في ذكرى يحيى حقي .. مقيمون وعابرون

19/01/2016 - 8:55:03

رئيس التحرير سعد القرش رئيس التحرير سعد القرش

سعد القرش

في مارس 1951 عرض فيلم «ليلة غرام» عن رواية لكاتب مصري، وفي نوفمبر 1951 عرض فيلم «لك يوم يا ظالم» سيناريو كاتب مصري، وفي العام نفسه كان كاتب مصري ثالث في الهامش، يشغل منصب القنصل في السفارة المصرية بأنقرة، بعد أن أودع لدى الضمير الثقافي رواية اقترنت باسمه، تدل عليه، ويدل عليها.
الكاتب الأول محمد عبد الحليم عبد الله (يناير 1913) أبرز آباء ظاهرة «الأكثر مبيعا»، وكانت أعماله «بيست سيلر»، تنشر رواياته فتنفد، وتتوالى طبعاتها، وسرعان ما تجد طريقها إلى السينما. رواية «لقيطة» قدمها أحمد بدرخان في فيلم «ليلة غرام»، بطولة مريم فخر الدين. ورواية «شجرة اللبلاب» قدمها السيد بدير في فيلم «عاشت للحب» بطولة زبيدة ثروت. واحتفظ بدير بعنوان رواية «غصن الزيتون» في فيلم بطولة سعاد حسني. ثلاث من فاتنات السينما المصرية لا يستطعن إنعاش ذاكرة المشاهد لكي يحفظ اسم المؤلف، رغم تكرار بث الأفلام المأخوذة عن رواياته.
الكاتب الثاني نجيب محفوظ (ديسمبر 1911) كان أكثر غزارة، يتجرع مرارة صمت نقدي قاتل، ويكاد يفقد إيمانه بالكتابة، ولم يكن أمامه إلا الرهان على الزمن، بعد مجموعة قصصية وثماني روايات، لا تجد صدى، ولا يذكرها النقاد باستثناء أنور المعداوي وسيد قطب، حتى صديقه المخرج صلاح أبو سيف استثمر موهبته في كتابة سيناريوهات مقتبسة من روايات غربية، ولم يجد أبو سيف آنذاك في روايات محفوظ جدارة التحول إلى شريط سينمائي، ولم يجرؤ محفوظ على الصراخ في وجه صديقه المخرج قائلا إن رواياته أفضل للسينما وأبقى من «المنتقم» ـ عن قصة إبراهيم عبود ـ و«لك يوم يا ظالم» و«ريا وسكينة» وغيرها من أعمال أبو سيف التي كتبها محفوظ.
الكاتب الثالث يحيى حقي (يناير 1905)، كان نموذجا مثاليا لأغلب رعايا برج الجدى، عزوفا عن الأضواء، نظيف اليد واللسان، مستغنيا عن كل شيء وكل أحد، تكفيه فرحة أن ينسج غزله بأناة الرهبان، وإن فاته ما يتمتعون به من طمأنينة لا تليق برائد نادي فن القول، إذ يحلو له أن يهدهد اللغة بصبر صائغ اللؤلؤ، ويستمتع بالتعب في صوغ الجملة، ويحرص على ألا يشعر القارئ بهذا التعب؛ فلا أحد يحب أن يرى عرق العامل وهو يعمل. هكذا خرجت درته «قنديل أم هاشم» عام 1944.
أستعيد صبر محفوظ، وثقة حقي. كلاهما راهن على قداسة «الكتابة»، وأن الإبداع وصاحبه أبقى من السلطان وأسمى، فلا يجوز التقرب لمسؤول بأية «كتابة» أو سلوك يثير حولها الغبار، ورغم قبولهما أعمالا في هيئة الفنون التي تتبع «الدولة» فقد احتفظا بشرف الاستقلال عن السلطة، ولم يتقربا إليها بقول أو عمل، ولو بالإعلان عن الشروع في كتابة «رواية اشتراكية». أغنتهما الكتابة عن «تراب الميري».
لم ينفصلا عن الهم العام، ناقشه محفوظ بقسوة احترافية. ولم يكن صاحب «القنديل» بعيدا، يسجل محمد روميش أن حقي شكا ألما عام 1973، وسافر إلى باريس لإجراء جراحة، وقضى أياما في كشوف تمهيدية، «وفي اليوم المحدد لإجراء الجراحة سمع من الراديو عن قيام الحرب. وفورا كتب اعتذارا للمستشفى عن إجراء الجراحة.. تجمع حوله الأطباء دهشين. أخبرهم في بساطة ـ مثلما أخبرني عن اعتذاره للجامعة الأمريكية (التي أرادت نشر طبعة موثقة لأعماله الكاملة، بمبلغ كبير، وقيام فريق بحث بجمع أعماله) ـ : لا يمكن أن أتعالج هنا وأبناء وطني يحاربون هناك!.. ثم عرف أن الطيران إلى القاهرة مقطوع. فأخذ طائرة إلى إيطاليا، وطائرة أخرى إلى ليبيا، ومن ليبيا ركب سيارة إلى الإسكندرية فقطارا إلى القاهرة، لألتقي به في ميدان طلعت حرب، يضرب بعصاه الأرض». (محمد روميش: مشوار مع يحيى حقي. مجلة «أدب ونقد» / نوفمبر 1987).
اتسع للرجل محرابه، فاكتفى بقليل يجعله أكثر غنى، وتبنى جيلا من المبدعين الشبان، فتح لهم صفحات مجلة «المجلة» حين كان رئيسا لتحريرها، وآثر أن يكتب مقالاته في الظل، في صحيفة «التعاون» غير المشهورة، رهبة من النشر تحت أضواء تتاح للصحف الكبرى. الآن يجد قارئ هذه المقالات ـ التي جمعها فؤاد دوارة وصنفها بدأب وإخلاص نادرين ـ ثروة معرفية، في النقد والأدب والموسيقى والفنون الشعبية، تحملها إلى الأجيال اللاحقة لغة عذبة تتحول إلى سياط إذا اقتضى الأمر، كما فعل مع هاوارد كارتر، متهما إياه بانتهاك حرمة توت عنخ آمون، وهي جريمة لن يغفرها له التاريخ في حق الملك:
«كنا نخطئ أشد الخطأ في حسن الظن به، كنا مغشوشين ومغفلين ونحن لا ندري، لم نر إلا الطلاء، لم نر ما تحته من معدن خسيس منحط.. إن أبذأ لغة، أقدر عليها مكرها، ستصبح ناعمة كالحرير إذا قيست إلى خشونة فعلته... يدل على خراب الذمة والنهم رغبة الخطف والسرقة، ليس للميت عنده حرمة، حتى لو كان من عامة الناس، فما بالك بفرعون مصر! ما بالك بالرجل الذي سيمنح هذا الخسيس شهرة لم يبلغها عالم آخر في بلده!.. ينبغى أن نرجع القهقرى فنبلغ أيام هولاكو وتيمور لنك لنرى مثيلا لهذا الأستاذ العظيم.. انظر إلى هذا النمط السافل الدنيء كيف سوغ له ضميره، كيف رضيت له إنسانيته أن يجمع أشلاء «توت» المتناثرة ثم يضعها في صندوق خشبي للسكر وربما «سنترفيش» أيضا، كأن هذه الأشلاء بقايا خردة أو روبابيكيا أو نفاية قمامة... إن لصوص المقابر أشرف منه، لأنهم سرقوا ولم يعبثوا بالجثث كما فعل هو.. وبقيت فعلته كارثة مجهولة لدينا، فلم نعلمها إلا حين أعيد فتح التابوت أخيرا للكشف بالأشعة على توت عنخ آمون». (المساء 16 ديسمبر 1968، نقلا عن كتاب «صفحات من تاريخ مصر»).
يحضر محفوظ وحقي في حياتنا الثقافية بقوة، لديهما في كل جيل مريدون ينحازون إلى جمال عابر للأزمنة، في حين توارى كثيرا محمد عبد الحليم عبد الله؛ ففي كل عصر تتغير واجهات عرض «الأكثر مبيعا». وقد أحزنني أن يقول لي صديق إن أعمال الرجل لا تجد ناشرا «يتطوع» بإعادة نشرها بدون مقابل.
جملة قاسية، كما ترى، تدعو للاعتبار، ربما إلى أن تنظر حولك، هناك آخرون منسيون في حياتهم رغم قدرتهم على الصياح، فما أقسى الزمن حين يصطفي ويختار.