى بدء أن باب «  الردة «  كان يأتى عند معظم الفقهاء عقب باب « الحرابة « وذلك لقوله تعالى : « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الأخرة عذاب عظيم « . ( المائدة ٣٢ )


وقد جاءت هذه الآية فى النفر الذين ارتدوا فى زمن النبي- عليه الصلاة والسلام - واستولوا على الإبل وقتلوا بعض الصحابة، وقد أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام - فقطعت أرجلهم وسملت أعينهم جزاء ردتهم وحرابتهم ( أى حربهم ) على المسلمين وقتلهم غدرا لنفر من أصحاب رسول الله - عليه الصلاة والسلام -.


حديث : لا يحل قتل امرئ  مسلم إلا بإحدى ثلاث


وإذا عدنا لهذا الحديث فسنجد له روايات متعددة ولكنها فى معظمها تقرن الردة بمفارقة الجماعة والحرب عليها كرواية ابن مسعود .


بل إن رواية السيدة عائشة - رضى الله عنها - جاءت بصيغة مخالفة إذ نراها تقول : « لا يحل قتل المسلم إلا فى إحدى ثلاث خصال : زان محصن فيرجم ورجل قتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله عز وحل ورسوله فيقتل « .


والغريب أن « ابن تيمية « الذى تأخذ عنه كل التيارات التكفيرية، يرى أن رواية عائشة رضى الله عنها تفسر ما جاء فى رواية « ابن مسعود « وغيره والتى تعتبر أن المارق عن الدين هو المفارق للجماعة، وأن فراق الجماعة يكون « بالمحاربة «  أى بمحاربة المسلمين .


ورغم ذلك يختلف كثير من الفقهاء المعاصرين  مع رأى « ابن تيمية « خصوصا من الفرق التكفيرية ويرون فيه رأيا فرديا لم يتابعه عليه أحد وأن « ابن تيمية « اجتهد فى « تأويل « الحديث فجانبه الصواب « ( عقوبة الردة بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين، دكتور عبدالعظيم المطعنى، ص ٣٩، مكتبة وهبة ) .


ولكن ورود هذا الحديث بأكثر من طريقة، عن ابن مسعود وعن السيدة عائشة - رضى الله عنهما- لا يدع مجالا للشك أن الردة المقصودة من ظاهر النص هى تلك المقترنة بمحاربة المسلمين وإيذائهم والإضرار بمجتمعاتهم .


ولعل  هذا الاختلاف فى « التأويل « بين ابن تيمية وبين الآخرين المعترضين عليه هو ما يشجعنا على القول أن الارتداد عن الاسلام كعقيدة وموقف فردى لا يستوجب عقوبة القتل مادام لم يشع فسادا أو كفرا .


ولعلنا لسنا وحدنا الذين نتبنى  هذا « التأويل «  الذى يميز بين الردة كموقف اعتقادى وبين الردة التى تتحول  إلى موقف لهدم المجتمع .


والحقيقة  أن هذا الرأى قال به قبلنا أستاذ وفقيه ومجدد كبير نكن له كثيرا من التقدير والاحترام هو المرحوم الشيخ « محمد الغزالى « حين نراه يفرق بين حرية الاعتقاد الفردى وبين الحرية التى تتحول لفوضى عقائدية مدمرة حيث  نراه يقول : « لنا أن نتساءل هل من حرية الرأى عند اعتناق الإسلام أن نكسر قيوده ونهدم حدوده،


هل حرية الرأى تعطى صاحبها حق الخروج على المجتمع ونبذ قواعده ومشاقة أبنائه،


هل خيانة الوطن أو التجسس عليه لحساب أعدائه هى من الحرية،


( محمد الغزالى، هذا ديننا، دار الشروق )


وننهى هذا المقال بالتساؤل : إذا كان القرآن الكريم لم يضع حدا صريحا بعقوبة القتل للمرتد وإذا كان حديث « لا يقتل مسلم إلا بثلاث « لم يتضمن حد القتل إلا فى حالة « الحرابة «  والاعتداء على المسلمين . وإذا كان كثيرامن الفقهاء كالثورى وأبى حنيفة وأصحابه وابن شبرمة وابن علية وعطاء والحسن وابن عباس وعلى ابن أبى طالب ( رضى الله عنهم جميعا) قد قالوا بعدم قتل المرأة المرتدة لعدم تحقق آثار الحرابة فى ردتها .


إذا كان كل ذلك كذلك فمن أين جاءوا إذا بحكم قتل المرتد على الإطلاق والعموم،!


نجيب على هذا فى حديث قادم إن شاء الله