عدد ذهبى من المصور

20/01/2016 - 9:15:30

عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

٢٠ يناير ١٩٣٨ - العاشرة صباحا


كل شيء دافئ في القاهرة عاصمة المحروسة ، برغم برودة الطقس.


الزينات والأفراح بامتداد القطر المصري تملأ الشوارع وضفاف النيل وقلوب الناس .


كان عدد سكان مصر وقتها ١٨ مليونا، والقاهرة واحدة من أجمل عواصم العالم .


والعلم المصري الأخضر يرفرف بداخله هلال يحتضن ثلاث نجمات، تشكل حدود المملكة، نجمة لمصر ونجمة للسودان ونجمة لفلسطين.


قبلها بأيام معدودة زار مليك البلاد الشاب قصر عائلة ذو الفقار، كان عمره ١٩عاما، ولم يجد في البيت أحدا سوى الفتاة التى اختارها قلبه، وكان عمرها ١٧ عاما، فاعترف لها مباشرة برغبته في الزواج وتضرجت وجنتاها خجلا .


تطورت الأحداث سريعا، بعد موافقة أسرة العروس، وطلب فاروق من محبوبته صافيناز أن تغير اسمها التركي وتختار اسما عربيا، وبعد بحث اتفق الحبيبان على فريدة اسما لمليكة مصر المنتظرة .


كان شاهدًا العقد صاحب الدولة على ماهر باشا رئيس الديوان الملكي وصاحب المعالي سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء،


وكان وكيلا العقد صاحب السعادة يوسف ذو الفقار باشا والد صاحبة النبل العروس الملكية، وتولى جلالة الملك بنفسه مباشرة العقد.


قدم فاروق لفريدة عقدًا ثمينًا من الماس النادر من ثلاثة أفرع من الماس الأبيض، وتنتهي الأفرع من ناحيتين بمسّاكتين نادرتين من الماس، وكان هذا العقد معروضًا في معرض باريس الدولي للمجوهرات، وكان أندر المعروضات جميعا في ذلك المعرض الدولي .


ارتدت فريدة فستانًا صنع خصيصًا في باريس من خيوط فضية والدانتيلة الفرنسية الجميلة وبأكمام طويلة، صنعه أشهر محل أزياء بباريس في ذلك الوقت وهو محل «ورث»، وكذلك ارتدت ماثيو من قماش خفيف مفضض تكون منه الذيل الذي بلغ طوله ١٥ قدمًا ومغطى بالتل الخفيف.


الحفل الرسمي لعقد القران أقيم بقصر القبة في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق ٢٠ يناير عام ١٩٣٨ وحضرها أفراد البيت الملكي من أصحاب السمو الأمراء وأصحاب المجد النبلاء وفضيلة الإمام المراغي الأستاذ الأكبر وشيخ الجامع الأزهر وفضيلة المفتي وفضيلة رئيس محكمة مصر الشرعية وفضيلة السيد محمد الببلاوي نقيب الأشراف.


وكانت كعكة القران طولها خمسة أمتار.


عقب الإعلان عن موعد الزواج الملكي تسابق الملوك والرؤساء لتقديم الهدايا للعروسين .


قدم الهر أدولف هتلرلفاروق سيارة مرسيدس فخمة. وجاءت هدية من النمسا عبارة عن مجموعة من التماثيل تمثل الفرسان النمساويين بأقربائهم في القرن الثامن عشر، وتلقى فاروق هدية من ملك إيطاليا عبارة عن تمثال تاريخي من البرونز لأمير إيطالي من أمراء القرن السابع عشر. وقدم الملك جورج ملك إنجلترا بندقيتي صيد .


هدايا الملوك العرب كان أغلبها خيولا عربية أصيلة من ملك الأردن وملك المملكة العربية السعودية.


في شرفة قصر عابدين همس فاروق لعروسه : « سآخذك ونهرب بعيدا عن كل هذه الحشود فسألته : إلى أين ؟ فقال : إلى أنشاص حيث كوخ الهدوء والجمال والخضرة والماء.


وضحك قائلا : والوجه الحسن .


في هذا التوقيت أصدرت مجلة المصور عددا ذهبيا للزواج الملكي يندر مقارنته بكل الإصدارات الأخرى من الصحف والمجلات .


سعر العدد عشرة قرش .


واليوم يتسابق عشاق التحف والآثار لشراء العدد بآلاف الجنيهات.


لكل هذه الأسباب قرر مركز الهلال للتراث ، تقديم نسخة طبق الأصل من العدد الذهبي لعشاق المصور ومؤسسة دار الهلال في كل مكان.


العدد الذهبي يثير في نفوس القدامى من العاملين بدارالهلال مزيدا من الشجون، وقت صدوره كان يترأس تحرير المصور فكري باشا أباظة، والمؤسسة في قمة نجاحاتها، لدرجة أن الباشا رفض أن يغادر موقعه برئاسة تحرير المصور لرئاسة تحرير جريدة يومية تعد الأكبر الآن، ولما ضغطوا عليه وافق بشرط أن يكون رئيسا لتحرير الاثنتين، وأن يكون رئيس تحرير المصور أولا.


من خلال العدد قدمت المصور - كعادتها - خدمات فاخرة للقراء عن كل ما يخص الزواج الملكي من أسرار.


استوقفتني صفحات تتحدث بمنتهى الشفافية عن ثروة المليك الشاب فاروق بكل وضوح، وهى آخر ذمة مالية يقدمها حاكم في مصر .


واستمتعت بصور أميرات البيت المالك ووصف شجرة أسرة محمد على بقلم الأمير إسماعيل داود.


وعلى الصفحات صور لكل قادة الجيش المصري ورؤساء البرلمان.


وفي العدد مقالات لعلماء أجلاء بحجم الشيخ المراغى والأستاذ الأغر سليم حسن صاحب الموسوعة الفرعونية الشهيرة عن مصر.


كل الشكر للزملاء الذين شاركوا في ترميم وتقديم هذا العدد الذهبي والمنتظر تقديمه للقراء، منفصلا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، كنسخة أثرية طبق الأصل بلا تعديل أو حذف أو تزوير.


اقتضت النسخة أن يقف معنا رائد الإخراج محمد أبوطالب ليتابع أمام ماكينات العمل جودة الطباعة ونتيجة الألوان.


ولا يفوتني أن أشكر جهود كل زملاء المطابع، الذين حرصوا على إثبات أنهم ينتمون لمؤسستهم العريقة، الغنية بكنوز ذهبية يصعب أن يقدمها أحد غير دار الهلال.


وعلى وعد بتقديم مقتنيات أخرى لا تقل جمالا في الأيام القادمة .


أيام الخديوى إسماعيل


لأول مرة من عشرات السنين نفد العدد الأخير من المصور مع الإصدار النادر أيام الخديوي إسماعيل


المرتجع صفر والعدد بمجرد صدوره يوم الأربعاء لم يبق طويلا وبنهاية الخميس كانت الأعداد كلها نفدت برغم رفع سعر المجلة لعشرة جنيهات


شكرا على الثقة الغالية


انتظروا المزيد من المفاجآت.