Think – Tanks

20/01/2016 - 9:34:47

حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

لا تمر عملية إحياء معهد التخطيط القومى هكذا فى احتفالية افتتاح حضرها السيد رئيس الوزراء، جرت السبت الماضى، ما تم فى المعهد يؤذن بانفتاح مصر الدولة على عصر مايعرف  بالـ think – tanks أو مراكز التفكير.. معهد التخطيط عمريا هو أقدم «  ثينك تانكس»  فى مصر، أول خطوة لزرع هذه المراكز فى البيئة المصرية المتصحرة من مراكز التفكير والمعرفة، لإنبات وتكثير الأفكار، وتخليق طرائق جديدة على الدماغ المصرى وصولا إلى ظهير فكرى يعين الإدارة ببدائل فكرية من خارج الصندوق الحكومى.


دوما كانت هناك محاولات لإنبات وإكثار الثينك تانكس فى مصر، لكنها كانت محاولات خجولة أو كسولة أو نبتة مهملة فى أرض قاحلة لم تروَ بالماء الضرورى للإنبات والإثمار، مركز الدراسات والبحوث  الاستراتيجية بمؤسسة الأهرام نموذج ومثال .


تراجع الدور الرائد للثينك تانكس لأسباب تراجع  مراكز التفكير فى عقل النظام السياسى، ويعود الدور مع انفتاح العقل المؤسسى على التفكير العلمى الذى خاصمناه طويلا، متى كان للأفكار مكان فى الأرض المصرية، ليتها عنيت بالأشجار، لا عنيت بالأفكار أو بالأشجار، ذبلت الأشجار ووئدت الأفكار .


إحياء معهد التخطيط القومى وتحويله إلى ثينك تانكس بالمفهوم العلمى العالمى، بنك للتفكير والتخطيط للدولة المصرية، نقلة نوعية يلزم تحية الدكتور أشرف العربى وزير التخطيط ومعاونيه عليها، هكذا يكون التفكير فى إعادة الاعتبار للفكرة .


 منذ اختفى هذا المعهد ودراساته وتقاريره تاه من أقدامنا الطريق، ضللنا الطريق إلى طرائق يمهدها الفكر المنبنى على المعطيات الرقمية والقيم الحقيقية للتفكير العلمى المخطط لمستقبل واعد تنبئنا به مراكز التفكير الأمريكية التى انشغلت ضمن مهامها العالمية برسم مستقبل العالم وفى القلب منه المنطقة ، وفى قلب القلب الوطن العربى، وفى حبة القلب مصر، إنهم يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، ويملكون سيناريوهات لنا نذهب إليها مغمى العينين، مثل هذا تقرؤه فى الدراسة القيمة التى ترجمها ونشرها الدكتور سمير فرج  بالأهرام الأسبوع الماضى، هناك فى الثينك تانكس الأمريكية يفكرون على مدار الساعة يرسمون للإدارة الأمريكية طريقها المستقبلى، لا تمشى هكذا مغماة الأعين تتخبط فى الظلام .


وحتى لا يشق على البعض مانقول، فإن tanks  - tanks  تعرف إلى  العربية إلى (مراكز التفكير) وهناك من يترجمها إلى(بنوك التفكير/ الفكر)، ولكن في الغالب يستخدم تعبير (مراكز الأبحاث والدراسات) للإشارة إلى  think – tanks، وذلك لأن معظم المؤسسات أو المراكز التي تقع تحت هذا التعريف المختصر لا تعرف عن نفسها كثينك تانكس في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية  (non profit organization) .


الثينك تانكس ليست رفاهية رغم غرائبية المصطلح على الأذن الشعبية  المصرية، بل ضرورة قصوى، وتتنوع وتتعدد الخدمات التي تقدمها مراكز التفكير حسب تنوع وتخصص هذه المراكز...


ـ تقويم السياسات السابقة، ووضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم


ـ تحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء على حد سواء، فيما يتعلق بمصالح الدولة ومكانتها  الدولية خاصةً.


ـ طرح الأفكار والآراء الجديدة، واقتراح السياسات البديلة، خلال المدة التي تسبق مباشرة انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى، أو بعد حدوث حوادث كبرى أو بروز ظواهر جديدة أو مستجدات ( مثل ١١ سبتمبر، وقضايا الإرهاب)، وذلك كي تكون تلك الأفكار والمقترحات تحت تصرف صانعي القرار السياسي الجدد.


ومن الأمثلة على ذلك قيام كل من معهد « بروكينجنز « ومعهد دراسات الشرق الأوسط بنشر دراستين عن أزمة الشرق الأوسط خلال السنة الأخيرة لفترة رونالد ريجان الثانية تحت عنوان (نحو سلام عربي/  إسرائيلي) والثانية كانت بعنوان (مصالح الغرب وخيارات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط) فبراير ١٩٨٨.. اللافت، أنّ ستة من المفكرين الذين شاركوا في هذه الدراسات دخلوا الحكومة في عهد الرئيس بوش الأب في مراكز حساسة، أهمهم كان( لورانس إيغلبرغر  نائب وزير الخارجية، ودينيس روس رئيس  قسم التخطيط السياسي في الخارجية، وريتشارد هاس مدير قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي) .. ما يسمونه المدد، أى تزويد الإدارات المتتابعة والأجهزة المختلفة بالخبراء.. فضلا عن تقديم المشورة والنصح لأجهزة مؤسسات الدولة أحيانا بناءً على طلب تلك الأجهزة، وتدريب جيل جديد من القيادات الفكرية والسياسية ليكون جاهزاً لتسلم الإدارات السياسية العامة للدولة.


الدور يذهب بعيدا إلى التأثير في الرأي العام وفي صانع السياسة والقرار السياسي من خلال عقد الندوات والمؤتمرات، ونشر الكتب والدراسات، وإصدار النشرات والمجلات والتقارير وإعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية وتقديم التحليلات، لتبرير سياسات معينة أو نقدها أو لترويج أفكار جديدة وتعميمها، وبذلك تتعزز المكانة الأدبية لمراكز التفكير والمفكرين، وإمداد وسائل الإعلام وبرامجها بالخبراء والمحللين القادرين على تحليل الأحداث والتنبؤ بها، خاصة في أوقات الأزمات 


يقينا تأخرنا كثيرا، ولكن كما يقولون إن تأتى متأخرا أفضل من ألا تأتى أبدا، بدأت الموجة الرئيسية الأولى لمؤسسات الفكر والرأي المتعلقة بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة بالظهور في بداية القرن الماضي، نتيجة لرغبة كبار الممولين والمثقفين في خلق مؤسسات يجتمع فيها الباحثون والقادة من القطاعين العام والخاص، لمناقشة القضايا العالمية والتداول بشأنها.


بدأت ثلاث مؤسسات بشكل خاص بإثبات وجودها خلال العقود الأولى من القرن العشرين هي: مؤسسة “كارنيجي الخيرية للسلام العالمي” (١٩١٠)، والتي أنشأها قطب صناعة الفولاذ كارنيجي في مدينة بيتسبيرج، ومؤسسة “هوفر” حول الحرب والثورة، والسلام (١٩١٩)، والتي أنشأها الرئيس الراحل هربرت هوفر، و”مجلس العلاقات الخارجية” (١٩٢١)، وهو مؤسسة تطورت من نادي عشاء شهري؛ لتصبح إحدى أكثر مؤسسات السياسة الخارجية التي تحظى بالاحترام في العالم .


 وبدأت فيما بعد مؤسستا فكر ورأي أخريان هما، “معهد الأبحاث الحكومية” (١٩١٦)، الذي اندمج لاحقاً مع مؤسستين أخريين لإنشاء “مؤسسة بروكينجز « (١٩٢٧)، وهذه الأخيرة تعتبر أيقونة في واشنطن، ثم “معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسة العامة” (١٩٤٣)، وهو مؤسسة فكر ورأي محافظة تحظى بأهمية كبيرة، ركزت بمرور الزمن اهتماماً كبيراً على تشكيلة واسعة من القضايا الخارجية.


الجيل الثانى ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الحاجة إلى النصائح المستقلة حول السياسة الخارجية أكثر إلحاحاً بالنسبة لصانعي السياسة الأمريكية،  وبحلول العام ١٩٤٨، وجد صانعو السياسة من يلجؤون له. في مارس ١٩٤٨ تأسست مؤسسة “راند كوربوريشن” لتعزيز وحماية مصالح الولايات المتحدة الأمنية خلال العصر الذري. 


ولسدّ الفراغ لدى مجتمع الأبحاث المختص بالسياسة الخارجية، فقد جاءت مؤسسة “راند” بمجموعة جديدة من مؤسسات الفكر والرأي، تلك المتعاقدة مع الحكومة، وهي مؤسسات للأبحاث السياسية مموّلة على نطاق واسع، من قبل الدوائر والوكالات الحكومية، والتي استهدفت أبحاثها معالجة معضلات معيّنة لصانعي السياسة. وتكفلت مؤسسة “راند” في السنوات التي تلت في إنشاء العديد من المؤسسات المتعاقدة مع الحكومة، ومن بينها “معهد هدسون” (١٩٦١) و”معهد أيربان” (١٩٦٨). 


الجيل الثالث كان نقلة نوعية، برزت فيها مؤسسات الفكر والرأي الداعية لقضايا عامة، وخلافاً لمؤسسات الفكر التي قامت في الجزء الأول من القرن العشرين، التي كانت تمانع الانخراط في المناقشات السياسية، فقد رحّبت مؤسسات الفكر والرأي الداعية لقضايا عامة، من ضمنها “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (١٩٦٢)، و”مؤسسة هيريتيج” (١٩٧٣) و”معهد كاتو” (١٩٧٧) بالفرص السانحة للتأثير على كل من اتجاه ومضمون السياسة الخارجية. ومع ازدياد قدرات قطاع مؤسسات الفكر والرأي الأمريكية على المنافسة، توصلت معظم مؤسسات الفكر والرأي إلى إدراك أهمية جذب انتباه عامة الناس وأذهان صانعي السياسة. 


أحدث نوع من مؤسسات الفكر والرأي الذي ظهر لدى مجتمع صنع السياسة الخارجية مايسمى “المؤسسات الميراثية”، ومنها “مركز كارتر” في مدينة أطلنطا، و”مركز نيكسون للسلام والحرية” في واشنطن العاصمة، وهي مؤسسات فكر ورأي أنشأها رؤساء سابقون ينوون ترك أثر دائم لهم في السياسة الخارجية والداخلية. 


جدير بالذكر أن كثيراً من رواد قطاع الثينك تانكس على علاقة وطيدة بالسياسيين الأمريكيين أو بالأحرى بالسياسة بصورة عامة في الولايات المتحدة، فهم إما أنفسهم صناع القرار والسياسة السابقين أو سيصبحون صناع السياسة في المستقبل. لأن تقاليد السياسة الأمريكية تحتّم قيام كل رئيس جديد بتعيين حوالي(٤٠٠٠) شخص في مناصب سياسية وإدارية وقضائية هامة، من بينهم (٦٠٠) شخص كوزراء ومستشارين ونواب وزراء ومساعدي وزراء  وموظفين في البيت الأبيض وحوالي (١٠٠٠) شخص كسفراء وقضاة وحوالي(٢٢٠٠) شخص كمستشارين وأعضاء في اللجان المختلفة التي يتم تشكيلها لمتابعة القضايا المختلفة والهامة .  وفي العادة تأتي غالبية هؤلاء من مراكز التفكير والأبحاث